يعتمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على استراتيجية "المهل الزمنية" كأداة ضغط على خصومه؛ بهدف إجبارهم على اتخاذ قرارات عاجلة في ملفات سياسية واستراتيجية متعددة.
رغم التهديدات المتكررة والتمديد المستمر لهذه المهَل، يشير خبراء العلاقات الدولية الغربيين إلى أن فعاليتها ربما تكون محدودة، وأن تكرارها قد يضعف مصداقية واشنطن على الساحة الدولية، خصوصاً عندما تفتقر إلى عواقب ملموسة.
في المقابل، يرى بعض المراقبين أن هذه المهل تعكس نفاد صبر الولايات المتحدة تجاه البطء في استخدام الأدوات الدبلوماسية التقليدية، وتبرز محاولة فرض خيار ثنائي قبل غلق نافذة الفرصة للتأثير على سلوك الأطراف المستهدفة.
خاص- CNBC عربية- محمد خالد
"منذ 21 مارس/ آذار، عندما منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب طهران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، أصدر خمس مهل إضافية، كانت آخرها المهلة التي تنتهي يوم الثلاثاء 7 أبريل/ نيسان.. لكن التردد المتكرر متبوعاً بتهديدات متزايدة الشدة، والتي باتت الآن تتجه بشكل متزايد نحو تدمير البنية التحتية المدنية، يقلل من المصداقية.. كما يعكس إدراك ترامب المتأخر لضعف الاستراتيجية الأميركية وغياب خطة خروج قابلة للتنفيذ".
هذا ما يؤكده استاذ العلاقات الدولية في كلية هاملتون في نيويورك، آلان كفروني، في حديثه مع CNBC عربية، قبل 24 ساعة من انتهاء مهلة ترامب لإيران لفتح مضيق هرمز.
اتبع ترامب الاستراتيجية ذاتها (ممارسة الضغط من خلال مهل زمنية متكررة) في التعامل مع عديد من الملفات الرئيسية التي انخرطت فيها الولايات المتحدة، سواء ملفات سياسية واستراتيجية وحتى الملفات الاقتصادية، إذ استخدم دبلوماسية "المواد الحاسمة" لممارسة أقصى أنواع الضغط على الخصوم، لإجبارهم على اتخاذ موقف معين.
على سبيل المثال، في الملف المتعلق بحرب أوكرانيا، سبق وأن أعلن الرئيس الأميركي عدة مُهل زمنية لإنهاء القتال منذ عودته إلى البيت الأبيض؛ وفي يوليو/ تموز كان قلص مهلة ممنوحة لموسكو للتوصل لاتفاق سلام إلى عشرة أيام.. كما سبق وأن منح كييف مهلة مماثلة في نوفمبر/ تشرين الثاني للموافقة على خطته بخصوص إنهاء الحرب.
فيما لم تنجح تلك الاستراتيجية في تحقيق الهدف المُعلن المرتبط بالوصول لاتفاق سلام وإنهاء الحرب في أوكرانيا.
في الوقت ذاته، يكشف استخدام المهل الزمنية في ملف هذا الملف عن بعض محدوديات أدوات الضغط التقليدية، فقد تم فرض عقوبات على روسيا منذ بداية الحرب في فبراير 2022. ورغم هذه العقوبات، واصلت موسكو عملياتها في أوكرانيا، كما تكيفت روسيا عبر تعميق علاقات التجارة مع الصين والهند ودول أخرى مستعدة لاستيعاب صادراتها من الطاقة، مما خفف من الأثر المتوقع للضغط الاقتصادي الغربي.
وعاد ترامب أخيراً هذاالشهر (أبريل/ نيسان 2026) بالتلويح بمهلة مدتها 50 يوماً أمام روسيا من أجل التوصل لاتفاق وقف الحرب في أوكرانيا، مهدداً بفرض رسوم جمركة مرتفعة للغاية على روسيا.
ومع تكرار تلك ما يمكن وصفه بـ "استراتيجية المُهل" المتبعة من ترامب، يثير مختصون بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية -في تصريحات متفرقة لـ CNBC عربية- شكوكاً حول فعالية تلك الاستراتيجية، بل ويذهب آخرون إلى التأكيد على كونها تضرب مصداقية واشنطن على الساحة الدولي كما ألمح كفروني، والذي يشير إلى رد فعل الطرف المستهدف.
فبالنسبة لإيران، يقول: "طهران تحتفظ من جانبها بالقدرة على إغلاق مضيق هرمز إلى أجل غير مسمى، وستفعل ذلك بغض النظر عن التصعيد الأميركي"، مضيفاً: "يبدو أن ترامب نفسه أدرك هذه الحقيقة الآن، كما يدرك الأوروبيون، الذين يرفضون بشكل قاطع إرسال سفن حربية إلى المضيق.. وينبع يأسه المتزايد من حقيقة أنه رغم الاكتفاء الذاتي للولايات المتحدة من النفط والغاز، فإن استمرار إغلاق المضيق سيؤثر بشكل بالغ على الاقتصاد الأميركي ويزيد من عدم شعبيته وسط تصاعد المعارضة المحلية للحرب".
تدير طهران ظهرها لمهلة ترامب، وهو ما نقلته تقارير إعلامية أميركية يوم الأحد الخامس من أبريل/ نيسان، كما رفضت مساعي الوساطة التي تبذلها كل من باكستان ومصر وتركيا، بما يعكس فشل المهلة المُحددة والتهديدات القصوى في تغيير سلوك إيران.
استجابة الدول المستهدفة
في هذا السياق، تقول عالمة السياسة البريطانية، الأستاذة في جامعة أوكسفورد، روزماري فوت لـ CNBC عربية، إن مدى تأثير مثل تلك المهل الزمنية فعلياً في سلوك الدول المستهدفة "يعتمد بدرجة كبيرة على مستوى ومصداقية التهديد وراء المهلة، وعلى عزيمة الدولة المستهدفة".
وترى أنه "في الظروف الحالية للعلاقات الأميركية–الإيرانية، من المرجح أن المسؤولين الإيرانيين لا يعتقدون بأن الولايات المتحدة ستنفذ مهلتها (نظراً لجارب سابقة)، وعلاوة على ذلك، ترى إيران نفسها تواجه تهديداً وجودياً من الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي فهي مصممة على المقاومة".
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كان لجوء ترامب الموسع لتلك السياسات يشير إلى أي محدوديات أو ضعف في أدوات الضغط التقليدية، مثل العقوبات أو التحالفات الدولية، تنفي فوت ذلك، مشيرة إلى أن "الأدوات التقليدية تتطلب إقناع الآخرين بدعم المسار المقترح للعمل، وبالتالي فإن تنفيذها يحتاج إلى وقت. ولكن إذا نجح الإقناع، فمن المرجح أن تكون النتيجة أكثر استقراراً من التهديد بالمهل الزمنية أو التهديد باستخدام القوة القسرية".
تجارب سابقة
وبخلاف المهل الزمنية المختلفة التي قدّمها في ملف "الحرب في أوكرانيا" والتي لم تكن لها مردودات ملموسة على أرض الواقع، فإن قائمة التجارب السابقة منذ عودة ترامب للبيت الأبيض تضم مهلاً زمنية سبق وأن حددها في ملفات مختلفة أخرى، بما في ذلك في الشرق الأوسط، ممارساً نوعاً من أنواع الضغط لإنهاء ملفات عالقة.
على سبيل المثال، كان الرئيس الأميركي قد أعلن العام الماضي عن "مهلة أخيرة" لحركة حماس الفلسطينية في أكتوبر/ تشرين الأول للتوصل إلى اتفاق بشأن غزة. فيما ذكرت تقارير إسرائيلية في يناير/ كانون الثاني الماضي عن وثيقة أميركية تعطي حماس مهلة لتسليم سلاحها للقوات الدولية وإلا سيسمح لإسرائيل بتفكيك السلاح بنفسها.
وفي لبنان، أعلن ترامب أيضاً عن مهلة من أجل تجريد حزب الله من السلاح تنتهي في 31 ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
اقرأ أيضاً: الأسواق تتأرجح بين آمال السلام ومخاوف تصعيد الحرب بعد تهديدات ترامب لإيران
كما شملت استراتيجية الضغط بالمهل الزمنية ملفات اقتصادية، مثل المهلة السابقة التي حددها ترامب للدول من أجل التوصل لاتفاقات تجارية مع الولايات المتحدة بعد رسوم يوم التحرير والتي انتهت في يوليو/ تموز الماضي.
إنذارات ترامب.. هل هي دليل نفاد أدواته؟
يتفق عالم السياسة بجامعة جورجيا الحكومية، نيكولاس كريل، لـ CNBC عربية، مع الرأي القائل بأن تأثير المهلة الزمنية يعتمد بالكامل على الطرف المستهدف.
"في حالة إيران، تُعدّ الإنذارات التي وضعها ترامب لفتح مضيق هرمز مثالاً واضحاً؛ ذلك أن حافز طهران للامتثال لترامب ليس منخفضاً فحسب، بل يمكن القول إنه سلبي، إذ إن فتح المضيق يعني التنازل عن أهم أوراق الضغط لديها، وإرسال إشارة بأن الضغط العسكري الأميركي فعّال، وفتح الباب أمام تهديدات مستقبلية للنظام، وذلك كله دون الحصول على مقابل مضمون. فالنظام الذي يقاتل من أجل البقاء لا يستجيب للمهل الزمنية بالطريقة نفسها التي قد يستجيب بها طرف تجاري".
في الوقت نفسه، فإن المهل التي حددها ترامب، والتي تم تمديدها مراراً، كشفت عن القيود الأميركية أكثر مما أثّرت في السلوك الإيراني؛ فقد جرى تمديد المهلة من 48 ساعة إلى خمسة أيام، ثم إلى عشرة أيام، وهكذا. وهذا أظهر مدى ضعف موقف ترامب، في ظل تجاهل تهديداته بشكل متكرر، بحسب كريل.
أما فيما يتعلق بما إذا كانت هذه المهل تكشف عن محدودية أدوات الضغط التقليدية (بالنسبة للولايات المتحدة)، يشير عالم السياسة الأميركي إلى أن "هذه المهل تمثل في جوهرها محاولات يائسة من دونالد ترامب لإخافة إيران ودفعها إلى الامتثال السريع، وهو يلجأ إليها لأن الخيارات الأخرى المطروحة إما استُخدمت بالفعل، مثل العقوبات، أو تنطوي على تكاليف باهظة للغاية لا يمكن تصورها من جانب الولايات المتحدة، مثل الغزو البري".
ويستطرد: "ليس هذا فحسب، بل إنه في حال بدأت الولايات المتحدة تنفيذ تهديداتها ضد البنية التحتية الإيرانية، فمن المرجح أن تستهدف إيران بنى تحتية مماثلة في دول الخليج المجاورة. والنتيجة المحتملة لذلك ستكون قفز أسعار النفط إلى أكثر من 200 دولار للبرميل.. ولهذا السبب تحديدًا يتم تمديد هذه المهل باستمرار، لأن إيران تدرك أن التهديدات المتبقية ستفرض تكاليف هائلة للغاية على الولايات المتحدة إذا ما قررت تنفيذها فعلياً".
فرص نجاح "دبلوماسة المهل"
على الجانب الآخر، يرى بعض المراقبين أن المهل الزمنية تنجح عندما تكون مدعومة بعواقب موثوقة؛ فالمهلة التي لا تقترن بمسار واضح لتصعيد عسكري أو اقتصادي تبقى مجرد خطاب.
ويتبنى آخرون خطاباً أكثر تأييداً لتلك السياسة تحديداً في التعامل مع إيران، بالإشارة إلى أن المهل التي دفعت طهران تاريخياً إلى التحرك (مثل بيئة التهديد الضمني خلال مفاوضات الاتفاق النووي، والأثر الردعي لعملية استهداف سليماني) نجحت؛ لأن كلفة عدم الامتثال كانت ملموسة وفورية. أما المهلة التي تنقضي دون إجراء، فإنها تعلّم الخصم تجاهل المهلة التالية.
وبالتالي فإن تلك النوعية من المهل الزمنية "تشير إلى نفاد الصبر إزاء وتيرة الأدوات الدبلوماسية التقليدية، وليس بالضرورة إلى فشلها"؛ فالعقوبات تستنزف القدرات على مدى سنوات، بينما تحاول المهل الزمنية ضغط هذا الإطار الزمني.
أصحاب ذلك الرأي يرون أن واشنطن خلصت إلى أن "الضغط الاستنزافي" وحده لن يحقق النتيجة المرجوة قبل أن تتجاوز إيران عتبة معينة (نووية أو غيرها) تجعل التعامل مع الملف أكثر صعوبة بشكل كبير، وبالتالي فإن "المهل الزمنية هي محاولة لفرض خيار ثنائي قبل أن تُغلق نافذة الفرصة".
التوحد حول المواقف
وهو ما يميل إليه جزئياً من حيث المبدأ العام، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة روجر ويليامز، والذي يقول لـ CNBC عربية إنه "في الظروف العادية، يمكن للمهل الزمنية أن تساعد الدول المتنافسة على التوحد حول مجموعة محددة من المواقف، مما يسهل عملية التفاوض".
لكنه يضيف: "في حالة إدارة ترامب، يقترن كل موعد نهائي بخطاب مبالغ فيه، يلي ذلك عادة تمديد للمهلة"، مشيراً إلى أن إيران لا تعتبر المهل التي يحددها الرئيس ترامب على منصة تروث سوشيال شرعية أو ذات مغزى، علاوة على ذلك فإنه يعتقد بأن إيران ترى أن خطاب ترامب موجه أكثر للجمهور الأميركي الداخلي منه للجمهور الإيراني.
وعن استخدام أدوات الضغط التقليدية، يشدد على أن تلك الأدوات "بطيئة"؛ لا سيما العقوبات، وليست مناسبة فعلياً للأوقات التي تشهد عمليات قتالية نشطة كما نرى في إيران حالياً.
رسائل للداخل
ويتفق الدبلوماسي الأميركي السابق، المحاضر في جامعة ميشيغان-ديربورن، مايكل جيه مونتغمري، مع الاعتقاد القائل بأن الخطاب السياسي القوي موجه بصورة أكبر للداخل الأميركي، وهو ما قد يحد من تأثيره على سلوك الدول المستهدفة.
ويقول لـ CNBC عربية: "ما يفعله ترامب فيما يتعلق بإيران لا يشبه إلى حد كبير سياسة خارجية سليمة.. الأمر كله يتعلق بالسياسة: الظهور بمظهر القوة أمام مؤيديه في الولايات المتحدة وتلبية توقعات حلفائه الشخصيين مثل نتنياهو".
ويتابع: "يمكن للمهل الزمنية مثل تلك التي وضعها ترامب لإيران أن تؤثر في سلوك الدولة المستهدفة، لكنها لا تؤدي دائمًا إلى النتائج المرجوة. ومع ذلك، يتمتع ترامب بقدرة غريبة على إقناع العديد من الأميركيين بما يناسب أهدافه، لذلك لن أفاجأ على الإطلاق إذا أعلن أن تقدمًا قد أُحرز، وقرر منح الحكومة الإيرانية وقتًا إضافيًا بغض النظر عما قد تفعله إيران بالفعل أو قد تفعل".
نتائج مختلطة
ويرى آخرون أن مهل ترامب تمثل محاولة لإضفاء إحساس بالعجلة في بيئة دبلوماسية أصبح فيها الخصوم مرتاحين للانتظار حتى يخف الضغط الغربي، وهو الرأي الذي يتفق معه مارك تمنيكي، زميل غير مقيم في مركز أوراسيا بمجلس الأطلسي، لكنه يقول لـ CNBC عربية: "مع ذلك، تكمن المخاطرة في أن تكرار المهل دون عواقب يقلل من مصداقية الولايات المتحدة بنفس القدر الذي يُفترض أن تدعمه به أدوات الضغط التقليدية".
ويلفت إلى أن "استخدامات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمهل الزمنية إلى نتائج مختلطة؛ عندما وضع مهلة لروسيا وأوكرانيا للتوصل إلى وقف إطلاق النار في صيف 2025، انتهت المهلة دون التوصل إلى اتفاق".
وبناءً على ذلك حسبت روسيا أن الولايات المتحدة لن تنفذ عواقب كبيرة، وقد ثبت أن هذا الحساب كان صحيحًا. منذ ذلك الحين، دعا ترامب إلى مهل إضافية لإنهاء حرب روسيا–أوكرانيا، لكنها جاءت وذهبت دون نتيجة.
ويضيف تمنيكي لدى حديثه مع CNBC عربية: "في حالة إيران، رفضت الحكومة الإيرانية علنًا عدة مقترحات أميركية واستمرت في تحدي الخطوط الحمراء الأميركية.. الدرس المستفاد من الحالتين هو أن فعالية أي مهلة تعتمد على العواقب التي تترتب إذا لم تُلتزم بها، وما إذا كانت الدولة المستهدفة تعتقد أن تلك العواقب ستتحقق بالفعل".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي