النفط والذهب وإشارات السوق: قراءة سلوك السلع وسط الغموض الجيوسياسي

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

 

بقلم أحمد الخطيب الرئيس التنفيذي لتطوير الأعمال في مجموعة CFI

 

 

هناك مقولة شهيرة في أسواق المال بأن الأسواق تتكلم قبل السياسيين. بمعنى أن حركة الأسعار في أسواق السلع والسندات تتوقع المستقبل قبل الإعلان عن أي تطورات رسمياً. وبهذا المعنى، فإن الأسواق لم تكن فقط تتكلم منذ بداية الحرب الأخيرة، بل كانت تصرخ. أما الآن وبعد إعلان الهدنة ووقف العمليات العسكرية، فإنها تعدل نبرتها.

بدأت العمليات العسكرية ضد إيران في 28 فبراير 2026 بضربات أدت إلى مقتل عدد كبير من قيادات الصف الأول وتعطيل بنى تحتية حيوية. وردت إيران بإغلاق مضيق هرمز في 4 مارس وقصف بالصواريخ والمسيرات لدول الجوار، مما تسبب بإرباك حركة نحو خمس تدفقات النفط والغاز المسال العالمية، وأحدث أقسى اختبار لأسواق الطاقة منذ صدمة النفط في سبعينيات القرن الماضي.

مع استمرار العمليات العسكرية، فقفزت أسعار النفط وتراجع الذهب إضافة إلى تقلبات قوية في أسعار الأسهم والسندات. وعند إعلان الهدنة ووقف العمليات العسكرية في 7 أبريل، عدلت الأسواق فوراً من موقفها بإلغاء جزء مما يمكن تسميته «علاوة الحرب». لكن الأمور لم تنتهِ بعد. فالتباين بين السلعتين الرئيسيتين لا يزال يشير إلى تداعيات اقتصادية أعمق لن تختفي بين ليلة وضحاها.

تحركت أسعار النفط خلال الحرب بالطريقة الكلاسيكية لما يعرف بمنطق «صدمة المعروض»، أي حصول انخفاض قوي وسريع في المعروض من النفط، فقفز خام برنت بأكثر من 25% في الأيام الأولى من مارس، وتجاوز 120 دولاراً للبرميل لفترة قصيرة قبل أن يستقر في نطاق 100-110 دولارات حتى نهاية مارس. وهذه المرة لم يكن فقدان الإمدادات فجأة هو السبب الوحيد، لأن ارتفاع أسعار التأمين على البواخر والشحنات أيضاً كان له دور مؤثر.

تباين الأثر المباشر بين دول الخليج المصدرة للنفط والغاز، ففي حين تأثرت قطر والكويت بشكل كبير، تمكنت الإمارات والسعودية من تقليل الأثر عبر استخدام خطوط الأنابيب البديلة التي تم الاستثمار بها سابقاً والتي سمحت باستمرار الشحنات وإن كانت بوتيرة أقل من السابق. تبع ذلك صدور توقعات بانكماشات اقتصادية في حال استمرار الحرب لفترة أطول.

اقرأ أيضاً: قطاع الطاقة.. ما هي الدروس المستفادة من حرب إيران؟ (خاص CNBC عربية)

أما الذهب ففشل في القيام بدوره التقليدي كملاذ آمن خلال الأزمات والحروب. فرغم أنه ارتفع مؤقتاً إلى 5200-5500 دولار للأونصة في الأيام الأولى للعمليات العسكرية، إلا أنه عاد وانخفض بطريقة غير مسبوقة وخسر 17-25% من ذروته، واستقر قرب 4400 دولار بنهاية مارس.

في اعتقادي أن تراجع الذهب كان هو الإشارة الأكثر دلالة لما تتوقعه الأسواق. فقد حوّل المستثمرون تركيزهم من المخاطر المباشرة للحرب إلى التداعيات المتوقعة لاحقاً، والمعادلة هنا بسيطة وواضحة: ارتفاع تكاليف الطاقة يرفع التضخم ويقوي الدولار مما يعني تلاشي الآمال في تخفيضات قريبة للفائدة، وبالتالي إعادة تموضع المحافظ بشكل استراتيجي مختلف عما كان الوضع قبل الحرب.

ما كانت تقوله الأسواق فعلياً، أننا خرجنا من بيئة الاستثمار التي تريد تجنب المخاطر إلى بيئة تخشى الركود التضخمي وتريد التعامل معه. والركود التضخمي يعني أسعاراً مرتفعة ونمواً محدوداً وسياسة نقدية متشددة. أما الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي ومعظم البنوك المركزية، فإن ذلك يشكل لها ما يشبه الكابوس لأنها تصبح مجبرة على مواجهة معضلة شبه مستحيلة: مكافحة التضخم برفع الفائدة وتعميق الركود أو اتباع سياسات نقدية ميسرة ما يكرس ارتفاع الأسعار والتضخم.

اقرأ أيضاً: تحذير من اضطراب الصادرات العالمية بسبب الصراع في الشرق الأوسط

أما سلاسل التوريد العالمية فتفاعلت مع الصدمة بشكل سريع كما هو متوقع، فارتفعت تكاليف النقل والأسمدة والبلاستيك عالمياً، وانعكس ذلك مباشرة في أسعار الغذاء والتصنيع والسلع الاستهلاكية، حيث شهدت بعض الأسواق ارتفاعات في أسعار المواد الأولوية بين 40-120%. وهذه الارتفاعات يتبعها عادة زيادة نسبة البطالة وانكماش قطاعات مثل الطيران والسياحة والمقاولات، في حين تواجه صناعات أخرى ضغطاً كبيراً على هوامش ربحها مما يصل بها تدريجياً إلى الانكماش.

وفي 7 أبريل، بعد إعلان الهدنة ووقف العمليات العسكرية مؤقتاً، شهدنا أول تخفيف ملموس للمخاطر منذ بداية النزاع. فتراجعت أسعار النفط من نطاق 100-110 دولارات مع تسعير إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة التدفقات النفطية. بينما استقر الذهب

وتعافى بشكل خجول، معبّراً عن استمرار الغموض أكثر من الارتياح الكامل. وفي الأيام القادمة ستنتظر الأسواق إشارات حول مرحلة ما بعد الأسبوعين للتعامل مع الوضع بأحد السيناريوهين:

السيناريو الأول: الهدنة تصمد وتنهي الحرب فعلياً

إذا ثبت وقف إطلاق النار وانتهت الحرب بشكل واضح وصريح، فإن علاوة الحرب على النفط ستزول تدريجياً، وقد ينخفض برنت إلى نطاق 80-90 دولاراً خلال أسابيع قليلة. لكن الاقتصاد العالمي لن يعود فوراً إلى ما كان عليه. فالأضرار التي لحقت بسلاسل الإمداد والبنى التحتية ومسارات الشحن ستحتاج وقتاً طويلاً لإصلاح ما تعرضت له. ستكون هناك مرحلة انتقالية صعبة تتطلب إعادة بناء المخزونات، وإعادة ترتيب عقود التوريد، وتخفيف التضخم المتراكم. أما الذهب فسيفقد جزءاً من جاذبيته كحماية تضخمية، لكنه قد يبقى مدعوماً بأي توترات جيوسياسية متبقية

اقرأ أيضاً: بعد أكبر خسارة شهرية منذ 2013.. إلى أين تتجه أسعار الذهب؟ (خاص CNBC عربية)

السيناريو الثاني: تعود الحرب وتتصاعد الأضرار

أما إذا انهارت الهدنة وعادت العمليات العسكرية، فإن الأضرار ستتفاقم إلى مستويات جديدة تماماً. قد يقفز النفط مجدداً فوق 120-130 دولاراً مع عودة الذعر وتجدد إغلاق المضيق، بينما يستأنف الذهب تراجعه الحاد مع تعمق وتأكد مخاوف الركود التضخمي. وبعد ذلك تزداد البطالة في عدة قطاعات أهمها السياحة والطيران والمقاولات التي تكون عادة أكثر عرضة للانكماش بسبب التوترات والتضخم. في حين ستتعرض قطاعات صناعية أخرى لضغط على هوامش ربحها قبل أن تصل بدورها لمرحلة الانكماش.

في كلا السيناريوهين، تبقى قراءة الأسواق واضحة: النفط يعكس حساسية التضخم، بينما يعكس الذهب حساسية النمو.

في رأيي أن كل ذلك يجب قراءته بتمعن. مرحلة تراجع النفط واستقرار الذهب لا تعني أن الخطر الاقتصادي قد زال. المرحلة القادمة بحاجة إلى الكثير من القرارات المالية والاستثمارية والاقتصادية الحاسمة، والنافذة لاتخاذ تلك القرارات ما تزال مفتوحة... لكنها بدأت تضيق

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة