بقلم : نهى علي
تتوقع الكثير من التقارير، قرب حدوث انهيار مالي في الصين، باستناد تلك التقارير على انفجار محتمل لفقاعة العقارات، والديون المفرطة، وزيادة التكهنات حول تسارع تراجع الاقتصاد بسبب اتباع سياسة صفر- كوفيد، التي عرقلت حركة الاقتصاد بالكثير من المناطق. ثمّ هناك من يضيف إلى هذه الأسباب القيود المتزايدة على صادرات الصين واستثماراتها في الخارج التي تفرضها الولايات المتحدة.
بالاعتماد على ما تقدم، تتضارب البيانات حول حجم الاستثمار الأجنبي في الصين، إذا أخذنا بعين الاعتبار الجهات المختلفة التي تقوم بإصدار تلك الأرقام. فبينما تنشر الكثير من مراكز الأبحاث في أوروبا وأميركا، تقاريراً عن تراجع الشهية الاستثمارية للأجانب في السوق الصينية، تظهر بيانات بكين عكس ذلك. كبداية يجدر التذكير، أن الصين تعتبر الشريك التجاري الأول لـ130 دولة في العالم. حتى على مستوى القارة الأوروبية، التي تستورد من الصين ضعف ما تستورده من الولايات المتحدة من البضائع . كما أن اقتصاد الصين نما على مدارأربعة عقود، بما يقارب أربعة أضعاف ما سجله نمو الاقتصاد الأميركي. لكن وبحسب الإحصائيات الصادرة عن وزارة التجارة الصينية، بينت بالمقابل ارتفاع فعلي لرأس المال الأجنبي بنسبة تتجاوز 20% في النصف الأول من 2022، بالمقارنة مع نفس الفترة من 2021.
وبحسب آراء لخبراء اقتصاديين حول سبر طريقة التعامل مع أخبار الاقتصاد الصيني، في الأعوام الأخيرة، أوردت الاستطلاعات أن التركيز كان يختص، بالفترات التي تشهد تقلبات اقتصادية قصيرة الأجل أو أخبار سلبية. استخلصت تلك المقارنات نتائج لها علاقة بزيادة المبالغة في الحديث عن مغادرة رأس المال الأجنبي للصين . وصولاً إلى حدّ نشر بيانات بأن نصف رأس المال الأجنبي قد غادر الصين بالفعل.
هذا يأخذنا لتسليط الضوء على بعض الأرقام المتعلقة بحجم الاستثمار الأجنبي المباشرفي مجال صناعة التكنولوجيا الفائقة في الصين، الذي سجّل زيادة حادة على أساس سنوي بنسبة اقتربت من 46 % في الأشهر الأربعة الأولى من 2022 . تلك الأرقام صدرت من بلدان وجهت أموالاً إلى بكين. ففي مجال التكنولوجيا المتقدمة، ارتفعت الاستثمارات من كوريا الجنوبية بنسبة 76.3%، بينما ارتفعت الاستثمارات من الولايات المتحدة بنسبة 53%، ومن ألمانيا بنسبة تجاوزت الـ 80%.
وبحسب بيانات مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، توسّع الاستثمار الأجنبي المباشر في البر الرئيسي الصيني بنسبة قاربت 15% على أساس سنوي، ليصل لمستوى قياسي بلغ في عام 2021 نحو 179 مليار $ ، وذلك بالرغم من تباطؤ الانتعاش الاقتصادي العالمي.
فعلياً وفي السنوات الماضية، غادرت بعض الشركات الصين بسبب عوامل عديدة، منها ارتفاع تكاليف العمالة، لكنها قررت بعد ذلك العودة للبلد الآسيوي. حتّى أثناء تفاقم الوباء، قررت بعض الشركات الأجنبية زيادة استثماراتها . على سبيل المثال: أعلنت لوريال-عن تأسيس أول شركة استثمارية لها في الصين في شنغهاي. وتخطط كذلك لتوسيع قاعدة إنتاجها الموجودة بالفعل في إقليم جيانغسو شرقي البلاد. كما افتتحت شركة BMW الألمانية، مصنعا تكميليا لمنشأتها الموجودة في مقاطعة لياونينغ شمال شرق البلاد.
وبالعودة إلى بيانات صندوق النقد الدولي، الذي أصدر توقعات تتعلق بالناتج المحلي الإجمالي بمعادل القوة الشرائية، والتي رجح فيها أن القوة الشرائية للصين ستتجاوز الولايات المتحدة ب8 تريليونات دولار في عام 2025. هذا يأخذنا لمنحى جديد لقياس مكامن قوة الاقتصاد الصيني، بالمقارنة مع اقتصاد مصنف هو الأكبر بالعالم. وعليه بدأت الأصوات تتزايد لجهة اختيار أساليب أخرى لقياس قوة الاقتصادات، التي تعتمد على مبادئ القوة الشرائية وطريقة الاستهلاك وحسابات التضخم. لأن التركيز فقط على وجهة نظر الناتج المحلي الإجمالي، القائمة على السلع والخدمات، قد يكون ناقصاً، بدون إعطاء إحاطة كاملة بمشهد الاستهلاك وتضخم الأسعار وتغطية الإنتاج المحلي لطلبات السوق. لذلك قد يظهر إغفال مؤشر الناتج المحلي الإجمالي المستند على القوة الشرائية، خللاً في فهم الصورة الإجمالية.
ففي بداية القرن الحالي، كانت فجوة الدخل السنوي للمواطن الأميركي مع نظيره الصيني، بحدود 36 مرة، أي 36 ألف دولار مقابل ألف $. بحيث يبدو متوسط إنفاق الصينيين متواضعاً للغاية، مما يصعب معه تشكيل قوة دافعة لنمو الاقتصاد المعتمد بشكل رئيسي على التصدير. على عكس الاقتصاد الأميركي الذي يعتمد في ثلثيه على إنفاق المستهلكين محلياً. اليوم الصين تزود العالم بحوالي 28% من احتياجاته الاستهلاكية.
رغم ذلك بقيت التقارير والدراسات القادمة خصوصا من أميركا، تكرس على زواية المداخيل المتواضعة للصينيين، رغم ظهور شريحة الطبقة الوسطى السخية في الإنفاق والاستهلاك، التي تزيد عن 300 مليون شخص. ذلك بطبيعة الحال جرّ معه تغيراً واضحاً في الدخل الذي تضاعف 10 مرات مقابل مرة واحدة للفرد في أميركا منذ منتصف التسعينيات. مع الأخذ بالاعتبار ثقافة الاستهلاك وتكاليف المعيشة، والبرامج الاجتماعية التي توفرها الحكومة في الصحة والتعليم. أما على مستوى جاذبية بيئة الاستثمار،أصدر المجلس الصيني لتعزيز التجارة الدولية نتائج استطلاعات لشركات أجنبية، أظهر أنّ أكثر من 50% من الشركات الأجنبية التي شملها الاستطلاع، ما زالت تعتبر الصين أكبر هدف استثماري في العالم. في الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى أبريل/ نيسان من 2022 ، حيث شهدت الصين إطلاق 185 مشروعاً رئيسياً حديثاً، بمتوسط يصل إلى 100 مليون $ كاستثمار أجنبي لكل مشروع، أي بمعدل مشروع ونصف يوميا مموّل أجنبياً .
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي