
مازن سلهب
المؤسس والمدير التنفيذي - ماس للاستشارات
من المهم القول أننا قد لا نملك القدرة أو الوسيلة للوصول إلى البيانات والأرقام الاقتصادية الصينية كما تفعل القيادة الصينية وصناع السياسة النقدية والاقتصادية فيها. إن القرار الهام للقيادة الصينية بتحويل الاقتصاد من التصنيع والاعتماد على الصادرات إلى الخدمات والاستهلاك الداخلي يحمل مضامين سياسية واقتصادية، مع سرعة نمو الاقتصاد الصيني خلال العقدين الأخيرين وناتج محلي يصل حالياً إلى 17.7$ تريليون (كان 11$ تريليون وقت كتابة المقال في 2015) تضعه في المرتبة الثانية خلف الولايات المتحدة الأميركية (ناتجها المحلي الإجمالي يصل إلى 26$ تريليون بينما كان 17$ تريليون في ذلك الوقت)، إضافة إلى ظهور أكبر طبقة وسطى صينية في تاريخ العالم المعاصر مع ارتفاع مستويات الثروة والتعليم والإنفاق الداخلي.
إن الصين المحكومة سياسياً بنظام الحزب الواحد كانت قد اتخذت قراراً تاريخيًا منذ ثلاثة عقود بتحرير الاقتصاد وجعله خاضعاً لشروط السوق الحرة والعرض والطلب، هذه السياسة التي بلا شك حققت النجاح الهائل للصين، حيث انفتح الاقتصاد الصيني على العالم، وكانت مستويات اليوان الضعيفة ورخص اليد العاملة سبباً هاماً في قدرة المنتجات الصينية على المنافسة العالمية، بيد أن الناحية السياسية بقيت مستقرة وبلا تغيير ولا يتوقع لها أن تتغير في المستقبل المنظور.
بالعودة إلى النقطة الأولى إن تغيير أساسيات نمو الاقتصاد الصيني يفرض بلا شك تحديات جديدة، ولكن نعتقد أن الصين قد تكون قاب قوسين أو أدنى من قرار قد لا يكون صحيحًا أو على أقل تقدير في غير مكانه بمعايير الاقتصاد الحقيقية والأساسية.
إن قوة أي اقتصاد في العالم هي بقدرة أي اقتصاد على خلق انسجام بين جميع القطاعات الحقيقية، الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات وهي التي تشكل عصب الاقتصاد الحقيقي الأساسي. إن الاعتماد على الاستهلاك وقطاع الخدمات سيجعل الاقتصاد الصيني هشاً أمام الأزمات، كما أنه قد يرفع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية تسبب فقاعة تهدد الاقتصاد بكافة مكوناته (هذا ما يحدث حالياً في العقارات الصينية).
قد تعتبر الحكومة الصينية أن هذه الطريقة ستجنبها مخاطر الاقتصاد العالمي وتراجع مستويات الطلب إضافةً إلى الاعتماد على العالم الخارجي في رفع مستويات الصادرات وهذا بلا شك كلام منطقي، لكن هل بإمكان الحكومة الصينية ضمان تحقيق معدلات نمو داخلية قوية؟ هل بإمكانها ضمان أن ترتفع مستويات الإنفاق والاستهلاك الداخلي للمواطن الصيني الذي تختلف عقليته وتفكيره عن الأميركي مثلاً؟
إن ما تقوم به الصين حالياً هو إعادة نسخ التجربة الأميركية والتي قد لا تكون مثالاً جيداً في كافة القطاعات، خاصةً أن هذه الطريقة الأميركية رفعت مستويات الدين الأميركي إلى مستويات تاريخية عند أكثر من 31$ تريليون تشكل 120% من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا، (كان 18$ تريليون بما يشكل 102% من الناتج المحلي الإجمالي في 2015)، بينما تعتبر الصين أكبر حاملة للديون الأميركية بقيمة 1.3$ تريليون من سندات الخزينة الأميركية.
بالمناسبة تشكل الديون الصينية ما نسبته 77% من الناتج المحلي الإجمالي للصين وفقاً لأرقام 2022 من صندوق النقد الدولي، ولمن يدرس هذه الأرقام يعرف أنها أرقام هي الأعلى تاريخياً حيث يلزم الصين حالياً إعادة تعريف دورها العالمي سياسياً واقتصادياً لأنه لا يمكن المقارنة بكيف تدير أميركا ديونها وسطوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية ومرونة نظامها، وبين الإدارة الصينية الشيوعية.
نحن هنا لا نفترض أن الصين ستخسر أو أنها إدارة غير ناجحة بل ننظر إلى مستويات عالية من المخاطر قد تدفع بالأسهم الصينية إلى مزيد من التراجع ومزيد من التدخل الحكومي الذي يرسل رسائل متناقضة للمستثمرين الدوليين ويعقد من دوران رأس المال والاستثمارات المباشرة في ثاني أضخم اقتصاد في العالم مع تصاعد الصراع الحقيقي مع أميركا، لإدارة شرق آسيا خصوصاً والعالم عموماً مع قناعتنا أن الصين تركز على الجانب المالي والاقتصادي أكثر من السياسي، حيث تسيطر الصين حالياً على سوق ضخم في أفريقيا من خلال تقديم ديون لدولها، هذه القارة التي يبدو أنها ستكون باباً آخر للصراع مع أميركا.
إننا نعتقد أن مكونات الاقتصاد الصيني الحقيقة حالياً تتيح لهذا الاقتصاد أن يكون الأول عالمياً من حيث الإنتاجية والنوعية دون تغيير حقيقي في آليات بناء النمو التي بدأت فيها الصين حالياً.
إن الاستثمار الحقيقي يكون في الاستثمار في الطاقات المتجددة “علوم الطاقة” وبناء يد عاملة خبيرة متقدمة وقوانين جديدة للضرائب وتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة العملاقة التي تكبر يوماً بعد يوم في الصين إضافةً لمعضلة التلوث التي تشكل تهديداً حقيقياً لحياة السكان وبيئة الأعمال على حد سواء. قد تكون شركة علي بابا، الشركة الصينية العملاقة للتسوق الإلكتروني والمدرجة في وول ستريت مثالاً واضحاً عن ضخامة النمو في القطاع الاستهلاكي، خاصة بعد أن أدرجت أسهمها في وول ستريت بقيمة وصلت إلى 25$ مليار ليكون الاكتتاب الأكبر في التاريخ، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة الأميركية الصين أكبر تحدٍ لها حالياً سياسياً واقتصاديا وليس روسيا كما يعتقد الكثير (كان ذلك من قبل وما زال).
ستكون الصين أمام مفترق طرق خلال العقد القادم خاصة أن الصين في طريقها للتفوق على الولايات المتحدة الأميركية كأكبر اقتصاد في العالم وزيادة دخول اليوان كعملة رئيسية في عملات التسويات (دخل اليوان كعملة تسويات لدى صندوق النقد الدولي منذ تشرين الأول أكتوبر 2016).
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي