يواجه الاقتصاد التونسي ضغوطًا متصاعدة مع استمرار الحرب في إيران، حيث انعكست تداعيات الصراع على أسعار النفط العالمية بشكل مباشر على الموازنة العامة والمالية العمومية.
وقد أدت الإضطرابات التي صاحبت الحرب فى الشرق الأوسط، إلى ارتباك سلاسل الإمداد وقفزة قياسية في أسعار الطاقة، ألقت بظلالها السلبية على الاقتصادات كثيفة الإستيراد للطاقة.
تقرير IMF
وفي تقرير صندوق النقد الدولي (IMF) الأخير عن آفاق الاقتصاد العالمي لشهر إبريل 2026، أكد التقرير أن النمو العالمي تراجع إلى 3.1% بدلًا من 3.4%، مع ارتفاع التضخم إلى 4.4%، فى أعقاب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو ما يضع الدول المستوردة للطاقة، ومنها دولة تونس، في موقع هش أمام هذه الصدمات.
وأشار تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في أبريل 2026 حول آفاق الاقتصاد العالمي، إلي تخفيض تقديرات نمو الاقتصاد التونسي إلى 2.1% في عام 2026 و 1.6% في عام 2027.
كما لفت الصندوق إلى أن التضخم مرشح للارتفاع مجدداً بفعل زيادة أسعار النفط والمواد الأولية، ما يضغط على القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من أعباء المالية العمومية.
وتوقع أن ينتقل عجز الميزانية من 5.5% في 2025 إلى نحو 6% في 2026، وسط تحديات تتعلق بارتفاع كلفة الدعم وتزايد النفقات العمومية، مؤكداً أن تونس بحاجة إلى إصلاحات هيكلية لضبط التوازنات المالية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
ومع اعتماد تونس على استيراد نحو 65% من احتياجاتها من الطاقة، أصبح الاقتصاد التونسي أمام اختبار حقيقي فى تطبيق بنود موازنة عام 2026 التي باتت أهدافها في مهب الريح.
تحركات المركزي التونسي
أبقى البنك المركزي التونسي على نسبة الفائدة الرئيسية عند 7% خلال اجتماعه الأخير في 30 مارس 2026، مؤكداً أنه يتابع تطورات التضخم عن كثب. القرار جاء في ظل استمرار الضغوط التضخمية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية.
وجاءت أسباب تثبيت الفائدة لتوضح المشهد الاقتصادي، فالضغوط التضخمية الخارجية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، إضافة إلي زيادة أسعار المواد الأوليةن ألقت بظلالها جميعاً علي قراره.
كما أظهر بيان المركزي توقف مسار تراجع التضخم الذي بدأ فى في فبراير/شباط 2026 حيث عاد وارتفع إلى 5% مقابل 4.8% في يناير/كانون الثاني، نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الطازجة.
يأتي ذلك بينما ارتفع عجز الحساب الجاري في الربع الأول من 2026 إلى أكثر من 5.2 مليار دينار تونسي، أو ما يعادل 1.8 مليار دولار، وهو ما يعني زيادة بنحو 3.6% عند مقارنة النسبة بنفس الفترة من عام 2025، بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء التونسي.
صدمة الطاقة
أعدت تونس ميزانيتها لعام 2026 على تقدريرات لسعر برميل النفط عند مستوى الـ63 دولاراً للبرميل، إلا أن الواقع الميداني بعد الحرب فى الشرق الأوسط دفع الأسعار لتتجاوز حاجز 110 دولارات.
وتمثل واردات الطاقة المُساهم الرئيسي في تفاقم العجز التجاري، حيث سجّل الميزان التجاري للسلع في تونس عجزاً إجمالياً قدره 5232.7 مليون دينار، يعود أساساً إلى العجز المسجل في مجموعة مواد الطاقة بنحو 2990.4 مليون دينار، وفق تقديرات المعهد الوطني التونسي للإحصاء الصادرة حتي مارس 2026.
في حين ساهمت المواد الأولية ونصف المصنعة بـ 1601.4 مليون دينار، إضافة إلى مواد التجهيز بـ 977 مليون دينار والمواد الاستهلاكية بـ 462.2 مليون دينار، في حين حققت المواد الغذائية فائضاً بلغ 798.3 مليون دينار.
الدعم: رغم ارتفاع كلفة الاستيراد، تحافظ الحكومة على استقرار أسعار الوقود، بتحديد متوسط لسعر اللتر عند 2.5 دينار تونسي، مما يرفع نفقات دعم الطاقة إلى نحو 5 مليارات دينار (1.7 مليار دولار)، وسط مخاوف من انعكاس أي تعديل سعري على الاستقرار الاجتماعي.
الميزان التجاري
أدت الحرب إلى زيادة كلفة التأمين على الشحن البحري بسبب المخاطر الجيوسياسية، مما أثر مباشرة على تدفق السلع.
أبرزت نتائج المبادلات التجارية لتونس خلال الربع الأول من 2026 أنّ قيمة الصادرات بلغت 16,266.8 مليون دينار مقابل 15,325.1 مليون دينار في الفترة نفسها من 2025، في حين ارتفعت الواردات إلى 21,499.5 مليون دينار مقارنة بـ 20,374.6 مليون دينار قبل عام، ما يعكس استمرار الضغوط على الميزان التجاري رغم حدوث تحسن نسبي في وتيرة نمو الصادرات، وفق بيانت المعهد الوطني للإحصاء.
اقرأ أيضاً: ترامب يهدد إيران مجدداً مع عودة التوترات إلى مضيق هرمز
أما توفر السلع بالأسواق فصار هاجساً آخر، وسط تحذيرات من لجوء بعض التجار إلي تخزين السلع.
السياحة والنقد الأجنبي
ارتفعت إيرادات قطاع السياحة بنسبة تقدر بـ4.5% خلال الربع الأول من عام 2026 لتصل إلى 1.5 مليار دينار (517 مليون دولار).
وسجل القطاع خلال عام 2025 إجمالي إيرادات يقدر بـ 2.9 مليار دولار مع توافد أكثر من 11 مليون سائح للأراضي التونسية، وأسهمت هذه المدخولات من العملة الأجنبية في تعزيز احتياطي النقد للبلاد ليبلغ 24.5 مليار دينار (8.3 مليار دولار) في مقابل 23 مليار دينار سُجلت خلال 2025.وفق بيانات للمعهد الوطني للإحصاء التونسي.
النمو
رغم أن عام 2025 شهد نمواً في الاستثمارات الأجنبية بنسبة 30.3% مقارنة لعام 2024(3.57 مليار دينار)، وفق تصريحات صحافية فى 20 مارس/آذار، للمدير العام لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي جلال الطبيب، إلا أن رياح الحرب باتت تهدد هذا مسار النمو.
فقد خفّض صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد التونسي إلى 2.1% لعام 2026، وهي نسبة بعيدة عن الهدف الحكومي السابق الذي حددته الحكومة عند مستهدف (3.3%).
كما تحويلات تسود حالة من القلق من احتمال تراجع تحويلات التونسيين بالخارج نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة في دول إقامتهم (أوروبا والخليج)، مما قد يقلص أحد أهم موارد العملة الصعبة للبلاد.
ما البدائل؟
وأمام رفض الرئيس قيس سعيد لاتفاق صندوق النقد الدولي، تعول الحكومة على بدائل داخلية ودولية محدودة، هي الإقتراض الداخي، وطلب دعم البنك الدولي مجدداً لتجاوز العقبة الاقتصادية الحالية.
دعم سابق من البنك الدولي:
كان البنك قد وافق في مارس الماضي على تمويلات بقيمة 472 مليون دولار، خُصص أغلبها للحماية الاجتماعية (90 مليوناً)، وتحسين خدمات مياه الشرب والزراعة (332 مليوناً).
هل يتم التعاون مع صندوق النقد الدولي؟
رفض الرئيس رفض الرئيس التونسي قيس سعيد منذ عام 2021 الدخول في برنامج تعاون شامل مع صندوق النقد الدولي، معتبراً أن الشروط التي يفرضها الصندوق تمس السيادة الوطنية وتثقل كاهل المواطنين التونسيين عبر إجراءات تقشفية قاسية.
واستمر الموقف التونسي على حاله حتى عام 2026، حيث ظل سعيد يرفض التوقيع على اتفاق نهائي رغم المفاوضات المتكررة بين الحكومة التونسية والصندوق.
كما شهدت العلاقة بين الطرفين محاولات متعددة لإيجاد أرضية مشتركة، إذ قدم الصندوق مقترحات لإصلاح المالية العامة وخفض الدعم، بينما بقي التعاون محدوداً في شكل مشاورات تقنية ودعم ظرفي، دون التوصل إلى برنامج تمويلي شامل.
وحتى عام 2026، ظل الموقف التونسي ثابتاً على رفض الالتزام بشروط الصندوق، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والمالية، ما جعل العلاقة بين الطرفين تتسم بالجمود، مع استمرار النقاش حول كيفية تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي