بقلم نهى علي

في السادس من سبتمبر 2022، دعا الرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي"، عبر منصة بورصة نيويورك "بظهوره عبر الفيديو"، عن طرح مشاريع استثمارية، مشيراً إلى أن العدد قد يصل إلى 500 مشروع بقيمة تتجاوز الـ400 مليار دولار.
رغم أن المعارك لم تهدأ بعد في ذلك البلد، لكن زيلينيسكي اعرب أن طرح تلك المشاريع سيكون بهدف تمويل إعادة إعمار أوكرانيا. ذلك يعكس بوضوح أنه حتى مع اندلاع الحرب، لم تتراجع اهتمامات الحكومة ببرامج إعادة هيكلة الاقتصاد الأوكراني، تلك البرامج التي مرت بالعديد من المراحل.
بعد بداية انطلاق العملية العسكرية الروسية بوقت قصير، وتحديداً في مارس آذار 2022 صادق البرلمان الأوكراني على قانون طوارئ يسمح لأصحاب العمل بتعليق الاتفاقيات الجماعية. ثمّ في يونيو حزيران أقرّ حزمة أسماها بالإصلاحية، تستبعد بشكل فعلي، الغالبية العظمى من العمال الأوكرانيين من الحماية التي يقرها قانون العمل الحالي.
قد يكون التبرير أن ضرورات الحرب تعطي مسوغاً قوياً لتمرير تلك القرارات، بيد أن خطط الإصلاح الهيكلية لاقتصاد أوكرانيا، لم تكن محصورة في أروقة البرلمان، بل شاركت في وضعها وتحديد مساراتها أطراف غير أوكرانية.
أشارت وثائق تم نشرها قبل حوالي 5 سنوات، من معهد أوكلاند الأميركي للدراسات الاقتصادية، إلى برامج الخصخصة الموضوعة للسيطرة على الموارد الزراعية الهائلة في أوكرانيا. حيث يمتلك ذلك البلد أكثر من 30 مليون هكتاراً من الأراضي الصالحة للزراعة، المحتوية على التربة السوداء المعروفة باسم " تشيرنوزيوم"، بنسبة 65% من إجمالي الأراضي. تعادل تلك النسبة ثلث مساحة الأراضي الزراعية الخصبة الموجودة في الاتحاد الأوروبي، وما يقرب من ربع التربة الأكثر خصوبة في العالم.
بينت وثائق أوكلاند، أن جهود الحد من الخصخصة أنتجت في عام 2001، قانوناً يفرض حظراً على بيع الأراضي للأجانب، في عهد الرئيس "ليونيد كوتشما". منذ ذلك الحين كان إلغاء هذا الإجراء هدفاً رئيسياً للمؤسسات الدولية. على سبيل المثال، وفي وقت مبكر من عام 2013، قدم البنك الدولي قرضاً قيمته 89 مليون دولار أميركي، بهدف تطوير قانون وبرنامج ملكية للأراضي بما يلزم لتحويل الأراضي المملوكة للدولة والتعاونيات إلى أراضٍ تجارية. ووفقاً لما ورد في ورقة البنك الدولي في عام 2019، التركيزعلى إعادة هيكلة ملكية الأراضي الزراعية ، عبر "تسريع وتيرة الاستثمار الخاص".
تضمنت تلك الورقة بنوداً لها علاقة ما تم تسميته "تعزيز الإنتاج الزراعي الحديث واستخدام التكنولوجيا الحيوية"، وهو ما يمثل انفتاحاً واضحاً على المحاصيل المعدلة وراثياً في الحقول الأوكرانية.
وعلى الرغم من الحظر المفروض على بيع الأراضي للأجانب، تمكنت عشر شركات زراعية متعددة الجنسيات بحلول عام 2016 من السيطرة على أكثر 2.8 مليون هكتاراً من الأراضي بشكل فعلي. وفي 2020 تم إلغاء قرار حظر بيع الأراضي للأجانب، في عهد الرئيس فولوديمير زيلينسكي.
يذكر بهذا الخصوص أن المزراعين في أوكرانيا، لا يمكنهم استخدام أراضيهم كضمان لاقتراض أموال من البنوك لأغراض تتعلق بالزراعة أو الحصول على تمويل، لكنهم بالمقابل يمكنهم تأجيرها لمستثمرين محليين أو أجانب. على هذا الأساس ذكر تقرير للبنك الدولي، أن الوصول المحدود إلى التمويل، بما في ذلك القروض المصرفية. مما اعتبرته المؤسسة الدولية، عائقاً واضحاً أمام المنتجين الزراعيين الصغار ومتوسطي الحجم، الذين ينتجون أكثر من 50% من إجمالي الناتج الزراعي.
في إطار آخر انتقد وزير الزراعة السايق رومان ليشينكو، عدم تمكن الأوكرانيين من الاستفادة الكاملة من ثرواتهم الزراعية خلال الثلاثين عاماً، منذ الحصول على الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي.
الجدير بالذكر أن ليشينكو استقال بعد أسابيع من اندلاع الحرب، أي في مارس 2022. وهو كان من ضمن المؤيدين للسماح ببيع الأراضي لغير الأوكرانيين.
بالانتقال إلى المستجدات التي واكبت الحرب في أوكرانيا، اجتمع في يوليو تموز من عام 2022، مسؤولون رفيعو المستوى من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية.
جرى الاجتماع بمدينة لوغانو السويسرية، ضمن ما يسمّى "مؤتمر تعافي أوكرانيا URC". ركزّت أجندة المؤتمر بشكل واضح، على تعزيز اقتصاد السوق واللامركزية والخصخصة وإصلاح الشركات المملوكة للدولة. بدا جدول الأعمال وكأنه متابعة لمؤتمر الإصلاح الأوكراني الذي عقد في 2018، والذي شدد على أهمية خصخصة معظم ما تبقى من القطاع العام، مع الإشارة إلى أن الهدف النهائي لبرامج الإصلاح، يتمثل في بيع الشركات المملوكة للدولة إلى مستثمرين من القطاع الخاص.
الجدير بالذكر أنه في العام 2018، أظهرت نتائج استطلاع عام بأنّ هناك معارضة بنسبة تجاوزت 50%، لنتائج مؤتمر الإصلاح، مقابل نسبة تأييد بنحو 12%.
أما في يونيو حزيران من عام 2020 أعطى صندوق النقد الدولي، موافقته على برنامج قرض بقيمة 5 مليارات دولار، لمدة 18 شهراً مع أوكرانيا. مقابل رفع الحكومة الأوكرانية تعليقاً لمدة 19 عاماً على بيع الأراضي الزراعية المملوكة للدولة، بعد الضغط المستمر من المؤسسات المالية الدولية.
وبالعودة إلى "إعلان لوغانو" لشهر يوليو من عام 2022، الذي تضمن كذلك وضع خطة لخصصة شركات تم تصنيفها بـ" غير الحيوية".
ومن ضمن الاقتراحات الموضوعة، بيع شركة الطاقة النووية المملوكة للدولة EneroAtom، كما دعت الخطة إلى خصخصة المصارف المملوكة للدولة.
هذا يأخذنا إلى "إصلاحات" مرتقبة على تدابير الحماية العمالية، والتي يعود بعضها إلى الحقبة السوفيتية. حيث اشتكت خطة مؤتمر تعافي أوكرانيا، مما أسمته بتشريعات عمل تؤدي إلى تعقيد عملية الفصل والتوظيف.
على سبيل المثال يتم منح العمال بأوكرانيا ممن لديهم خبرة عمل تتجاوز السنة، فترة إخطار لمدة 9 أسابيع، مقارنة بأربعة أسابيع في بولندا وكوريا الجنوبية.
وقدّم مؤتمر التعافي الأوكراني، تقريراً أعدته شركة "إيكونومست إمباكت"، وهي شركة استشارية تعدّ جزءاً من مجموعة الإيكونومست البريطانية، شجع تقرير الشركة الاستشارية على "زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة" من قبل الشركات الدولية، والكف عن استثمار الموارد في البرامج الاجتماعية التي تخدم الشعب الأوكراني.
وشدد التقرير كذلك على أهمية تطوير القطاع المالي، عبر خصخصة البنوك اللملوكة للدولة، أبرزها PrivatBank كما شددت الورقة على ضرورة تخفيض حصة الدولة في "أشاد بنك" الذي يعد من ضمن أكبر ثلاثة مصارف في البلاد، والذي يحتوي على أكبر إيداعات للمعاشات التقاعدية.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي