بقلم:
لبنى فواز
مديرة التحرير في CNBC عربية
مع صرخة: "تشارلي، توقف عن عضّ إصبعي" في العام 2007 شهدنا أولى ملامح عصر الفيديوهات الأيقونيّة التي انتشرت بشكل هستيريّ خلال أيّام قليلة!
فيديو الأخوين البريطانيّين حظي بما يزيد على 890 مليون مشاهدة على منصّة يوتيوب قبل أن تبيعه العائلة لاحقاً كرمز غير قابل للاستخدام NFT مقابل 760 ألف دولار أميركيّ.

الملفت أنّ كثيراً من الفيديوهات التي لاقت تفاعلاً هائلاً من الجمهور خلال السنوات العشرين الماضية كانت في غاية البساطة، مضموناً وإخراجاً، ولم تعتمد عنصر الإبهار كشرط رئيسيّ. تمّ نشرها بتلقائيّة شديدة ثمّ وجدت طريقها إلى قلوب المتابعين.
لكنّ تسارع التطور التكنولوجيّ في السنوات الأخيرة قدّم فرص نموّ هائلة للمؤسّسات الإعلاميّة التي تتسابق اليوم على استخدام أحدث أدوات الذكاء الاصطناعيّ وإعلان دخولها عالم الميتافيرس، وإن بدت جدوى الأمر غير واضحة حتّى الساعة. ويبدو عامل الإبهار البصريّ حاليّاً كعنصر أساسيّ في أيّ إنتاج إعلاميّ إن كان على التلفزيون (الذي بات يتمّ التعامل معه كأنّه شرّ لا بدّ منه) أو على المنصّات الرقميّة التي باتت تحوز على كلّ الاهتمام وتحظى بنصيب الأسد من الاستثمار والضخّ التمويليّ.
ومن البديهي أنّ تركيز المؤسّسات الإعلاميّة اليوم لم يعد على مجرّد إنتاج مضمون مهنيّ وراقٍ ومسؤول، فالتحدّي الأساس بات في إنتاج المضمون الصحيح والملائم لكلّ منصّة وجمهورها. وبالتالي لا بدّ من تبنّي نهج متوازن بحيث تدعم التكنولوجيا تقديم مضمون بجودة أعلى وبتأثير وفعاليّة أكبر، مع قدرة على تحليل البيانات بما يخدم توجيه هذا المضمون وانتشاره بشكل أسرع ولشريحة أوسع.
لكنّ الاستثمار في التكنولوجيا لا يجب أن يمنع المؤسّسات الإعلاميّة من مواصلة الاستثمار في الكفاءات البشريّة.
معهد "رويترز" للدراسات الصحفيّة وجد مثلاً في دراسة له أنّ المؤسّسات الإعلاميّة التي استثمرت في كفاءة موظّفيها وحرصت على رواية القصّة بكلّ أبعادها الإنسانيّة هي التي حازت على العلاقة التفاعليّة وعامل الثقة مع جمهورها.
في المقابل فإنّ دراسة صادرة عن "ديلويت" خلصت إلى أنّ المؤسّسات الإعلاميّة التي توسّعت باستثمارها التكنولوجيّ استطاعت دعم المضمون الذي تقدّمه عبر إيصاله لشريحة أكبر ونجحت في اختبار "تجربة المستخدم" User Experience أو "تجربة المشاهد" Viewer Experience.
وبالتالي من الواضح أنّ الاستثمار في التكنولوجيا سينجح كعاملٍ مساعد وليس كبديل. فالخلطة السرّيّة للوصول لقلوب المتابعين لا بدّ أن تكون في رواية القصّة بكلّ أبعادها بدلاً من إقحام عنصر الإبهار لمجرّد الإبهار. المطلوب هو أن تجد هذه القصّة صداها لدى المتابعين فيشعرون بأنّها تعنيهم وتهمّهم وبالتالي سيرتبطون بها وبمن يقدّمها. من الصعب أحيانا التنبؤ في المادة التي ستنجح أو تلك التي ستخفق لكن المتابع سيعود دائما الى مصدر يصدقه ويثق به. رأينا ذلك مع تجربة انتشار وباء كورونا على سبيل المثال، ومع مخاطر انفجار أزمة البنوك الأميركيّة، وفي كلّ أزمة يبحث الناس فيها عن فهم الأسباب والتداعيات من المختصّين عبر شرح وافٍ وسهل من دون تخويف أو تضليل أو مبالغة.
لكن يبقى التحدّي الذي تواجهه وسائل الإعلام أكبر من أيّ وقت مضى. إذ يواصل منتجو الأخبار سعيهم للحفاظ على فئة المتابعين الحاليّين وجذب متابعين جدد، كما يجهدون للنجاح في المنافسة المحتدمة مع وسائل التواصل الاجتماعيّ والمنصّات الرقميّة فيقدّمون، مثلها، فيديوهاتٍ جذابة وسريعة وقصيرة.
لكنهم في الوقت نفسه يجدون أنفسهم بين حالة متزايدة وملحوظة من "التعب الإخباريّ" إذ ينصرف المتابعون عن الأخبار الجادّة ويفضّلون الأمور الأقلّ حدّة التي لا تسبّب لهم إرباكاً أو قلقاً، وبين تفضيل فئة كبيرة من الشباب حول العالم لألعاب الفيديو أكثر من توجّههم لوسائل الإعلام سواءً التقليدية أو الجديدة.
والخيار الذي تنتهجه معظم المؤسسات الإعلامية في معركة البقاء هذه هو: القيام بكلّ شيء دفعة واحدة! والتجربة، التجربة، التجربة... علّ إحدى هذه المحاولات ستفوز برضى الجمهور...
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي