كان عقد اجتماعات الجمعيات العامة للشركات عن بُعد، عبر الاتصال المرئي، حلاً فرضته جائحة كورونا، عندما كان الاختلاط والتجمع يمثلان خطراً صحياً حقيقياً. يومها كان اللجوء إلى هذا الخيار مفهوماً ومبرراً، بل ضرورياً لاستمرار أعمال الشركات واتخاذ قراراتها في ظروف استثنائية.
في قطر ، ما كان استثناءً فرضته الضرورة، يبدو أنه تحوّل لدى بعض الشركات المدرجة في البورصة إلى قاعدة مريحة، لا يبدو أن هناك رغبة حقيقية في التخلي عنها، خاصة أن بعض الشركات تستند في عقد الاجتماع الافتراضي إلى التعديل الذي طال قانون الشركات التجارية عام 2021، والذي أجاز عقد الجمعيات العامة عبر وسائل التقنية الحديثة، والمشاركة في مداولاتها والتصويت إلكترونياً. لكن بعض الشركات غضّت الطرف عن أن المشرّع لم يجعل الاجتماع عن بُعد بديلاً مطلقاً عن الاجتماع الحضوري، وإنما أجازه وفق ضوابط.
اجتماع الجمعيات العامة العادية وغير العادية للشركات ليس إجراءً شكلياً، بل هو امتثال للقرارات والتعليمات التنفيذية للجهات الرقابية، ومنها وزارة التجارة والصناعة، وهيئة قطر للأسواق المالية، وبورصة قطر. كما أنه ليس ورقة في ملف الحوكمة يجب توقيعها ثم إغلاقها، بل مساحة يُفترض أن يلتقي فيها أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بالمساهمين، وجهاً لوجه، لمناقشة أداء الشركة وقراراتها واستثماراتها ومخاطرها وأرباحها وخططها المستقبلية.
غير أن بعض الشركات في قطر اكتشفت، في مرحلة ما بعد كوفيد-19، في «الاجتماع الافتراضي» مخرجاً قانونياً وبالغ الراحة... اجتماع سريع، وتكلفة أقل، وعدد محدود من الحضور، بالنظر إلى أن معظم مجالس الإدارات تُدار من حصص الأغلبية، ما يمنع عنها في الغالب ضجيج الأسئلة المزعجة، والمداخلات الطويلة، والملاحظات التي لا تنتهي فصولها.
المساهم، عندما يدخل إلى اجتماع الجمعية العامة عبر هاتفه أو حاسوبه الشخصي، يكون جلّ همّه أن يحظى بفرصة لطرح سؤال أو عرض قضية والاستيضاح، ما لم تخذله خدمة الاتصال المرئي، لينتهي كل شيء في وقت قصير. أما مجلس الإدارة، فيمضي على جدول الأعمال بنداً تلو الآخر سريعاً، ويطلب الموافقات، وتنتهي القصة... بعبارة: "نلقاكم العام المقبل انشاء الله "!!!
"العموميات عن بُعد" تشبه، إلى حد كبير، ما غنّته العظيمة فيروز: «تعا ولا تجي» ؛ دعوة إلى الحضور، لكن من دون حضور فعلي بالمعنى الذي يفترض أن يكون عليه اجتماع الجمعية العامة.
وفي خضم ذلك، يغيب أحياناً عن بعض مجالس الإدارات أن المساهم شريك حقيقي، مهما صغرت حصته، وليس مجرد رقم في سجل الملكية. ومن حقه أن يعرف ماذا يجري في الشركة، وكيف تُدار أموالها، ولماذا تراجعت الأرباح، أو ارتفعت المصروفات، أو زادت المديونية، أو تعثرت بعض المشاريع، أو لماذا تراجعت نسبة التوزيعات النقدية السنوية.
لذلك، فإن الاجتماع الحضوري يوفر، بطبيعته، مساحة أكبر للنقاش والمواجهة والمساءلة. أما الاجتماع عن بُعد، فيمكن أن يحوّل هذه العلاقة إلى تفاعل بارد ومحدود بين شاشة ومساهم، مع كل ما يرافق ذلك من مشكلات تقنية، وصعوبة في إدارة النقاش، وتراجع التفاعل، وربما عزوف بعض المساهمين عن المشاركة أصلاً.
ولا يقتصر الأمر على المساهمين، فغياب وسائل الإعلام عن الاجتماع يحرم السوق من نقل ما يدور داخله من أسئلة وإجابات وملاحظات. إذ غالباً ما تختزل التغطية في بيان أو نتائج وقرارات معلنة، بدلاً من نقل النقاش الذي جرى داخل الجمعية، وهو ما يضعف إحدى أدوات الشفافية والرقابة غير المباشرة على الشركات المدرجة.
والأهم أن المسألة لا تتعلق براحة المساهم أو مجلس الإدارة فقط. فالجمعية العامة إحدى الأدوات التي يفترض أن تُمارس من خلالها الرقابة على مجلس الإدارة، وكلما تراجعت مساحة النقاش والمساءلة، تراجعت معها فاعلية هذه الأداة، بما قد يؤثر أيضاً في مستوى الثقة بالحوكمة وبيئة الاستثمار في السوق.
وهنا تبرز أهمية العودة إلى الشكل الحضوري لاجتماع الجمعيات العمومية، مع الإبقاء على خيار المشاركة عن بُعد كوسيلة مساندة لمن يتعذر عليه الحضور، وأن يكون عقد «الاجتماع الافتراضي» مشروطاً بأسباب موجبة لعقده عن بُعد.
ليس المطلوب إلغاء التكنولوجيا، ولا العودة إلى الوراء، وإنما وضعها في مكانها الصحيح: وسيلة لتوسيع المشاركة، لا مخرجاً لتقليصها، والاستفادة منها في إطلاع المساهمين الذين تغيبوا عن الاجتماع على خلاصة وافية من محضر الاجتماع، والأسئلة والاستفسارات والردود عليها من أعضاء مجلس الإدارة، بما يدعم ممارسات الحوكمة والشفافية.
قصارى القول: إذا كانت بعض الشركات تجد في الاجتماع عن بُعد راحة أكبر، فعلى الجهات التنظيمية أن تتذكر أن راحة مجلس الإدارة ليست بالضرورة مصلحة للمساهمين، والجمعية العامة التي تنتهي قبل أن تبدأ الأسئلة، قد تكون اجتماعاً مستوفياً للإجراءات... لكنها بالتأكيد ليست حوكمة بالمعنى الذي يفترض أن تكون عليه.
هرمز النووي.. حين هز المضيق اقتصاد العالم
الرياض تعيد رسم خرائط النفوذ بقلم المصالح وحبر الاقتصاد
الحصار الاقتصادي على إيران يخنق الخليج أيضاً
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية، تعبر عن رأي أصحابها.. وللإطلاع على مزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة مقالات الرأي
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي