السياحة المفرطة.. عندما تتحول النعمة إلى نقمة

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

بقلم ندى عبد السلام

مراقبة أسواق/ مراسلة في CNBC عربية

دوام الحال من المحال، فلا شيء يثبت على ما هو عليه مهما طال الأمد، وأياً ما كان بشراً أو جماداً أو حتى قطاعاً اقتصادياً كالسياحة -محل حديثنا هنا.

هذا القطاع، الذي أدخلته جائحة COVID-19 العناية المركزة لأكثر من سنتين، يبدو وبالأرقام أنه في طريقه لاستعادة حالة الرواج والانتعاش، بل وأكثر.

فبحسب بيانات صادرة عن منظمة السياحة العالمية، سافر أكثر من 900 مليون سائح عام 2022، أي ضعف العدد المسجل في 2021. ورغم هذه الأرقام المتضاعفة، إلا أن السياحة الدولية وصلت العام الماضي إلى حوالي 63 % فقط من مستويات ما قبل الجائحة.

وزادت نسب التعافي وارتفاع أعداد السياح مقابل أعداد ما قبل الجائحة، كالتالي:

-منطقة الشرق الأوسط: 83%

-آسيا والمحيط الهادئ: 23%

وقبيل هذا التعافي وتحديداً في يونيو حزيران 2021، قالت منظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة-UNCTAD، إن تأثير الجائحة على السياحة وجمود حركة القطاع قد يؤدي إلى خسارة ما يزيد عن 4 تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي. واستند تقرير المنظمة على تقدير الخسائر الناتجة عن التأثير المباشر للجائحة على السياحة والتأثير المضاعف على القطاعات المرتبطة.

ووفقاً للتقرير أيضاً، فإن الانخفاض الحاد في عدد السياح الوافدين في جميع أنحاء العالم في 2020 أدى إلى خسارة اقتصادية بلغت نحو 2.4 تريليون دولار.

لكن كيف تمضي حركة السياحة عالمياً في 2023؟

منتصف شهر يناير كانون الثاني الماضي، توقعت منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أن يقترب عدد السياح الدوليين الوافدين عام 2023 من مستويات ما قبل الجائحة، حيث من المتوقع أن تعود السياحة في الشرق الأوسط وأوروبا إلى طبيعتها.

ومع نمو عدد السياح، تشير التوقعات لتسجيل زيادات في العائدات عبر مختلف الوجهات. والأسباب يرجعها البعض إما لزيادة متوسط الإنفاق لكل رحلة، أو لاستعداد المسافرين للإنفاق بشكل أكبر، أو حتى لارتفاع تكاليف السفر مع معدلات التضخم الحالية.

انتعاش حركة السفر تتسبب في "السياحة المفرطة"

لكن ومع الحركة السياحية المنتعشة حالياً والتوقعات المستقبلية المتفائلة، فإن للصورة وجهاً آخر عابساً، إذ بات ملاحظاً أن نمو الحركة السياحية قد تعجز بعض الوجهات على استيعابه ما قد يخلق ازدحاماً أو فقدان السائح والسكان المحليين -على حد سواء- للراحة، وهذا ينتج ما بات يعرف في السنوات الأخيرة بـ "السياحة المفرطة" ويمد يدها لوجهات أكثر.

فكيف تحدث "السياحة المفرطة"؟..بشكل رئيسي تحدث عندما يزداد عدد الزوار إلى وجهة ما أو أماكن بعينها داخل هذه الوجهة، ويحدث هذا بشكل سريع وخلال فترة قصيرة من الزمن. كما أنها تنتشر بشكل كبير في وجهات يتشارك فيها الزوار والسكان المحليون نفس المكان.

في 2023.. ما الوجهات التي تشكو السياحة المفرطة؟

Venice الإيطالية:

اليونسكو كانت قد أوصت أو نستطيع القول بأنها هددت بإدراج البندقية على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، وذلك بسبب تدفق السياح إضافة لتأثيرات الاحترار المناخي، وهو ما يهدد بإحداث تغييرات نهائية لقيمة ممتلكات المدينة.

وكانت اليونسكو أدرجت البندقية عام 1987 على قائمة التراث العالمي باعتبارها تحفة معمارية استثنائية، لكنها حذرت من ضرورة اعتماد إدارة سياحية أكثر استدامة لها.

وتشير بيانات إلى أن نحو 3.2 ملايين سائح باتوا ليلتهم في الوسط التاريخي للمدينة خلال 2022، في رقم لا يشمل آلاف الزوار اليوميين الذين يزورونها نهاراً فقط.

Bruges البلجيكية:

بروج، الواقعة في غرب بلجيكا، والمدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو أيضا، يبلغ عدد سكانها 119 ألف نسمة، وتستقطب نحو 8 ملايين زائر كل عام، معظمهم يأتون خلال الصيف ولا تستمر زياراتهم لأكثر من يوم واحد في كثير من الأحيان.

وضمن سبل إيجاد حل للسياحة المفرطة التي تثير استياء سكانها، اعتمدت المدينة الصغيرة في عام 2019 استراتيجية مدتها خمس سنوات لتشجيع السياحة النوعية ودفع زائريها لاستكشاف المنطقة المحيطة.

 

Hallstatt النمساوية:

تحظى المدينة بشهرة لدى محبي التقاط صور الـ Selfie لتشابهها مع القرية التي صورت فيها سلسلة أفلام Frozen، ما دفع المسئولين لإقامة حاجزا خشبيا لحجب المنظر المطل على جبال الألب، وذلك في مسعى للحد من تدفق السياح والاستجابة لشكاوى السكان.

وكانت هالشتات، تستقطب نحو 1 مليون زائر سنويا قبل جائحة COVID-19.

هل يمكن تقييد "السياحة المفرطة"؟

رغم أن كلا من الدول والأفراد المحليين يدركون جيداً الآثار الإيجابية لتدفق الزائرين على صعيد الاقتصاد، والنمو، والمساهمة في جلب الإيرادات، ناهيك عن توفير فرص عمل، ورواج لقطاعات مكملة، فإن البعض منهم يطالب بخفض أعداد السياح حفاظا على مكانهم نقياً ونظيفاً ومريحاً، وهو الأمر الذي دفع أيضاً بعض الدول لاتخاذ قرارات قد تساعد على الحد من السياحة المفرطة.

ويري خبراء أن الحلول، في حقيقة الأمر، متاحة ومتعددة وقابلة للتطبيق، منها الحظر الكامل للرحلات السياحية لفترة ما مثلا أو خيار التنظيم -وهو المفضل والحل الوسط وفق البعض- وقد يشمل هذا الحل فكرة نظام الحجز المسبق لزيارة الأماكن أو وضع حد أقصى لعدد زوار الوجهة السياحية، وما بين هذا وذاك يرى البعض أن زيادة أماكن الجذب قد تكون حلاً في توزيع الأعداد أو رفع الأسعار.

وإلى جانب ما سبق، ظهر مصطلح Demarketing والذي يعتمد باختصار على النصح بعدم زيارة وجهة معينة في توقيتات محددة بسبب تدفق الأعداد.

ما الوجهات التي أغلقت أبوابها من قبل في وجه السائحين؟

نهاية أبريل نيسان 2018، أغلقت الفلبين أشهر الجزر السياحية لديها لمدة 6 أشهر بعدما حولتها السياحة إلى "حفرة للصرف الصحي" وفق وصف الرئيس السابق، رودريغو دوتيرتي.

في مايو أيار 2019، تم مد إغلاق خليج مايا التايلاندي لمدة عامين آخرين للسماح للشعاب المرجانية والحياة البرية فيه بالتعافي الكامل.

تشبع بعض المواقع السياحية..هل يسهم في ظهور وجهات جديدة؟

بلا أدنى شك، فإن حركة السياحة عالمياً تتغير، حيث تعمل شركات سياحية على تثقيف السياح وتشجيع عملائها على استكشاف وجهات جديدة لزيارة أماكن غير تقليدية أو المجيء في توقيتات لا تتزامن مع الطلب المرتفع.. كما وتتيح المواقع الالكترونية خيارات عدة حسب نوع الرحلة وليس الوجهة.

لكن سواء كنا نتحدث عن الوجهات التي تشهد اكتظاظاً سياحياً أو تلك التي تعمل جاهدة لزيادة أعداد السائحين، يبدو أنه بات لزاماً إعادة النظر في هذه الخطط ووضع عامل جديد عين الاعتبار وضمن المعادلة، وهو زيادة حدة وتأثيرات التغيرات المناخية، والتي طالت خلال العام الحالي مثلاً كثيراً من الوجهات كاليونان، وإلى أي مدى قد تعيد التغييرات المناخية هي الأخرى رسم الخريطة السياحية؟

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة