وول ستريت من قمم تاريخية إلى موجة بيع عنيفة.. ماذا حدث خلال أسبوع واحد؟

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة: AFP

استمع للمقال
Play

شهدت وول ستريت أسبوعاً استثنائياً انتهى بتحول حاد في معنويات المستثمرين، بعدما انتقلت الأسواق من تسجيل قمم تاريخية جديدة في بداية الأسبوع إلى واحدة من أقوى موجات البيع منذ أكثر من عام، مع عودة المخاوف بشأن معدلات الفائدة وارتفاع عوائد السندات الأميركية.

ففي الوقت الذي كانت فيه مؤشرات الأسهم الأميركية تستفيد من زخم الذكاء الاصطناعي وتفاؤل المستثمرين حيال الاقتصاد الأميركي، جاءت بيانات الوظائف الأقوى من المتوقع لتقلب المشهد بالكامل وتدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم للسياسة النقدية.

 

نهاية سلسلة صعود استمرت 9 أسابيع

 

أنهى مؤشر "إس آند بي 500" الأسبوع على خسائر تجاوزت 2%، بينما هبط مؤشر ناسداك بأكثر من 4.5%، مسجلاً أسوأ أداء أسبوعي له منذ عام 2025، في حين تراجع مؤشر داو جونز أيضاً وإن كان بوتيرة أقل. وبذلك توقفت سلسلة مكاسب استمرت تسعة أسابيع متتالية للأسهم الأميركية.

 

 

وجاء هذا التحول بعد فترة كانت الأسواق خلالها تسجل مستويات قياسية مدفوعة بالرهانات على استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي وتوقعات بخفض معدلات الفائدة خلال النصف الثاني من العام.

 

بيانات الوظائف قلبت المعادلة

 

العامل الأكثر تأثيراً خلال الأسبوع كان تقرير الوظائف الأميركي لشهر مايو أيار، والذي أظهر إضافة الاقتصاد الأميركي 172 ألف وظيفة جديدة، متجاوزاً بشكل كبير توقعات المحللين، بينما استقر معدل البطالة عند 4.3%. كما جرى تعديل بيانات الأشهر السابقة بالرفع.

في الظروف الطبيعية تعتبر قوة سوق العمل خبراً إيجابياً للأسهم، إلا أن المستثمرين تعاملوا هذه المرة مع البيانات باعتبارها خبراً سلبياً، لأن استمرار قوة الاقتصاد يعني أن الفدرالي قد لا يكون مضطراً لخفض الفائدة قريباً، بل إن بعض المتعاملين بدأوا يتحدثون مجدداً عن احتمال رفعها لاحقاً إذا استمرت الضغوط التضخمية.

 

اقرأ أيضاً: رهانات رفع الفائدة تنتعش.. إليك ما يجب فهمه من تقرير الوظائف الأخير

 

قفزة في عوائد السندات

 

رد الفعل المباشر ظهر في سوق السندات الأميركية، حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوق مستوى 4.5%، بينما قفز العائد على السندات لأجل عامين إلى أعلى مستوياته منذ أشهر.

وعادة ما تشكل العوائد المرتفعة ضغطاً على أسهم التكنولوجيا، لأن تقييماتها تعتمد بدرجة كبيرة على الأرباح المستقبلية، التي تصبح أقل جاذبية عندما ترتفع معدلات الفائدة.

 

أسهم الذكاء الاصطناعي تحت الضغط

 

الضربة الأكبر جاءت من قطاع أشباه الموصلات، القلب النابض لطفرة الذكاء الاصطناعي الحالية.

فقد تعرضت أسهم شركات كبرى مثل إنفيديا وبرودكوم وAMD وإنتل لموجة بيع واسعة، بعدما أثارت نتائج وتوقعات برودكوم مخاوف بشأن استدامة وتيرة النمو الاستثنائية التي شهدها القطاع خلال العامين الماضيين.

ووفق تقديرات السوق، فقدت شركات الرقائق الإلكترونية مجتمعة أكثر من تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة الجمعة وحدها.

 

 

لماذا تتراجع أسهم التكنولوجيا رغم قوة نتائج الشركات؟

شهدت أسهم التكنولوجيا العالمية موجة بيع حادة بعدما أثارت نتائج شركة برودكوم مخاوف المستثمرين بشأن وتيرة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، رغم أن الشركة سجلت نتائج مالية قوية خلال الربع الثاني من عام 2026.

وأعلنت برودكوم، التي تزود شركات كبرى مثل غوغل وميتا وأوبن إيه آي بشرائح الذكاء الاصطناعي، تحقيق إيرادات بلغت 22.19 مليار دولار، بارتفاع 48% على أساس سنوي، فيما قفزت إيرادات رقائق الذكاء الاصطناعي إلى 10.8 مليارات دولار، بنمو 143% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ورغم تجاوز الأرباح توقعات وول ستريت، فإن المستثمرين ركزوا على توقعات الشركة للربع المقبل، إذ أشارت إلى تحقيق إيرادات من رقائق الذكاء الاصطناعي بقيمة 16 مليار دولار، وهو مستوى جاء دون توقعات المحللين البالغة 16.36 مليار دولار.

كما أثار الرئيس التنفيذي للشركة هوك تان قلق الأسواق بعدما امتنع عن رفع مستهدفات الإيرادات السنوية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فضلاً عن إشارته إلى إمكانية توجه غوغل لتنويع موردي الرقائق لديها مستقبلاً.

وأدى ذلك إلى هبوط سهم برودكوم بنحو 15% خلال جلسة واحدة، ما محا قرابة 280 مليار دولار من القيمة السوقية للشركة، في واحدة من أكبر الخسائر اليومية بتاريخ وول ستريت.

 

رهانات ضخمة على الذكاء الاصطناعي

 

تأتي هذه التطورات في وقت تتوقع فيه الأسواق أن تنفق شركات التكنولوجيا العملاقة، مثل أمازون ومايكروسوفت وغوغل وميتا وأوراكل، نحو 725 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026، بزيادة تقارب 64% مقارنة بالعام السابق.

ويتوقع محللو غولدمان ساكس أن يمثل الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي خلال عام 2026، مقارنة بنحو 1.6% في عام 2025.

وبحسب تقديرات بنك أوف أميركا، قد تنفق هذه الشركات ما يقرب من 90% من تدفقاتها النقدية التشغيلية على النفقات الرأسمالية خلال عام 2026، ارتفاعاً من 65% في العام السابق.

وتخطط ألفابت لإنفاق ما بين 180 و190 مليار دولار خلال العام الجاري، وهو رقم يتجاوز بكثير التدفقات النقدية الحرة البالغة 73.3 مليار دولار خلال الاثني عشر شهراً الماضية، ما يدفع الشركات إلى زيادة الاعتماد على الاقتراض لتمويل خطط التوسع.

وتشير تقديرات أليانز للأبحاث إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة أصدرت ديوناً خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 تفوق ما أصدرته طوال عام 2025.

 

هل تبرر الإيرادات حجم الإنفاق؟

 

ورغم الطفرة الاستثمارية الضخمة، فإن الشركات المطورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي حققت إيرادات مجمعة تقدر بنحو 35 مليار دولار فقط خلال عام 2026.

وتتصدر شركة أوبن إيه آي المشهد بإيرادات سنوية تقترب من 20 مليار دولار، إلا أن هذا الرقم لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وخلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، راهن المستثمرون على استمرار تسارع دورة الإنفاق، لكن توجيهات برودكوم الأخيرة دفعت الأسواق إلى إعادة تقييم تلك التوقعات.

اقرأ أيضاً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتفوق على الأطباء؟

 

ولا تكمن المشكلة في ضعف أداء الشركة، بل في أن برودكوم تعد مؤشراً رئيسياً على الطلب الفعلي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وبينما اعتادت الأسواق على رؤية نتائج تتجاوز التوقعات باستمرار، جاء الأداء الأخير متوافقاً تقريباً مع التقديرات، وهو ما اعتبره المستثمرون إشارة إلى تباطؤ وتيرة النمو المستقبلية.

 

انتقال العدوى إلى آسيا

 

لم تتوقف تداعيات نتائج برودكوم عند وول ستريت، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق الآسيوية.

وخلال جلسة 5 يونيو حزيران، فقد مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي أكثر من 5.5% من قيمته، ما دفع بورصة كوريا إلى تفعيل آلية وقف التداول المؤقت بعد تجاوز العقود الآجلة لمؤشر كوسبي 200 الحدود المسموح بها.

وتراجع سهم سامسونغ إلكترونيكس بأكثر من 7%، فيما هبط سهم إس كيه هاينكس بنحو 10%. كما فقد سهم سوفت بنك اليابانية أكثر من 11% من قيمته.

وفي تايوان، انخفض مؤشر تايكس بنسبة 1.3%، متأثراً بخسائر شركات مرتبطة بسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي مثل فوكسكون وويسترون.

ويرجع تأثر هذه الأسواق إلى طبيعة تركيبتها، إذ شكلت سامسونغ إلكترونيكس وإس كيه هاينكس معاً نحو 42.2% من وزن مؤشر كوسبي خلال مايو أيار 2026، بينما تستحوذ شركة تي إس إم سي وحدها على أكثر من 40% من وزن المؤشر التايواني الرئيسي.

وبذلك أصبح قطاع التكنولوجيا يمثل وزناً ضخماً داخل مؤشرات الأسهم الآسيوية، ما يجعل نتائج شركة أميركية واحدة قادرة على إحداث اضطرابات واسعة في أسواق تمتد من وول ستريت إلى سيول وتايبيه.

 

انتقال الأموال إلى القطاعات الدفاعية

 

في المقابل، شهد الأسبوع تحولاً واضحاً في سلوك المستثمرين، حيث انتقلت الأموال من أسهم النمو المرتفعة التقييم إلى قطاعات أكثر دفاعية مثل الرعاية الصحية والخدمات المالية والصناعة.

وساعد هذا التحول مؤشر داو جونز على الصمود بشكل أفضل مقارنة بمؤشر ناسداك الذي يعتمد بدرجة كبيرة على شركات التكنولوجيا العملاقة.

 

اقرأ أيضاً: 🔴 المؤشرات الأميركية تتكبد خسائر أسبوعية وسط هبوط أسهم التكنولوجيا.. وناسداك أكبر الخاسرين

 

لماذا سجل داو جونز مستوى قياسياً رغم انهيار أسهم التكنولوجيا؟

 

في الوقت الذي تعرضت فيه أسهم التكنولوجيا لموجة بيع حادة أثارت قلق المستثمرين، نجح مؤشر داو جونز الصناعي في تسجيل مستوى قياسي جديد عند 51,660.40 نقطة، مدعوماً بمكاسب قوية لأسهم شركات مثل يونايتد هيلث وغولدمان ساكس وجي بي مورغان وجونسون آند جونسون.

ولم يكن هذا الأداء المتباين بين المؤشرات مجرد صدفة، بل يعكس تحولاً واضحاً في توجهات المستثمرين داخل السوق الأميركية.

 

تحول السيولة بعيداً عن الذكاء الاصطناعي

 

أظهرت بيانات مورنينغ ستار أن أسهم القطاعات الصناعية والسلع الاستهلاكية الدفاعية والطاقة تفوقت بشكل ملحوظ على أداء السوق الأوسع خلال عام 2026، مع سعي المستثمرين للبحث عن فرص استثمارية خارج موجة الذكاء الاصطناعي التي هيمنت على الأسواق خلال العامين الماضيين.

واستفادت شركات مثل وول مارت وكاتربيلر وإيلي ليلي من هذا التحول، إذ تتمتع بنماذج أعمال مستقرة وأرباح قوية، كما أن تقييماتها السوقية لا تعتمد على توقعات متفائلة للغاية بشأن نمو إيرادات الذكاء الاصطناعي.

وعندما تتراجع موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولو بصورة مؤقتة، تتجه السيولة عادة نحو الشركات التي تحقق أرباحاً مستقرة ويمكن التنبؤ بأدائها المالي بدرجة أكبر.

وفي الوقت الراهن، تتدفق الأموال نحو أسهم الرعاية الصحية والصناعات والخدمات المالية، بعدما أصبحت هذه القطاعات وجهة مفضلة للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار.

 

ماذا يعني هبوط أسهم الذكاء الاصطناعي للمستثمرين؟

 

رغم عمليات البيع القوية التي شهدها القطاع، لا تزال مؤسسات مالية كبرى ترى أن رد فعل السوق كان مبالغاً فيه.

فقد أبقت شركة تي دي كاوين على توصيتها بشراء سهم برودكوم وحددت سعراً مستهدفاً عند 500 دولار، بينما رفعت بي إن بي باريبا إكسان السعر المستهدف إلى 640 دولاراً.

وتشير هذه التقديرات إلى أن التراجع الأخير قد يكون ناتجاً عن خيبة أمل محدودة مرتبطة بتوقعات الإيرادات، وليس بسبب تدهور جوهري في أعمال الشركة أو آفاق القطاع.

ويعكس ذلك أن دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا تزال قائمة، لكن الأسواق ربما سبقت الواقع الاقتصادي في تسعير توقعات النمو المستقبلية.

وبالنسبة للمستثمرين طويلي الأجل، قد يوفر التراجع الحالي نقاط دخول أفضل مقارنة بالأسبوع الماضي، لكنه لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فرصة شراء مضمونة.

 

التوترات الجيوسياسية زادت الضغوط

 

إلى جانب ملف الفائدة، واصل المستثمرون متابعة التطورات في الشرق الأوسط، خصوصاً التوترات المرتبطة بإيران والمخاوف المتعلقة بأمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.

وساهم ارتفاع أسعار النفط والتقلبات في أسواق السلع في زيادة المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وهو ما يعقد مهمة الفدرالي ويحد من قدرته على خفض معدلات الفائدة قريباً.

 

ما الذي يراقبه المستثمرون الآن؟

بعد أسبوع صعب، أصبحت الأسواق تواجه ثلاثة أسئلة رئيسية:

هل كانت موجة البيع الأخيرة مجرد تصحيح مؤقت بعد صعود قوي استمر أشهراً؟
هل يستطيع قطاع الذكاء الاصطناعي استعادة زخمه بعد الضغوط التي تعرض لها؟
هل تدفع قوة الاقتصاد الأميركي الفدرالي الأميركي إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع؟

حتى الآن، تشير حركة الأسواق إلى أن المستثمرين بدأوا يبتعدون عن سيناريو خفض الفائدة السريع، ويعيدون تقييم مستويات التقييم المرتفعة للأسهم الأميركية، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا الذي قاد صعود وول ستريت خلال العامين الماضيين.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة