يخطو المغرب بخطى ثابتة ومدروسة لتعزيز الطفرة التي يحققها القطاع السياحي، والبناء على ما تم إنجازه خلال العام الجاري، بالاعتماد على استراتيجية طموحة لمضاعفة أعداد السائحين في أفق العام 2030.
في العشرة أشهر المنقضية من العام الجاري 2023، سجل المغرب ارتفاعاً على أساس سنوي في معدلات السياحة الوافدة بنسبة 39%، طبقاً للبيانات التي أعلنتها وزارة السياحة.
بلغ عدد السائحين ما يصل إلى 12.3 مليون سائح منذ بداية العام وحتى نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الثاني، وهو الشهر الذي شهد توافد 1.2 مليون سائح بزيادة 3% عن نظيره في العام 2022، ورغم ما تشهده البلاد من ضغوطات بعد زلزال الحوز الذي ضرب المغرب في سبتمبر/ أيلول الماضي، مخلفاً جملة من الخسائر البشرية والمادية.
وطبقاً للمستهدفات التي كشفت عنها وزيرة السياحة المغربية، فاطمة الزهراء عمور، فإن المغرب يتطلع إلى الوصول لـ 14 مليون سائح بنهاية العام الجاري 2023. وذلك مقابل 11 مليون سائح زاروا البلاد العام الماضي، وفق بيانات سابقة أعلنت عنها الحكومة المغربية في يناير/ كانون الثاني 2023.
وتتبنى الحكومة المغربية استراتيجية ترويج سياحي هادفة إلى تنويع الأسواق المصدرة للسائحين. وتستهدف في الوقت نفسه الوصول إلى 26 مليون سائح سنوياً في أفق العام 2030.
تدعم تحقيق ذلك الهدف استضافة المغرب لكأس العالم لكرة القدم في العام 2030 بمشاركة كل من إسبانيا والبرتغال، وبما يشكل دفعة قوية لقطاع السياحة في البلاد، والذي يسهم بحوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي.
من جانبه، يقول رئيس المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة في المغرب، رشيد ساري، في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية، إن معظم التقديرات السابقة لما بعد فترة جائحة كورونا كانت تشير إلى احتمالات استعادة قطاع السياحة العالمي أوجه في أفق العام 2024، مشيراً إلى أن بلاده شهدت في العام الماضي 2022 اتساعاً للأنشطة السياحية بشكل تدريجي بنسبة تصل إلى 85% (..).
ويعزي الاقتصادي المغربي ذلك إلى ثلاثة عوامل أساسية؛ وهي (الجهود والمبادرات الرسمية من جانب الحكومة المغربية، والتطور الرقمي والتكنولوجي، إضافة إلى تأثير تألق منتخب المغرب لكرة القدم في كأس العالم قطر 2022).
وفيما يخص المحور الأول، يلفت الساري إلى مجموعة من المبادرات؛ من بينها حملة "المغرب أرض الأنوار" وهي الحملة التي تم إطلاقها في أبريل/ نيسان من العام الماضي، من جانب المكتب الوطني المغربي؛ بهدف الارتقاء بالقطاع والترويج للمغرب بين الوجهات السياحية المختلفة. ووضع المغرب على أجندته مجموعة من الدول سوف يتم التعاون معها في هذا السياق.
ولا تقتصر تلك المبادرات على صعيد قطاع دون الآخر ، ذلك أن ثمة تنوعاً ليس فقط في الفندقة والمطاعم، لكن تضاف إلى ذلك مجموعة متنوعة من البرامج الترفيهية والسياحة الجبلية والرياضية وغير ذلك، وفق الساري الذي يلفت في الوقت نفسه إلى خارطة طريق وضعها المغرب فيما يخص القطاع السياحي، بغرض الوصول إلى 17.5 مليون سائح في أفق العام 2026، وعبر ميزانية مخصصة للقطاع بلغت أكثر من 6 مليارات درهم، خلال الفترة من 2023 وحتى العام 2026.
تُسهم تلك الاستراتيجية المغربية في رفع العائدات السياحية للوصول إلى أكثر من 12 مليار دولار، كما يقول الخبير الاقتصادي المغربي، والذي يشير إلى أنها تساعد كذلك على إضافة المزيد من فرص الشغل، بحدود 120 ألف فرصة عمل مباشرة، و80 ألف غير مباشرة.
ويضيف: "إلى جانب الجهود والمبادرات الحكومية، فإن مشاركة المغرب في كأس العالم لكرة القدم، أعطته إشعاعاً كبيراً، علاوة على ذلك لا ننسى عامل الرقمنة والتطور التكنولوجي، والذي منح وكالات السفر حول العالم لإجراء حجوزات عبر الطرق والوسائل الرقمية المختلفة".
وطبقاً للبيانات التي أعلنت عنها وزيرة السياحة المغربية، مطلع شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، أمام مجلس النواب، خلال استعراضها الميزانية الفرعية لوزارتها، فإن ثمة خططاً طموحة تسعى الوزارة لتنفيذها، تتضمن إنشاء 10 مكاتب جديدة من جانب المكتب الوطني المغربي للسياحة، في الخارج، بهدف استقطاب شركاء جدد.
وعلى رادار الخطة الاستراتيجية إنشاء 152 مشروعاً جديداً في القطاع، وذلك باستثمارات تصل إلى 367 مليون درهم.
ويشار إلى أنه خلال النصف الأول من العام الجاري، سجل القطاع السياحي المغربي إيرادات "قياسية"، بقيمة 47.8 مليار درهم (4.8 مليار دولار)، وهو ما يمثل زيادة نسبتها 69% عن النصف المقابل في العام الماضي، و43% عن النصف الأول من عام ما قبل جائحة كورونا.
يقول مدير مرصد العمل الحكومي في المغرب، محمد جدري، في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية، إنه "من المتوقع أن يصل المغرب إلى 14 مليون سائح مع نهاية العام"، موضحاً أنه "حتى الآن تم الوصول إلى معدل 12 مليون سائح بنهاية شهر أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي".
هذه الانتعاشة مردها عديد من العوامل الأساسية؛ في مقدمتها ما يتعلق بالدعم الذي قدمته الحكومة المغربية للقطاع السياحي إبان جائحة كورونا، وهو الدعم الذي تواصل على مدار عامين للعاملين بالقطاع، علاوة على مجموعة من المنح من أجل الاستثمار في قطاعات الفنادق والنقل السياحي والمطاعم والمقاهي، ما جعل المقاولات السياحية تستعيد عافيتها، وفق الخبير الاقتصادي.
اقرأ أيضاً: باستثمارات 1.57 مليار دولار.. المغرب يتجه لشراء 168 قطاراً
بلغ إجمالي الدعم الذي قدمته الحكومة المغربية للقطاع السياحي حوالي 2 مليار درهم في العام الماضي، بهدف التغلب على ارتدادات وتبعات جائحة كورونا.
كذلك اعتمدت الحكومة في شهر مارس/ آذار الماضي، ما وصف بـ "خارطة طريق جديدة للقطاع" تتضمن مستهدفات طموحة بين 2023 و2026، بميزانية قُدرت بـ 6.1 مليار درهم، تستهدف زيادة عدد السائحين إلى 17.5 مليون سائح في أفق 2026.
يضيف جدري إلى العوامل الرئيسية التي أسهمت في انتعاش القطاع السياحي في المغرب، استفادته من "الموجة التضخمية الحالية" التي يشهدها العالم؛ باعتبار أن المغرب أصبح الوجهة الأكثر تنافسية مقارنة بعديد من الوجهات السياحية الأخرى، خصوصاً الوجهات الأوروبية (في إشارة للعوامل المرتبطة بالأسعار).
الأمر الثالث الذي عزز الطفرة الراهنة بالقطاع، هو ما يتعلق بتنظيم المغرب عديد من اللقاءات والمؤتمرات الدولية، وكذا الاستفادة من "تألق المغرب في المونديال"، وبما أسهم في التسويق للوجهة المغربية.
ويستطرد جدري، في معرض حديثه مع CNBC عربية، قائلاً: "ولا ننسى المجهود الكبير لوزارة السياحة والمكتب الوطني للسياحة، لجهة التسويق للمغرب لدى الشركاء التقليديين وغير التقليديين".
هذه الأمور مجتمعة تدعم المغرب من أجل الوصول للهدف المتوسط عند 17 مليون سائح مع نهاية العام 2026، لكن "يتعين مواصلة العمل فيما يخص جذب الاستثمارات السياحية، واستغلال اللقاءات العالمية مثل كأس الأمم الأفريقية 2025 ومونديال 2030"، وفق الخبير الاقتصادي الذي يشير بموازاة ذلك إلى تعزيز الخطوط الملكية المغربية، وكذلك كبريات الشركات الدولية في مجال النقل الجوي والفندقة، وكثير من الاستثمارات التي سوف تأتي المغرب للاستثمار في قطاعات عديدة".
ويختتم جدري حديثه بالإشارة إلى أنه "إن واصل المغرب المسيرة في هذا السياق، فسوف يصل إلى الهدف المبتغى عند 26 مليون سائح في أفق العام 2030، وبما لذلك من انعكاسات على اقتصاد البلاد لجهة خلق قيمة مضافة ومجموعة من فرص الشغل للشباب والشابات في البلاد، بالإضافة إلى تعبئة مجموعة من الموارد بالعملة الصعبة، التي يعد اقتصاد البلاد في أمس الحاجة إليها".
في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني، أكد البنك الدولي، في تقرير له، أن " الاقتصاد المغربي أصبح أكثر قدرة على الصمود"، مشيراً إلى تقدرات النمو الاقتصادي البالغة 2.8% خلال العام الجاري، بدفع من التعافي الجزئي للإنتاج الفلاحي (الزراعي) والخدمات وصافي الصادرات، بعد التباطؤ الحاد الذي شهده العام الماضي.
ومن المتوقع أن يتعزز هذا التعافي في المدى المتوسط، وأن يصل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي إلى 3.1% في 2024، و3.3% في 2025، و3.5% في 2026، مع تعافي الطلب المحلي تدريجيًا من الصدمات الأخيرة. ويشير التقرير إلى انخفاض التضخم بمقدار النصف بين فبراير/شباط وأغسطس/آب 2023، مع أن تضخم أسعار الغذاء لا يزال مرتفعًا، ويؤثر بشكل غير متناسب على الأسر الفقيرة.
اقرأ أيضاً: البطالة في المغرب ترتفع إلى 13.5% بالربع الثالث مقابل 11.4% خلال نفس الفترة من 2022
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي