رئيسة قسم محللي الأسواق المالية في "سي جي إنفست" (CG Invest)
بدأ عام 2026 بتوقعات واسعة بخفض الفائدة، لكنه يقترب من نهايته على مسار معاكس تماماً. دخل المستثمرون العام متوقعين خفضاً، ثم بدأت الأسواق في مارس تسعير عدة زيادات قبل نهاية العام، وفي سبتمبر رفع الفدرالي الفائدة بربع نقطة إلى نطاق 3.75% إلى 4.00%. وكانت تلك أول زيادة منذ يوليو 2023، وبذلك انتقل النقاش داخل الفدرالي من توقيت الخفض إلى سؤال آخر: هل تكفي رفعة واحدة أم أن الأمر يحتاج إلى ثانية قبل نهاية السنة؟
ظهرت بوادر هذا التحول في اجتماع يوليو، حين أبقى الفدرالي الفائدة عند 3.50%–3.75%، لكن ثلاثة أعضاء هم بيث هاماك ونيل كاشكاري ولوري لوغان فضّلوا رفعها بربع نقطة بسبب بقاء التضخم فوق 2%. بعد ذلك جاء خطاب رئيس الفدرالي كيفن وورش في جاكسون هول يوم 28 أغسطس، وهو الأول له في هذا المحفل رئيساً للمجلس.
اتسم الخطاب بنبرة متشددة، فقد قال إن التضخم يسير فوق هدف 2%، وإن تركيز الفدرالي الأساسي ينبغي أن يكون على الأسعار. وأقرّ بأن بعض المؤشرات الأخيرة جاءت أفضل من المتوقع، لكنه رأى أنها لا تدل على تحسن حقيقي في الاتجاه الأساسي للتضخم. ولم يلتزم بخطوة محددة في سبتمبر، غير أن الأسواق قرأت الخطاب إشارة واضحة، فقد ارتفع احتمال رفع الفائدة في سبتمبر إلى نحو 60% من 36% قبل الخطاب.
وفي 16 سبتمبر تحقق ما رجّحته الأسواق، إذ صوّتت اللجنة بـ12 صوتاً مقابل لا شيء على رفع الفائدة 25 نقطة أساس. وجاء في البيان أن التضخم لا يزال مرتفعاً وأن الخطوة تدعم عودته إلى 2% في وقت أقرب. أما ما شدّ انتباه المحللين فكان مخطط النقاط المرافق للقرار، وهو رسم يضع فيه كل عضو في اللجنة، دون ذكر اسمه، نقطة تمثل توقعه لسعر الفائدة في نهاية العام. وإذا رُتبت هذه التوقعات من الأدنى إلى الأعلى، فإن الوسيط هو التوقع الذي يقع في المنتصف تماماً، أي أن نصف المسؤولين يتوقعون سعراً أقل منه أو مساوياً له، ونصفهم يتوقعون سعراً أعلى منه أو مساوياً له.
وهذا الرقم هو الأكثر تداولاً حين يُقال "توقع الفدرالي"، مع أنه ليس وعداً ملزماً، وتختلف التوقعات الفردية حوله. في سبتمبر أشار الوسيط إلى رفعة إضافية بربع نقطة لتنتهي 2026 عند 4.1%، ثم بلا تغيير في 2027، قبل بدء خفض تدريجي في 2028 و2029، وتراوحت التوقعات الفردية لنهاية 2026 بين نحو 3.875% و4.375%.
ومن اللافت أن وورش نفسه لم يقدّم نقاطاً أو توقعات للمرة الثانية على التوالي، فجاء المخطط من 18 مشاركاً بدلاً من 19. ويترجم بعض المحللين الرقم 4.1% إلى نطاق 4.00%–4.25% نهاية 2026، أي رفعة واحدة إضافية، وهما وصفان لتوقع واحد. وتؤكد محاضر الاجتماع، التي صدرت في السابع من أكتوبر، الاتجاه نفسه، إذ توقع معظم المسؤولين الذين أيدوا رفع سبتمبر زيادة أخرى قبل نهاية 2026.
وتبدو البيانات الاقتصادية الأخيرة متناقضة، وهذا ما يصعّب مهمة اللجنة. فمن جهة، يتسارع التضخم، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين 3.7% سنوياً في سبتمبر مقابل 3.4% في أغسطس، ويعود ذلك أساساً إلى حرب إيران التي رفعت أسعار النفط والوقود، إلى جانب التعريفات الجمركية والطلب القوي وبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وقفزت أسعار البنزين وحدها 9.1% في شهر سبتمبر. وجاء التضخم الأساسي أعلى من المتوقع أيضاً، إذ بلغ 2.6% مقابل توقعات عند 2.5%.
والضغط ليس أمريكياً فقط، فتضخم منطقة اليورو بلغ 3.8%، وهو الأعلى منذ سبتمبر 2023. ومن جهة أخرى، يفقد سوق العمل زخمه بشكل واضح. فقد أضاف الاقتصاد 29 ألف وظيفة فقط في سبتمبر مقابل 133 ألفاً في أغسطس، وارتفعت البطالة من 4.1% إلى 4.2%، كما خُفّضت أرقام يوليو وأغسطس بمجموع 60 ألف وظيفة. وجاء نمو الأجور عند 3% سنوياً، دون توقعات الاقتصاديين عند 3.2%. وكان لهذا التقرير أثر مباشر في الأسواق، إذ ارتفعت الأسهم وانخفضت عوائد الخزانة لأن احتمال رفع إضافي تراجع، رغم أن التضخم يبقي الفدرالي في حالة حذر.
ولهذا تبدو الصورة في الأسواق شبه محسومة بالنسبة إلى الاجتماع القادم. فالفدرالي يجتمع يومي 27 و28 أكتوبر، ويُعلن قراره في الثانية ظهراً بتوقيت واشنطن يوم 28. وبحسب استطلاع أجرته رويترز بين 16 و20 أكتوبر، توقع 94 من 100 اقتصادي تثبيت الفائدة عند 3.75%–4.00%، فيما رجّح 100 من 100 رفعها في ديسمبر. وتسعّر العقود الآجلة احتمال رفع أكتوبر بنحو 8.3%، مقابل نحو 76.3% لرفع ديسمبر حسب أداة CME FedWatch في 23 أكتوبر، وهناك تقديرات أخرى ترفع النسبة إلى نحو 90%. ومن الأسباب المذكورة لتوقع التثبيت أن انتخابات التجديد النصفي على الأبواب في نوفمبر. ولن يتضمن اجتماع أكتوبر إسقاطات جديدة ولا مخطط نقاط، فستبقى الأنظار على نبرة وورش في مؤتمره الصحفي.
لكن الإجماع التام يثير الحذر. فقد نبّه تحليل نُشر بعد الاستطلاع إلى أن إجماعاً كهذا غالباً ما يصف ما حدث في الأسعار بالفعل لا ما سيحدث. وأشار إلى أن عائد السندات لعشر سنوات عند 5.146% والدولار عند 101.69 يعنيان أن جزءاً كبيراً من رفعة ديسمبر مُدرج في الأسعار. وهذا يعني أن مفاجأة في الاتجاه المعاكس، أي أن يتراجع الفدرالي عن الرفع، ستؤثر في الأسواق أكثر من تأكيد المتوقع.
أمام الفدرالي محطات حاسمة قبل اجتماع ديسمبر. فتقرير وظائف أكتوبر مقرر في 6 نوفمبر، وبيانات التضخم لشهر أكتوبر في 10 نوفمبر، ومحضر اجتماع أكتوبر في 18 نوفمبر. بعد ذلك يأتي اجتماع 8–9 ديسمبر مع إسقاطات اقتصادية جديدة ومخطط نقاط محدث.
وهنا يتحدد المسار، إذا بقي التضخم فوق التوقعات وتراجعت الأسعار دون ضغط حقيقي على الوظائف، فالرفعة شبه مؤكدة. أما إذا تكررت أرقام توظيف ضعيفة، أو انخفضت أسعار النفط بشكل ملموس، فقد تميل اللجنة إلى التثبيت مع إبقاء خيار التشديد مفتوحاً. وفي تقديري بالاستناد للبيانات و الاحصائيات، يبقى السيناريو الأرجح هو التثبيت في أكتوبر ثم رفع 25 نقطة أساس في ديسمبر إلى 4.00%–4.25%، وهو ما يتسق مع مخطط سبتمبر ومع تسعير الأسواق. أما الرفع في أكتوبر فاحتماله ضعيف، وأي زيادة أكبر من ربع نقطة غير مطروحة في أي من المصادر.
وتمتد آثار هذا المسار إلى الأسواق والأفراد. فالذهب، الذي يفترض أنه ملاذ آمن، يتراجع -نهاية الأسبوع الماضيح قرب 4,020 دولاراً بعد أربع جلسات خاسرة متتالية، لأن رفع الفائدة يقلل جاذبية الأصول التي لا تدرّ عائداً. وستبقى كلفة الاقتراض مرتفعة، فمتوسط الرهن العقاري لثلاثين سنة بلغ نحو 6.76% في أواخر أغسطس.
يتداول الذهب حالياً عند نحو 4,020 دولاراً للأوقية بعد أربع جلسات خاسرة متتالية، وهو أقل بنحو الربع من قمته القياسية البالغة 5,589 دولاراً في 28 يناير 2026. والسبب في هذا التراجع أن الذهب لا يدرّ عائداً، وكلما ارتفعت الفائدة زادت جاذبية السندات والنقد بالمقارنة معه، وهو ما يفسر هبوطه 1.5% إلى قرب 4,073 دولاراً يوم صدور بيانات التضخم الأعلى من المتوقع في 14 أكتوبر.

وقد أعادت البنوك الكبرى كتابة أهدافها بسبب ذلك. ففي الصيف كان جي بي مورغان يتوقع بقاء الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام والذهب عند 6,000 دولار، لكن رفعة سبتمبر غيّرت الحسابات. وخفّض البنك في الثالث من يوليو هدفه لمتوسط الربع الرابع من 2026 إلى 4,500 دولار، ولم يعلن منذ ذلك الحين رقماً جديداً لعام 2027.
وخفّض غولدمان ساكس هدفه لنهاية 2026 في 18 سبتمبر إلى 4,650 دولاراً من 4,900، وكان الهدف 5,400 دولار قبل يونيو، علماً بأن بعض المواقع ما زالت تنسب إليه رقم 4,900 المحدّث قبل تلك الخطوة. وكان البنك قد كتب في مذكرة يونيو أن رفعاً فعلياً للفائدة قد يدفع الذهب نحو 4,400 دولار بنهاية العام.
أما بقية البنوك فتتقارب أهدافها لنهاية 2026 في نطاق يمتد من نحو 4,450 إلى 4,750 دولاراً. فمورغان ستانلي يستهدف 4,450 دولاراً في الربع الرابع ويرى أن 4,000 دولار "أرضية قوية"، ويو بي إس يتوقع 4,600 دولار بحلول ديسمبر، وبنك دويتشه 4,600 دولار في الربع الرابع، وإتش إس بي سي 4,750 دولاراً في نهاية العام مع نطاق تداول بين 3,800 و4,700 دولار خلال ما تبقى من 2026. ويقف ويلز فارغو في الطرف الأعلى بهدف 4,900 إلى 5,100 دولار، بينما يتوقع بنك أوف أمريكا متوسطاً لعام 2026 كله عند 4,360 دولاراً.
وفي بداية 2027 تبدو البنوك أكثر تفاؤلاً بوضوح، لكن قلة منها تعطي أرقاماً للربع الأول تحديداً. فيو بي إس يرسم مساراً صاعداً من 5,000 دولار بحلول مارس 2027 إلى 5,200 في يونيو و5,400 في سبتمبر، ويرى في الهبوط نحو 4,000 دولار فرصة شراء، مع سيناريو سلبي عند 3,850. ويبقي غولدمان ساكس هدفه لنهاية 2027 عند 5,400 دولار، ويرى أن رفع الفائدة يؤجل صعود الذهب لا يلغيه. ويتوقع ويلز فارغو 5,400 إلى 5,600 دولار، فيما يقدّر مورغان ستانلي عودة الذهب فوق 5,000 دولار في النصف الثاني من 2027. وأكثر البنوك حذراً هو إتش إس بي سي بهدف 5,025 دولاراً لنهاية 2027، ويتوقع بنك أوف أمريكا متوسطاً قدره 4,813 دولاراً لعام 2027 مع إمكان وصول الذهب إلى 5,000 دولار بعد انتهاء دورة التشديد. وهذا يعني أن الإجماع للربع الأول من 2027 يتراوح عملياً بين نحو 4,800 و5,000 دولار، مع الإشارة إلى أن بنوكاً أخرى تضع سيناريوهات صعودية أعلى بكثير في تقارير منفصلة.
والعلاقة مع الفدرالي واضحة في منطق هذه التوقعات. فالأهداف المخفّضة كلها تقريباً مبررة بتشدد الفدرالي وقوة الدولار وارتفاع العوائد الحقيقية، بينما تستند الأهداف الصاعدة لعام 2027 إلى افتراضين، استئناف خفض الفائدة في مرحلة ما، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، إذ يفترض غولدمان نحو 50 طناً شهرياً في 2026 و40 طناً شهرياً في 2027. وهنا تظهر فجوة يجب الانتباه إليها، فمخطط النقاط في سبتمبر يتوقع فائدة ثابتة طوال 2027 وخفضاً لا يبدأ قبل 2028، أي أن الدعم الذي تنتظره البنوك من التيسير لن يأتي، إن صحت توقعات الفدرالي، قبل نهاية العام القادم. ولهذا تعتمد الأهداف الصاعدة أكثر على مشتريات البنوك المركزية والمخاوف المالية منها على الفائدة.
وكنهاية القول إن الفدرالي في وضع غير مريح: رئيس جديد يفضّل تقليل التوجيه المسبق، ولجنة منقسمة حول سرعة التشديد، وتضخم تغذّيه الطاقة والتعريفات، وسوق عمل يضعف. والمسار الأكثر ترجيحاً هو تثبيت يوم 28 أكتوبر ثم رفع بربع نقطة في 9 ديسمبر، وهو مسار يجعل الذهب أسير الدولار والعوائد في الأسابيع القادمة رغم تفاؤل البنوك لما بعده.
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي