يعكس الزخم الذي تطرحه سبيس إكس تحوّل الشركة من مجرد ذراع إطلاق صواريخ إلى منصة تكنولوجية متعددة الأبعاد، ترتكز على ستارلينك والذكاء الاصطناعي، وتراهن على إعادة تشكيل اقتصاد الفضاء والاتصالات عالمياً.
ورغم هذا الصعود القوي، يظل السهم محاطاً بأسئلة جوهرية حول استدامة التقييم وقدرة الشركة على تحويل رؤيتها الطموحة إلى أرباح فعلية.
منحت بداية تداول سبيس إكس انتصاراً رمزياً ومالياً، فقد نجحت الشركة في إثارة زخم واسع أكدت من خلالها أنها لم تعد مجرد شركة صواريخ، بل رهان شامل على مستقبل الفضاء والذكاء الاصطناعي.
لكن السؤال الذي طرحه المستثمرون منذ البداية لا يزال قائماً: هل تستطيع سبيس إكس تحويل خيال ماسك إلى أرباح قابلة للقياس؟
الإجابة لن تظهر في أول يوم تداول، بل في السنوات المقبلة، حين يتضح ما إذا كانت الشركة تبني فعلاً بنية تحتية لعصر جديد، أم أن السوق دفع مقدماً ثمناً باهظاً لحلم لم يكتمل بعد.
بدأت شركة سبيس إكس، التي أسسها إيلون ماسك وحولها من شركة صواريخ ناشئة إلى واحدة من أكبر رهانات التكنولوجيا في العالم، تداول أسهمها في بورصة ناسداك اليوم الجمعة، في طرح عام أولي وصفته رويترز بأنه الأكبر في التاريخ.
وارتفع سهم سبيس إكس 17% في الدقائق الأولى من التعاملات، القيمة السوقية للشركة عند أكثر من 2 تريليون دولار لتكون بذلك سابع أكبر شركة قيمة في العالم.
اقرأ المزيد من التفاصيل: "سبيس إكس" تنضم رسمياً إلى نادي "العشرة الكبار"
أكبر طرح عام أولي في التاريخ
جمعت سبيس إكس 75 مليار دولار من بيع نحو 555.6 مليون سهم، بحسب رويترز، متجاوزة بذلك طرح أرامكو السعودية في 2019، الذي كان يُعدّ لفترة طويلة أكبر طرح عام أولي في الأسواق العالمية، وفق فايننشال تايمز.

واقترب الطلب على أسهم الشركة من تغطية الاكتتاب بنحو أربعة أمثال المعروض، ما يعكس شهية قوية من المؤسسات والمستثمرين الأفراد، رغم الجدل الواسع حول التقييم، وحوكمة الشركة، واعتماد جانب من قصتها الاستثمارية على طموحات مستقبلية بعيدة المدى.
مستثمرون أفراد بحصة غير معتادة
يمثل الطرح أيضاً خروجاً عن قواعد وول ستريت التقليدية، فقد ذكرت رويترز أن سبيس إكس درست تخصيص ما يصل إلى 30% من الأسهم المطروحة للمستثمرين الأفراد، وهي نسبة أعلى بكثير من المعتاد في الطروحات الكبرى.
اقرأ أيضاً: إيلون ماسك أول تريليونير في العالم مع بدء تداول أسهم سبيس إكس
ويراهن ماسك، كما في تجاربه السابقة مع تسلا ومنصة إكس، على قاعدة واسعة من المؤيدين الأفراد الذين لا ينظرون إلى الشركة كاستثمار مالي فحسب، بل كرهان على رؤيته لمستقبل الفضاء والذكاء الاصطناعي والاتصالات العالمية.
حول SpaceX خلال 5 إلى 10 سنوات
تقول نانسي تنجلر، الرئيس التنفيذي ومدير الاستثمار (CIO)، شركة Laffer Tengler Investments، في مذكرة شاركتها مع CNBC عربية، إنه "من المهم التعامل مع بعض التوقعات بحذر. إيلون ماسك تحدث عن سوق إجمالي محتمل (TAM) بقيمة 28.5 تريليون دولار. ومن المثير للاهتمام أن الجزء الأكبر من هذه الفرصة مرتبط بما يُعد حاليًا حارقًا للنقد في الشركة—قطاع الذكاء الاصطناعي".
وتضيف: كما نتوقع اندماجًا مع تسلا (Tesla) في عامي 2027 أو 2028، ما يجعل من الممكن تصور سيناريو تصبح فيه القيمة السوقية والإيرادات في نمو أُسّي. من الصعب أصلًا قياس الحجم المحتمل".
ليست شركة صواريخ فقط
لم تعد سبيس إكس في نظر المستثمرين مجرد شركة لإطلاق الصواريخ، فإلى جانب نشاطها الأساسي في خدمات الإطلاق الفضائي، تمتلك الشركة شبكة ستارلينك للإنترنت عبر الأقمار الصناعية، التي أصبحت أحد أهم محركات النمو، وتوسعت كذلك في الذكاء الاصطناعي بعد دمج xAI داخل الكيان، وفقاً لتقارير رويترز عن الصفقة التي قيّمت سبيس إكس عند تريليون دولار وxAI عند 250 مليار دولار.
بهذا المعنى، تُقدَّم سبيس إكس إلى السوق باعتبارها منصة تكنولوجية متعددة المحاور: صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام، إنترنت فضائي عالمي، بنية تحتية للبيانات، وذكاء اصطناعي مرتبط بنموذج “غروك” ومنصة إكس.
رؤية ماسك: سوق بتريليونات الدولارات
تقوم رؤية ماسك على أن خفض تكلفة الوصول إلى المدار سيخلق أسواقاً جديدة لم تكن ممكنة سابقاً. وتشبه هذه الفرضية ما حدث مع الإنترنت والحوسبة السحابية، حين بدأت شركات مثل أمازون وميتا بنطاقات ضيقة قبل أن تتحول إلى منصات عالمية ضخمة.
وتتحدث سبيس إكس عن سوق إجمالي قابل للخدمة قد يصل إلى 28.5 تريليون دولار، وفقاً للتقديرات المتداولة في مواد الطرح والتحليلات المصاحبة له، ورغم أن هذه الأرقام تبدو شديدة الطموح، فإن أنصار الشركة يرون أن ستارلينك وحدها قد تمثل بداية لسوق عالمي للاتصالات لا يعتمد على البنية الأرضية التقليدية.
وقالت صحيفة فايننشال تايمز إن تقديرات إيلون ماسك الطموحة لحجم السوق المحتملة أمام سبيس إكس، والتي يتحدث فيها عن إيرادات قد تصل إلى 28.5 تريليون دولار، معظمها من "تطبيقات المؤسسات"، قد تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال منها إلى الحسابات الاستثمارية التقليدية، لكنها ليست بالضرورة مبالغة إذا قورنت بتاريخ شركات التكنولوجيا الكبرى.
فمصطلح السوق الإجمالي القابل للتنفيذ غالبًا ما يُستخدم في وادي السيليكون لتوسيع حدود الطموح أكثر مما يعكس واقع المنافسة، غير أن أمثلة مثل أمازون وميتا تُظهر أن بعض الشركات بدأت بتقديرات محدودة للغاية مقارنة بما أصبحت عليه لاحقًا.
فعند طرح أمازون في البورصة عام 1997، قدّمت نفسها باعتبارها متجرًا للكتب، مستندة إلى سوق كتب أميركية بقيمة 26 مليار دولار، في وقت كانت تبيع فيه كتابًا واحدًا فقط مقابل كل ألف كتاب يُباع في الولايات المتحدة، بينما تبلغ قيمتها السوقية اليوم نحو 2.5 تريليون دولار، ومن المتوقع أن تحقق إيرادات بنحو 824 مليار دولار هذا العام، أي أكثر من 30 ضعفًا لحجم السوق الذي أشارت إليه حينها.
وبالمثل، أشارت نشرة طرح فيسبوك عام 2012 إلى سوق محتملة تقل عن 600 مليار دولار، اعتمادًا على الإنفاق العالمي على الإعلانات ومبيعات السلع الافتراضية، قبل أن تتحول ميتا إلى واحدة من أكبر منصات الاقتصاد الرقمي.
رهان على المستقبل لا على أرباح اليوم
رغم الحماس، يحمل الطرح مخاطر واضحة، فقد ذكرت رويترز أن سبيس إكس تكبدت خسائر تقارب 5 مليارات دولار في العام السابق، ما يجعل تقييمها الحالي معتمداً إلى حد كبير على الأرباح المتوقعة في المستقبل، لا على ربحية مستقرة حالياً.
اقرأ أيضاً: إيلون ماسك أول تريليونير في العالم مع بدء تداول أسهم سبيس إكس
كما أن مضاعفات التقييم تبدو مرتفعة مقارنة بإيرادات الشركة الحالية، وهو ما يضع السهم تحت ضغط أي تباطؤ في نمو ستارلينك، أو تأخر في مشاريع الذكاء الاصطناعي، أو زيادة في تكاليف الإطلاق والبنية التحتية.
وترى فايننشال تايمز أن نجاح سبيس إكس في خفض تكلفة إيصال المواد إلى المدار، بما يكفي لدفع طفرة في انتشار الأقمار الصناعية، قد يجعل تقديرات ماسك أقل غرابة مما تبدو، خصوصًا إذا امتدت تطبيقات الشركة مستقبلًا إلى السياحة الفضائية، التصنيع خارج الأرض، الخدمات الرقمية، والمساعدين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يقدّر جو تساي، رئيس مجلس إدارة علي بابا، أن سوق مساعدي الذكاء الاصطناعي وحدها قد تصل إلى 50 تريليون دولار، استنادًا إلى العاملين من ذوي الياقات البيضاء، أي ما يقارب ضعف تقديرات ماسك لسبيس إكس بأكملها.
وبذلك، قد لا يكون السؤال ما إذا كان ماسك يبالغ في خياله، بل ما إذا كان، كعادته، يقلل من حجم السوق الذي يحاول بناءه.
الحوكمة تحت الاختبار
في سياق متصل، تثير بنية السيطرة داخل سبيس إكس أسئلة إضافية. فالشركة، وفقاً لما أوردته رويترز في تقاريرها عن الطرح، تمنح ماسك والمطلعين نفوذاً تصويتياً كبيراً، ما يحد من قدرة المساهمين الجدد على التأثير في القرارات الاستراتيجية.
وتزداد أهمية هذه النقطة لأن سبيس إكس تعمل في قطاعات حساسة تشمل العقود الحكومية، والفضاء، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، لذلك فإن السوق لا يختبر فقط قدرة الشركة على النمو، بل يختبر أيضاً مدى استعداد المستثمرين لقبول نموذج حوكمة يتمحور حول مؤسس واحد صاحب نفوذ استثنائي.
دعم محتمل من صناديق المؤشرات
قد يحصل السهم على دعم إضافي إذا دخل لاحقاً في مؤشرات كبرى مثل ناسداك 100 أو مؤشرات فوتسي راسل، فمثل هذا الإدراج قد يجبر صناديق المؤشرات والصناديق السلبية على شراء السهم، ما يخلق طلباً فنياً قد يدعم السعر بعد الإدراج.
لكن هذا الدعم لا يلغي المخاطر، فكلما زاد وزن سبيس إكس في المؤشرات، زاد تعرض المستثمرين الأفراد وصناديق التقاعد لتقلبات شركة ما زالت في مرحلة توسع رأسمالي كثيف، وتعمل في قطاعات تتطلب إنفاقاً هائلاً قبل تحقيق عوائد مستقرة.
إلى أين تتجه الشركة؟
تتجه سبيس إكس، وفق رؤية ماسك، إلى ما هو أبعد من سوق الإطلاق الفضائي، فهي تريد أن تصبح البنية التحتية الأساسية لعصر جديد يجمع بين الفضاء، والإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وربما لاحقاً التصنيع خارج الأرض والاستيطان على المريخ.
لكن وول ستريت ستقيس هذه الرؤية بأدوات أكثر صرامة: الإيرادات، التدفقات النقدية، هوامش الربح، وتكلفة رأس المال.
وإذا نجحت ستارلينك في التحول إلى آلة نقدية عالمية، ونجحت xAI في إضافة طبقة نمو جديدة، فقد يصبح تقييم اليوم أقل غرابة بعد سنوات، أما إذا تباطأ النمو أو تعثرت مشاريع ماسك الأكثر طموحاً، فقد تبدو القفزة الأولى في السهم مجرد لحظة حماس تاريخية.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي