تتجه بكين لتوضيح القواعد الضريبية الجديدة المتعلقة بالصناديق الائتمانية الخارجية (offshore trusts)، وهي القواعد التي أثارت حالة من الارتباك بين المواطنين الصينيين الأثرياء ومستشاريهم.
وتقوم مصلحة الضرائب الحكومية في الصين حالياً بتنفيذ برامج تدريبية واسعة النطاق لموظفي الضرائب المحليين؛ بهدف توحيد الآراء حول كيفية تطبيق الرسوم الضريبية على هذه الصناديق الخارجية، التي أُنشئ بعضها قبل عقود، وذلك وفقاً لما ذكره عدد من المحامين المتخصصين في شؤون الضرائب المحلية والخارجية.
كما أرسلت المصلحة مسودات توجيهية إلى شركات المحاماة والمحاسبة المحلية، وتخطط لعقد جلسات تشاورية مع المحامين خلال الأسابيع المقبلة، بحسب ما أفاد به العديد من المحامين والمستشارين الذين فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية هذه المسائل المتعلقة بالسياسات، وفق تقرير لشبكة CNBC.
ويتوقع بعض هؤلاء صدور المزيد من المسودات التوجيهية لاحقاً، على أن يتم الإعلان عن هذه الوثائق للعامة في نهاية المطاف.
وفي هذا السياق، صرح ويندسون لي، الرئيس المشارك لقسم الضرائب في آسيا لدى شركة دي إل إيه بايبر DLA Piper، بأن مصلحة الضرائب الحكومية تجري تدريبات داخلية على مستويات المقاطعات والبلديات والمحافظات لتوحيد التفسيرات والإجراءات المتبعة في مكاتب الضرائب المحلية.
ولم تستجب السفارة الصينية في سنغافورة، ولا مكاتب الضرائب في كل من بكين وشانغهاي وغوانغدونغ، لطلب شبكة CNBC للحصول على تعليق حول هذا الموضوع.
وكانت بكين قد فرضت الشهر الماضي ضريبة بنسبة 20% على الصناديق الائتمانية الخارجية؛ وهي هيكلية مالية طالما استخدمتها العائلات الصينية الثرية للاحتفاظ بمئات المليارات من الدولارات خارج البلاد. وقد أدت هذه الخطوة إلى حالة من التهافت للحصول على استشارات ضريبية وقانونية، وسعي محموم لتوفير السيولة النقدية اللازمة لسداد هذه المستحقات الضريبية.
وتُطبق هذه الضريبة في مختلف مراحل حياة الصندوق الائتماني، بدءاً من مرحلة التأسيس ومروراً بتوزيع الأرباح ووصولاً إلى تصفية الصندوق. كما يتعين على الأفراد الإفصاح عن الأصول التي نُقلت بالفعل إلى هذه الهياكل وسداد الضرائب المستحقة عليها في غضون 90 يوماً من تاريخ صدور القواعد، أي بحلول 21 أكتوبر/ تشرين الأول، وإلا فإنهم سيواجهون غرامات إضافية نتيجة التأخر في تقديم الإقرارات أو عدم السداد.
حالة من الارتباك
في حين وضعت هذه القواعد حداً لعقود من الغموض التنظيمي المحيط بهذه الهياكل المالية، إلا أنها أثارت أيضاً حالة جديدة من الارتباك بشأن آليات التنفيذ.
وتواجه صناديق الائتمان، التي أُنشئت بعد عام 2023 ضريبة بنسبة 20% عند التأسيس، لكن لا يزال من غير الواضح عدد السنوات التي يتعين على مالكي الهياكل الأقدم، الخاضعة لضريبة سنوية متكررة، الإفصاح عنها، وذلك حسبما ذكر يوان تساو، الشريك في مكتب المحاماة Yingke ومقره بكين.
كما يحذر المستشارون من أن العديد من أصول صناديق الائتمان قد تخالف قواعد الإبلاغ عن الاستثمارات الأجنبية الصادرة في يوليو/تموز، مما قد يعرضها لتدقيق من جانب سلطات النقد الأجنبي بشأن كيفية خروج الأموال من الصين في المقام الأول.
وتشمل بعض الأسئلة المطروحة: هل تنطبق فترة التقادم المعتادة (التي تتراوح بين 3 و5 سنوات) على صناديق الائتمان الخارجية التي أُنشئت قبل عام 2023؟ وما مدى تفصيل الوثائق المطلوبة لقبول طلب الإفصاح أو رفضه؟ وهل يُعد الموعد النهائي في أكتوبر/تشرين الأول حداً أقصى للإفصاح أم لسداد كامل قيمة الضريبة؟ وذلك وفقاً لما ذكره لي، المحامي في شركة DLA Piper.
وأضاف أنه من المتوقع أن تتوائم السلطات المحلية بشكل واسع مع تفسير مصلحة الضرائب الحكومية STA لتلك التفاصيل خلال الأسابيع المقبلة.
ليس من المستغرب أن تقوم الحكومة المركزية في الصين بتعديل أو ضبط تفاصيل إعلانات السياسات الكبرى من خلال تعاميم لاحقة؛ غير أن الوقت المستغرق في انتظار توضيحات بشأن القواعد يقلص أيضاً من المهلة الزمنية المحددة بـ 90 يوماً.
وأشار محامٍ مقيم في هونغ كونغ، فضل عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الأمر، إلى وجود مقاربات متباينة للغاية بين السلطات المحلية المختلفة قبل صدور قواعد الشهر الماضي، مضيفاً أن مصلحة الضرائب الحكومية تدرك وجود حالة من عدم اليقين.
ووفقاً لعدد من المحامين، فقد توصل بعض الأفراد الأثرياء سابقاً إلى تسويات بمبالغ مقطوعة مع مكاتب الضرائب الإقليمية لتسوية التزاماتهم، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تلك التسويات تظل سارية المفعول في ظل القواعد الجديدة التي وضعتها بكين.
نُذُر عاصفة تلوح في الأفق
تأتي هذه التحركات الضريبية في وقت تسعى فيه بكين جاهدة لإيجاد مصادر جديدة للإيرادات المالية؛ إذ انهارت مبيعات الأراضي، التي طالما شكلت ركيزة أساسية لمالية الحكومات المحلية، وسط حالة الركود التي يشهدها قطاع العقارات.
وفي هذا السياق، قال دان وانغ، مدير شؤون الصين في مجموعة "أوراسيا"، إن ضريبة الدخل الشخصي ستصبح مصدراً متزايد الأهمية للإيرادات المالية، حيث تعمل بكين على توسيع القاعدة الضريبية لتشمل الأفراد الأكثر ثراءً والثروات الموجودة في الخارج، بالتزامن مع تحسن آليات إنفاذ القانون.
وذكر مسؤولون في وقت سابق من هذا الشهر أن المقيمين في الصين لأغراض ضريبية ملزمون بدفع ضرائب على دخلهم العالمي، بما في ذلك العوائد الخاضعة للضريبة الناتجة عن منتجات التأمين الخارجية.
وأشار وانغ إلى أن حصيلة ضريبة الدخل الشخصي بلغت نحو 900 مليار يوان، ما يعادل 133.5 مليار دولار في النصف الأول من العام الجاري، بزيادة قدرها 13% عن العام السابق، وهي أكبر زيادة مطلقة بين فئات الضرائب الصينية الرئيسية.
كما شددت السلطات موقفها تجاه خروج رؤوس الأموال من البلاد؛ فقد حظرت بكين في وقت سابق من هذا العام ثلاث شركات وساطة مالية تعمل عبر الإنترنت وتتجاوز الحدود من تقديم خدماتها للمستخدمين في البر الرئيسي للصين. وعلاوة على ذلك، بدأت بعض المدن -بما في ذلك بكين وهانغتشو- في فرض ضرائب على عائدات التأمين الخارجية التي يتلقاها المواطنون الصينيون، وذلك وفقاً لتقارير وسائل إعلام محلية.
وقال نيو وانغ، كبير استراتيجيي شؤون الصين في شركة إيفركور آي إس آي Evercore ISI: "يمكن لهذه الإجراءات بسهولة أن تولّد شعوراً بأن عاصفة تلوح في الأفق"، مضيفاً أن هذه المخاوف قد تكون مبالغاً فيها.
وفي أواخر شهر يوليو، أصدر مجلس الدولة الصيني لوائح جديدة للدخول والخروج -تدخل حيز التنفيذ في سبتمبر- توسع نطاق الحالات التي يمكن فيها منع المواطنين من مغادرة البلاد، بما في ذلك حالات انتهاك قواعد الرقابة على الصادرات التي قد تهدد الأمن التكنولوجي والصناعي الوطني.
ويرى بعض المستشارين أن هذا الإطار التنظيمي قد يمنح السلطات المحلية أساساً قانونياً أكثر رسوخاً لتقييد سفر الأشخاص الذين تعتبرهم مدينين بضرائب غير مسددة.
وقال ماكس لي، المدير في شركة الاستشارات EIK Business التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها: "إن منع الأشخاص الذين لديهم مستحقات ضريبية عالقة من مغادرة الصين ليس أمراً جديداً، فقد سبق إيقاف البعض عند الحدود قبل الإعلان عن القواعد الأخيرة". وأضاف: "تعمل اللوائح الجديدة على تشديد ممارسة قائمة بالفعل، ولا ينبغي أن تشكل مفاجأة".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي