يقترب المزارعون في نصف الكرة الشمالي من أشهر الربيع الحاسمة، التي يتوجب خلالها بدء الأعمال الزراعية الكبرى في الحقول، بينما ينشغل نظراؤهم في نصف الكرة الجنوبي بحصاد المحاصيل قبل حلول الشتاء.
لكن أعمالهم هذا العام تأتي في ظل الحرب في إيران، التي تسببت في قيود حادة على إمدادات الأسمدة الأساسية، مما أدى إلى ارتفاعات هائلة في الأسعار وتحذيرات من مخاطر الأمن الغذائي المستقبلية.
ويُمرر نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية العالمية عبر مضيق هرمز، وفقًا للأمم المتحدة.
ويُعد هذا الممر المائي، الحيوي لشحن البضائع والذي يمتد على طول الحدود الجنوبية لإيران، مضطربًا بشدة منذ اندلاع الحرب، حيث توقف المرور بشكل فعلي، وتعرضت عدة سفن لإطلاق مقذوفات في المنطقة أو بالقرب منها.
ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في 28 فبراير شباط، ارتفعت أسعار الأسمدة، التي يُنتج جزء كبير منها في الشرق الأوسط، بشكل حاد.
اقرأ أيضاً: برنامج الأغذية العالمي: 45 مليون شخص إضافي قد يعانون من الجوع الحاد إذا استمرت حرب إيران
وعلى الرغم من أن عقود الأسمدة الآجلة أقل سيولة من السلع الأخرى، مما يجعل أسعارها أقل وضوحًا، أفاد محللون في القطاع لـ CNBC بأن تكلفة اليوريا الحبيبية FOB في مصر — كمؤشر على أسمدة النيتروجين — قفزت إلى نحو 700 دولار للطن المتري، مقارنةً مع 400 إلى 490 دولار قبل اندلاع الحرب.
وفي مذكرة صدرت يوم الاثنين، أشارت شركة Oxford Economics إلى أن أسعار اليوريا والأمونيا ارتفعت بنحو 50% و20% على التوالي منذ بداية الحرب، فيما شهدت أسمدة أخرى مثل البوتاس والكبريت أيضًا ارتفاعات في الأسعار.
يشكّل الشرق الأوسط مصدرًا رئيسيًا لليوريا ومنتجات النيتروجين، وفقًا لكريس لوسون، نائب رئيس قسم استخبارات السوق والأسعار في شركة CRU.
وقال لوسون: «مع توقف حركة المرور الفعلي عبر مضيق هرمز، هناك جزء كبير من التجارة العالمية غير قادر على التحرك حاليًا. نقدر أن نحو 30% من الموردين القابلين للتصدير غير متاحين حاليًا للسوق، ويشمل ذلك السعودية وقطر والبحرين، وكذلك إيران».
وأضاف أن إيران تُعد منتجًا مهمًا للأسمدة النيتروجينية وواحدة من أكبر الدول المصدرة على مستوى العالم.
وأشار إلى أن «الكثير من الإمدادات المتداولة مهددة —فحوالي 30% من تجارة اليوريا العالمية تأتي من إيران والدول التي يعاني مضيق هرمز من قيودها. إنها سلسلة توريد طويلة؛ وإذا لم يتمكن المزارعون من الحصول على اليوريا التي يحتاجونها، فسوف تنخفض إنتاجية المحاصيل حتمًا. النيتروجين هو المغذي الرئيسي الذي تحتاجه المحاصيل للنمو، وسيتم استنفاد بعض المخزونات، لذلك لن ترى تأثيرًا كبيرًا على الإنتاجية أو خسارة المحاصيل إلا لاحقًا خلال العام».
وأكد داويد هيل، المدير المشارك لمحفظة استراتيجية الموارد الطبيعية العالمية في «ناينتي ون»، أن أسمدة النيتروجين مثل اليوريا هي محور أزمة الشرق الأوسط الحالية، لأن النيتروجين —على عكس مجموعات الأسمدة الأخرى مثل البوتاس والفوسفات— «هو العنصر الذي يجب توافره للنبات كل عام».
وقال: «يمكنك تفويت موسم للبوتاس، أو موسم للفوسفات، لكن لا يمكنك تفويت موسم للنيتروجين».
ومع استعداد المزارعين في نصف الكرة الشمالي لبدء تسميد حقولهم، تتقاطع هذه القيود على الإمدادات مع الطلب الموسمي. وتُعد اليوريا واحدة من أكثر الأسمدة استخدامًا عالميًا، إذ تُستعمل في زراعة مجموعة واسعة من المحاصيل، بما في ذلك الذرة والقمح ولفت اللفت وبعض الفواكه والخضروات.
قال داويد هيل، المدير المشارك لمحفظة استراتيجية الموارد الطبيعية العالمية في «ناينتي ون»: «هناك علاقة مباشرة بين كمية النيتروجين المطبقة على الأرض والإنتاج الزراعي النهائي. لهذا السبب أنا أكثر قلقًا بشأن الأزمة الحالية مقارنة بما كنت عليه خلال أزمة روسيا–أوكرانيا قبل أربع سنوات».
وأضاف: «يشعر المرء أن الوضع قد يكون أسوأ هذه المرة، لأنه قد يؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة وعلى المحاصيل الكبرى مثل الذرة والمحاصيل الأساسية الأخرى»، مشيرًا إلى أن معظم عقود الأسمدة الآجلة شهدت نموًا مزدوج الرقم في الأسعار منذ بدء الحرب.
اقرأ أيضاً: تعطل إمدادات الأسمدة قد يرفع أسعار الغذاء مع تواصل حرب الشرق الأوسط
واتفقت سارة مارلو، رئيسة قسم تسعير الأسمدة في «أرغوس»، مع تقييم هيل، مؤكدة أن الأزمة الحالية في الشرق الأوسط سيكون لها تأثير أكبر على تجارة الأسمدة مقارنة بأزمة روسيا–أوكرانيا. وقالت: «تقريبًا نصف جميع الكبريتات المتداولة عالميًا تأتي من تلك المنطقة، أما اليوريا فثلث التجارة العالمية منها، والأمونيا نحو 25%».
وأضافت: «هذا أمر هائل وذو أهمية كبيرة، وربما أكثر تأثيرًا من أزمة أوكرانيا لأنها تؤثر على عدة منتجين في الوقت نفسه. فالأمر لا يقتصر على دولة أو اثنتين فقط، فالصادرات من السعودية والكويت وقطر وإيران والإمارات جميعها تتأثر».
وأوضحت أن سوق الكبريت كان بالفعل متوترًا قبل اندلاع الأزمة، وأن الأسعار وصلت إلى ذروتها في يناير كانون الثاني. ومع توقف جزء من الإنتاج وعدم قدرة الصادرات على الخروج من المنطقة، ازداد النقص، مما قد يؤدي إلى ارتفاعات إضافية في الأسعار.
كما تأثرت عمليات إنتاج الأسمدة بنقص خيارات التخزين للمنتجات غير القابلة للشحن وإغلاق بعض المنشآت الطاقة في الشرق الأوسط. وأعلنت شركة قطر للطاقة مؤخرًا وقف الإنتاج من اليوريا بعد قرارها إيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال.
من جهة أخرى، فرضت الصين قيودًا على صادرات الأسمدة لحماية سوقها المحلي من النقص، وفق ما نقلت وكالة رويترز الأسبوع الماضي.
أوضح هيل أن الأسواق بدأت عام 2026 بمخزونات كبيرة نسبيًا من السلع الغذائية الأساسية المعتمدة على الأسمدة، مما يوفر نوعًا من «المخزونات الاحتياطية» التي قد تخفف بعض تأثير النقص في الذرة والقمح وفول الصويا والأرز.
وقال: «إذا تأثرت المحاصيل بنسبة 5% هذا العام، لا أعتقد أننا سنواجه مجاعة، لكن هذا بالتأكيد سيؤدي إلى تضخم في أسعار الغذاء». وأضاف أن الدول الناشئة هي الأكثر عرضة لتأثير الأزمة، موضحًا: «لسوء الحظ، غالبًا ما تكون الدول الفقيرة أكثر تعرضًا لهذه الأزمات. بعض الدول الإفريقية التي تستورد كميات كبيرة من الحبوب ستتأثر».
وأشار هيل إلى أن الهند، التي تستورد الأسمدة النيتروجينية وكذلك الغاز الطبيعي لإنتاجها محليًا، تواجه أيضًا تعرضًا كبيرًا للنقص. وأضاف: «أنا أكثر قلقًا بشأن دول مثل الهند والمناطق مثل شرق إفريقيا، حيث تكون الأسواق الناشئة شرق قناة السويس والجنوب العالمي غالبًا آخر من يستطيع تحمل الأسعار المرتفعة».
مع ذلك، أشار إلى أن الولايات المتحدة ليست محصنة بالكامل من تأثير صدمة أسعار الأسمدة، مبينًا أنه رغم إنتاج أمريكا لجزء كبير من الأسمدة النيتروجينية محليًا، إلا أن البلاد «ليست مكتفية ذاتيًا بالكامل».
وفقًا لمعهد الأسمدة الأميركي، يُستورد نحو ثلث الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية المستخدمة في الولايات المتحدة.
وقال داويد هيل تعليقًا على ارتفاع أسعار الأسمدة وتأثيره على المزارعين الأميركيين: «سيكون لذلك أثر تضخمي على المزارعين. هل ستكون هناك مناطق معينة لن تتمكن من الحصول على الأسمدة أو ستضطر إلى تقنين استخدامها؟».
شاهد أيضاً: شركات الأسمدة والبتروكيماويات المصرية.. أرباح تتآكل رغم نمو المبيعات
وفي خطوة استثنائية، وجهت 54 جمعية زراعية رسالة مؤخرًا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تطالبه بـ«تقديم الدعم السوقي الذي يحتاجه المزارعون الأميركيون» في ظل ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة.
وجاء في الرسالة: «مع بدء موسم الزراعة بشكل فعلي في معظم أنحاء الولايات المتحدة، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود والأسمدة. كما أن اضطرابات الشحن البحري الناتجة عن الصراع المستمر في إيران تحمل تبعات كبيرة على الأمن الغذائي داخل البلاد وعلى مستوى العالم».
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي