قال مسؤولون حاليون وسابقون إن استقلالية البنوك المركزية تواجه مجدداً ضغوطاً متزايدة، في وقت يضطر فيه صناع السياسات إلى اتخاذ إجراءات غير شعبية لكبح ارتفاع الأسعار، ما يفتح الباب أمام تدخلات سياسية قد تقوض الثقة وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
وتسارع التضخم في العديد من دول العالم منذ اندلاع الحرب مع إيران، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط، ما أجبر البنوك المركزية على رفع معدلات الفائدة أو تأجيل تخفيضات كانت قد ألمحت إليها سابقاً.
وتهدف هذه الإجراءات إلى منع تحول صدمة ارتفاع أسعار الطاقة إلى موجة تضخم أكثر استدامة وترسخاً في الاقتصاد، إلا أن تكلفتها السياسية والاقتصادية دفعت بعض الحكومات إلى زيادة الضغوط على السلطات النقدية.
وحذر المسؤولون من أن أي تدخل سياسي في قرارات البنوك المركزية قد يضعف مصداقيتها في مكافحة التضخم، ويؤدي إلى تراجع ثقة الأسواق والمستثمرين، الأمر الذي قد يجعل احتواء الضغوط السعرية أكثر صعوبة خلال الفترة المقبلة، بحسب رويترز.
وقال هيلغه بيرغر، نائب مدير الإدارة الأوروبية في صندوق النقد الدولي، خلال مؤتمر عُقد يوم السبت، إن الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية يصبح أكثر صعوبة عندما ترتفع معدلات التضخم وتضطر السلطات النقدية إلى اتخاذ قرارات غير شعبية.
اقرأ أيضاً: تآكل المدخرات الأميركية يثير المخاوف.. الإنفاق يتجاوز نمو الدخل للشهر الـ12 على التوالي
وأضاف: "من السهل أن تكون عضواً في بنك مركزي مستقل عندما يكون التضخم منخفضاً، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيداً عندما يرتفع التضخم وتضطر إلى اتخاذ إجراءات لا تلقى قبولاً لدى الناس".
وتابع قائلاً إن الوضع الحالي يشبه "مواجهة مباشرة وصعبة"، مؤكداً ضرورة التعامل مع التحديات الراهنة بشكل صحيح.
وأشار مسؤولون مشاركون في المؤتمر إلى أن أكثر الأمثلة وضوحاً على الضغوط السياسية التي تتعرض لها البنوك المركزية تمثلت في الدعوات المتكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخفض معدلات الفائدة.
لكنهم أوضحوا أن الضغوط السياسية لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تنتشر بأشكال مختلفة وأكثر هدوءاً في العديد من الدول.
ففي بعض الحالات، تتعرض البنوك المركزية لضغوط لتوجيه سياساتها النقدية بما يخدم أهدافاً صناعية أو اقتصادية محددة، بينما تُطالب في دول أخرى بتحويل أرباحها إلى الموازنات الحكومية، أو تُكلف بأهداف متعارضة قد تعيق قدرتها على التركيز على استقرار الأسعار.
وحذر المسؤولون من أن تقويض استقلالية البنوك المركزية قد تكون له آثار طويلة الأمد، إذ إن استعادة الثقة والمصداقية تصبح أكثر صعوبة بكثير بعد تعرضها للضرر.
وأضاف المشاركون أن ارتفاع مستويات الدين الحكومي يمثل قيداً غير مباشر على استقلالية البنوك المركزية، إذ يحد من قدرتها على تشديد السياسة النقدية، لأن رفع معدلات الفائدة ــوهو الأداة التقليدية لمكافحة التضخمــ قد يؤدي إلى تفاقم أعباء الديون ويزيد مخاطر حدوث أزمة مالية.
وأشاروا إلى أن فقدان الأسواق الثقة في استقلالية البنك المركزي والتزامه بمكافحة التضخم يدفع المستثمرين إلى توقع سياسات نقدية أكثر تساهلاً، ما يجعل السيطرة على ارتفاع الأسعار أكثر صعوبة.
وقال بوركهارد بالتس، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني: "غالباً ما يُنظر إلى الاستقلالية على أنها أمر مسلم به عندما تؤدي دورها بنجاح، لكنها تصبح صعبة الاستعادة بمجرد تعرضها للضرر".
وأضاف أن السياسة النقدية تحتاج إلى الحماية من الدوافع السياسية قصيرة الأجل إذا أُريد لها أن تحقق هدفها الأساسي المتمثل في استقرار الأسعار.
وفي المقابل، رأى بعض المشاركين أن البنوك المركزية نفسها ساهمت في إضعاف مصداقيتها بسبب بطء استجابتها لموجة التضخم التي شهدها العالم خلال عامي 2021 و2022.
وأوضحوا أن صناع السياسات وصفوا الضغوط التضخمية آنذاك بأنها "مؤقتة" لعدة أشهر، قبل أن يدركوا حجم المشكلة الحقيقي ويبدأوا واحدة من أسرع دورات تشديد السياسة النقدية في التاريخ الحديث.
اقرأ أيضاً: هل يرفع الفدرالي الأميركي معدلات الفائدة لكبح التضخم؟
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي