الرهان على بيع السندات يعاكس خطط الخزانة الأميركية.. مخاوف التضخم ترتفع بدلاً من تهدئة الأسواق

نشر
آخر تحديث
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت/ AFP

استمع للمقال
Play

أخذ المستثمرون الأميركيون في الحسبان، خلال الأيام القليلة الماضية، احتمالية ارتفاع معدلات التضخم مستقبلاً، وهي إشارة محتملة إلى أن جهود وزارة الخزانة هذا الأسبوع لتحسين السيولة في سوق الديون الحكومية تثير مخاوف بشأن تداعيات أوسع نطاقاً على السياسات.

وقد ارتفع ما يُعرف بـ "معدل التعادل" وهو مقياس يعتمد على السوق ويقارن بين عوائد سندات الخزانة وعوائد الأوراق المالية المحمية من التضخم ذات الاستحقاق المماثل، عبر منحنى العائد بأكمله، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من شهرين.

وتعكس معدلات التعادل توقعات التضخم، فضلاً عن التعويض الذي يسعى المستثمرون للحصول عليه مقابل مخاطر التضخم وعوامل أخرى.

فعلى صعيد السندات لأجل 10 سنوات، ارتفع معدل التعادل إلى 2.34% يوم الخميس، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 10 يونيو. كما وصل معدل التعادل للسندات لأجل 5 سنوات إلى المستوى ذاته، وهو الأعلى منذ 16 يونيو.

ورغم أن هذه المؤشرات قد تتسم بالتقلب ولا تزال تشير إلى أن السوق لا يتوقع تضخماً جامحاً، إلا أنها تدل أيضاً على تزايد المخاوف المتعلقة بالتضخم.

تأتي هذه المخاوف في أعقاب إعلان وزارة الخزانة يوم الأربعاء عن عزمها مضاعفة حجم عملية إعادة شراء الديون، التي تبلغ قيمتها المعتادة ملياري دولار، مرتين على الأقل؛ وهي عملية روتينية كانت قد بدأت عام 2024 وتساهم في توفير سوق للديون طويلة الأجل.

على الرغم من تأكيد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن هذه الخطوة لم تكن محاولة لكبح جماح العوائد، إلا أنها جاءت عقب وصول عوائد سندات الخزانة لأجل 10 و30 عاماً إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وفي هذا الصدد، قال فان هيسر، كبير الاستراتيجيين في وكالة "KBRA" المتخصصة في التصنيف الائتماني وتقييم السندات: "إن الظروف المحيطة حالياً صعبة للغاية، إذ برزت مجموعة متداخلة من المخاوف".

وأضاف أن تسعير المتداولين لاحتمالات ارتفاع التضخم "ينسجم مع الأجواء العامة التي تسودها المخاوف بشأن التضخم، وهو عامل يواصل الضغط على السوق. إن هذه الأمور تظهر وتختفي؛ وأعتقد أن كل هذه المخاطر كانت قائمة بالفعل، وكثير منها موجود منذ فترة، لكنها تتفاقم من حين لآخر وتنعكس آثارها على الأسواق".

رد فعل سلبي للسوق

يأتي ارتفاع توقعات التضخم المستمدة من مؤشرات السوق متماشياً مع اتجاه عام ساد هذا السوق خلال الأسبوع.

ففي حين شهدت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل انخفاضاً حاداً يوم الإعلان عن عملية إعادة الشراء، إلا أنها عاودت الارتفاع يوم الخميس وواصلت صعودها يوم الجمعة؛ إذ بلغ العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات 4.73% في تعاملات فترة ما بعد الظهر، مسجلاً زيادة قدرها 3.4 نقطة أساس خلال اليوم ومستوى أعلى مما كان عليه قبل الإعلان.

وبالمثل، ارتفع العائد على السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 3.6 نقطة أساس ليصل إلى 5.27%، كما سجلت العوائد ارتفاعاً في السندات قصيرة الأجل؛ إذ يتعين على وزارة الخزانة تعويض عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل من خلال إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل.

وقد ارتبط هذا الارتفاع في العوائد بعدة عوامل، أبرزها المخاوف المتعلقة بالتضخم. كما واجهت سندات الخزانة الأميركية منافسة من ديون حكومية ذات عوائد أعلى في آسيا وأوروبا، وتأثرت أيضاً بطفرة قياسية في إصدارات الديون من قبل شركات التكنولوجيا العملاقة (التي تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي)، فضلاً عن الارتفاع العام في "علاوة الأجل" -أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل حيازة الديون الأميركية، التي تجاوز إجمالي حجمها حاجز الـ 40 تريليون دولار هذا الأسبوع.

في حين ارتفعت العوائد، تراجع الدولار أيضاً، مواصلاً بذلك اتجاهاً شهده هذا الأسبوع أفقد العملة الأميركية ما يقرب من 0.9% من قيمتها.

وكتب تييري ويزمان، استراتيجي العملات الأجنبية وأسواق الفائدة العالمية في مجموعة ماكواري Macquarie Group، أن تحرك الدولار "قد يكون أيضاً نتيجة لقراءة دلالات إعلان وزارة الخزانة وتأثيره على احتمالية تبني الاحتياطي الفدرالي لسياسات أكثر تيسيراً".

 

 

وأضاف ويزمان: "عقب الإعلان عن زيادة عمليات إعادة الشراء وما أحدثه ذلك من تأثير، ارتفع معدل التعادل للتضخم لأجل 10 سنوات بنحو 6 إلى 7 نقاط أساس، وهي زيادة لا يستهان بها. وهذا يعني ضمناً أن هناك جانباً في الإعلان كان ’مؤيداً لارتفاع التضخم".

الأنظار تتجه نحو وارش

تزيد رد فعل السوق من أهمية وحساسية الموقف بالنسبة لكيفن وارش، الذي من المقرر أن يلقي خطاباً رئيسياً يترقبه الجميع في 28 أغسطس خلال الندوة السنوية للبنك المركزي في جاكسون هول بولاية وايومنغ.

وكانت الأسواق قد فسرت تصريحات سابقة لوارش، أيد فيها تقليص دور الاحتياطي الفدرالي في الأسواق، على أنها تعكس توجهاً "حمائمياً" (أي ميلاً لسياسات نقدية تيسيرية) فيما يتعلق بالتضخم.

وأشار ويزمان إلى أنه "إذا ألمح وارش إلى استمراره في تبني نهج ’حمائمي‘ لأجل غير مسمى، فقد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية عليه وعلى وزارة الخزانة؛ إذ سترتفع معدلات التعادل للتضخم أكثر، مما قد يقوّض الاستقرار في العوائد الاسمية طويلة الأجل الذي يسعى سكوت بيسنت، وزير الخزانة، إلى تحقيقه".

ومع ذلك، لا يرى البعض في السوق أن الارتفاع الأخير في العوائد يمثل مدعاة للقلق.

أشار ديفيد زيرفوس، كبير استراتيجيي السوق في شركة "جيفريز" (Jefferies)، في مقابلة مع شبكة "سي إن بي سي" (CNBC)، إلى أن عائد السندات لأجل 10 سنوات يتحرك ضمن "واحد من أضيق النطاقات" التي شهدها خلال العشرين عاماً الماضية، قائلاً: "إن العائد لا يسجل تحركات جامحة أو مفاجئة".

وأضاف زيرفوس: "ما نشهده هو نوع مختلف من وزراء الخزانة؛ شخص مستعد لتبني نهج أكثر تكتيكية، وهذا أمر جديد بالنسبة للسوق، وسيتعين على السوق التكيف معه".

وبالمثل، ذكر هيسر، الاستراتيجي في وكالة كي بي آر إيه KBRA، أن مستويات العائد الحالية تتماشى بشكل أكبر مع المعايير التاريخية، وهو تحول يأتي بعد فترة طويلة استخدم فيها الاحتياطي الفدرالي أدواته لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع.

وقال: "إن مستوى العائد الذي يتراوح بين 4% و5% للسندات لأجل 10 سنوات يُعد مستوىً إيجابياً وبنّاءً في ظل اقتصاد مزدهر. وأعتقد أن هذا النطاق يمثل معدلاً صحياً للغاية، إذ يتيح لأسعار الفائدة أداء وظيفتها الطبيعية والمتمثلة في ضبط وتيرة تدفقات رأس المال عبر الاقتصاد".

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة