قال رئيس الفدرالي الأميركي كيفن وارش، يوم الجمعة، إن البنك المركزي الأميركي «سيكون أمامه عمل يتعين القيام به» إذا لم يحصل صانعو السياسة النقدية على الثقة اللازمة بأن التضخم يتجه نحو مستوى 2%، في تصريحات اقترب فيها أكثر من أي وقت مضى من الإقرار بأن رفع معدلات الفائدة قد يكون ضرورياً لتهدئة ضغوط الأسعار.
وقال وارش في كلمته الرئيسية أمام الندوة الاقتصادية السنوية للفدرالي في جاكسون هول بولاية وايومنغ: «هذا هو معياري: يجب أن نكون واثقين من أن التضخم الأساسي يتحرك نحو هدفنا، وبوضوح وبسرعة كافية. وإلا، فسيكون أمامنا عمل يتعين القيام به. هذه وظيفتنا... وهذه مهمتنا... وهذا ما كُلفنا بالحفاظ عليه».
وأضاف أنه في ظل استقرار سوق العمل، وبقاء التضخم عند مستويات مرتفعة للغاية، وعدم وجود مؤشرات تُذكر في الأوضاع المالية على أن معدل السياسة النقدية للفدرالي يفرض قيوداً على الاقتصاد، فإن «التركيز الأساسي للفدرالي في الوقت الراهن يجب أن يكون على الأسعار».
وأثارت تصريحات وارش تصفيق الحاضرين من محافظي البنوك المركزية حول العالم، الذين كانوا يتطلعون إلى ما هو أبعد من وعوده الغامضة السابقة بتحقيق استقرار الأسعار، وشعروا بالقلق من رفضه تحديد الكيفية التي سيحقق بها ذلك. واستوعبت الأسواق تغير نبرة وارش، إذ رفعت رهاناتها على زيادة معدلات الفائدة في الشهر المقبل، رغم استمرار تسعيرها قدراً كبيراً من الشكوك في إقدامه على هذه الخطوة.
وقال باتريك هاركر، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفدرالي في فيلادلفيا: «نقترب من ست سنوات ظللنا خلالها أعلى من المستهدف». وأضاف: «لا يمكنك الاستمرار في القول إن هذه وظيفتنا، ثم لا تتخذ إجراءً»، مشيراً إلى المقولة الشائعة التي تفيد بأن «الأفعال أبلغ بكثير من الكلمات».
وركز جزء كبير من كلمة وارش، التي امتدت إلى 16 صفحة، على قضايا واسعة مثل تأثير الذكاء الاصطناعي، والتي يرى أنها ستكون حاسمة على المدى الطويل، لكنها تضمنت أيضاً بعض الإقرارات المهمة، من بينها أن «معدلات الفائدة قصيرة الأجل هي الأداة الرئيسية لتحقيق التفويض المزدوج» للفدرالي.
وقال وارش إن توصيات خمس مجموعات عمل شكّلها لدراسة قضايا طويلة الأجل «ستأتي لاحقاً ولن يكون لها أي تأثير في القرارات التي نتخذها في الوضع الحالي للسياسة النقدية». وأضاف: «لكنني أعتقد أنه بالنسبة إلى تحديات السياسة المستقبلية، فإن هذا الاستثمار الفكري الذي نقوم به اليوم سيجعلنا أكثر استعداداً بكثير».
ولم يتطرق وارش بشكل مباشر إلى التدخلات الأخيرة في الأسواق التي أجراها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، والتي أدت إلى الضغط نزولاً على عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل. لكنه قال إن الفدرالي «يحتاج إلى إشارات واضحة من السوق، وغير منقّاة قدر الإمكان»، من أجل تحديد السياسة النقدية المناسبة.
وما برز من كلمة وارش، بدرجة لم تكن واضحة خلال أول 99 يوماً له في المنصب، الذي تعهد فيه بإحداث تغييرات واسعة في الفدرالي، هو شعور بعودة العمل الطبيعي للبنك المركزي، إذ قدم رئيس الفدرالي رؤيته للاقتصاد وتصوراته بشأن الخطوات المقبلة للسياسة النقدية.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد اختار وارش لتولي رئاسة الفدرالي، فيما اعتُبر إحجام رئيس البنك المركزي عن الإشارة إلى احتمال رفع معدلات الفائدة، رغم استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة للغاية، في بعض الأوساط خضوعاً مفرطاً لتوجهات ترامب، الذي أعلن صراحة توقعه أن يخفض مرشحه معدلات الفائدة.
وكانت تصريحات وارش بشأن التضخم هي التي ذهبت، على الأرجح، إلى أبعد مدى في سد الفجوة التي رأى البعض أنها ظهرت في تصريحاته خلال مؤتمريه الصحفيين الأولين.
🎯 في حال كان رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي، كيفن وارش، يرغب في تنبيه سوق السندات، فقد تحقق له ذلك يوم الجمعة
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) August 28, 2026
📈 فاحتمالات رفع معدلات الفائدة من قبل البنك المركزي في اجتماعه المقرر في سبتمبر/ أيلول ارتفعت لتصل إلى قرابة 60% عقب خطابه في جاكسون هول، مقارنة بـ 35% فقط يوم… pic.twitter.com/XNVUAbXfyH
وقال وارش إن «التقدم المحرز خلال العامين الماضيين كان متواضعاً»، مشيراً إلى أن بيانات التضخم وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس المفضل لدى الفدرالي، أظهرت بقاء التضخم عند 3.7% على أساس سنوي في يوليو تموز.
وأضاف أن البيانات الأخيرة «لا تخبرني بأن الاتجاهات الأساسية قد تحسنت بشكل ملموس»، مشيراً إلى أن نحو نصف مكونات سلة مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي ترتفع بأكثر من 3% على أساس سنوي، وهي نسبة تقل عن المستويات التي سجلت خلال موجة التضخم الناجمة عن جائحة كوفيد-19، لكنها لا تزال أعلى من مستويات ما قبل الجائحة.
وكتب محللو «كابيتال إيكونوميكس» أن خطاب وارش «قدم رسالة أكثر وضوحاً وتشديداً بكثير من ظهوره الأخير في مؤتمر صحفي»، مضيفين أن ذلك «يبقي الباب مفتوحاً أمام رفع معدلات الفائدة في وقت أبكر من توقعاتنا الحالية لشهر ديسمبر كانون الأول، إذا جاءت بيانات الأسعار المقبلة قوية».
وفي الوقت نفسه، قال وارش إنه هو وغالبية كبيرة من مسؤولي الفدرالي رأوا خلال اجتماع 28 و29 يوليو تموز أنه يمكنهم الانتظار للحصول على مزيد من البيانات قبل اتخاذ قرار بشأن الحاجة إلى تغيير المسار. ومع توقع صدور تقرير واحد فقط إضافي عن التضخم قبل اجتماع 15 و16 سبتمبر أيلول، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الانتظار سينتهي قريباً.
وتُسعّر العقود الآجلة لمعدلات الفائدة احتمالاً بنحو 60% لرفع معدلات الفائدة الشهر المقبل، مقارنة بنحو 40% قبل كلمة وارش.
ولم يحدد وارش جدولاً زمنياً لرفع معدلات الفائدة، وقال صراحة إن تصريحاته لا ينبغي اعتبارها «توجيهاً مستقبلياً» للسياسة النقدية، ولا حتى «دالة رد فعل» أكثر وضوحاً، وهي معلومات سبق أن اقترح المستثمرون ومحللو الفدرالي أن يقدمها، لكنه يرى أن تقديم مثل هذه الإشارات ليس مناسباً أو ممكناً بصورة دقيقة.
ومع ذلك، تمثل تصريحاته أكثر تعليقاته تفصيلاً حتى الآن بشأن موقف الفدرالي من جهوده لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%، بعد أكثر من خمس سنوات ظل خلالها فوق هذا المستوى، وكذلك بشأن الكيفية التي يفسر بها البيانات التي تظهر استقرار سوق العمل، وصمود النمو الاقتصادي، وتسارع استثمارات الشركات، إلى جانب أوضاع مالية قال إنه «يجد صعوبة كبيرة» في رؤية أي مؤشرات على كونها تقييدية.
وقال وارش: «التضخم يتجاوز مستهدفنا البالغ 2%»، مشيراً إلى أن هدف الفدرالي للتضخم، كما يقاس بالتغير في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي على مدى 12 شهراً، «راسخ» و«ثابت».
وأوضح رئيس الفدرالي، في تفصيل آخر، أنه يرى حالياً أن توقعات التضخم لا تزال مستقرة، لكنها تحتاج إلى «مراقبة وثيقة».
وقال: «مهمة الفدرالي هي التأكد من أن توقعات التضخم لا تنفلت من مرساها».
وأضاف أن الاقتصاد لا يبدو صامداً فحسب، بل إن معدلات الفائدة الحالية في السوق، إلى جانب معدل السياسة النقدية قصير الأجل للفدرالي الذي ظل دون تغيير في نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75% منذ ديسمبر كانون الأول، تعني أن «أسواق الائتمان والقروض لا تظهر سوى مؤشرات قليلة على وجود قيود ناجمة عن السياسة النقدية».
وقد تمثل هذه التصريحات أساساً للحجج الداعية إلى رفع معدلات الفائدة إذا استمر التضخم مرتفعاً.
وكان هناك توجه داخل اجتماع الفدرالي الشهر الماضي نحو تشديد السياسة النقدية، إذ عارض ثلاثة مسؤولين قرار الإبقاء على معدل السياسة النقدية دون تغيير.
ومن المقرر صدور بيانات رئيسية عن البطالة ونمو الوظائف وتضخم أسعار المستهلكين لشهر أغسطس آب في وقت مبكر من الشهر المقبل.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي