يشكل التعافي الاقتصادي غير المتكافئ في المملكة المتحدة أحد أهم الاختبارات للفائز في الانتخابات البرلمانية التي انطلقت الخميس 4 يوليو/ تموز، وذلك بعد أن جاء التعافي الاقتصادي في المملكة المتحدة بعد وباء كوفيد- 19 مدعوماً بنشاط قطاعات الخدمات المهنية وتكنولوجيا المعلومات، بينما يعاني تجار التجزئة والعديد من الشركات المصنعة.
ومع التوقعات على نطاق واسع بفوز حزب العمال في الانتخابات البرلمانية في بريطانيا، من المتوقع بالتالي أن يرث الحزب وضع الطبيعة غير المتكافئة للانتعاش الاقتصادي في البلاد.
ارتفع النشاط الاقتصادي لدى المستشارين والمحاسبين والمبرمجين بأكثر من 10% منذ الربع الأخير من العام 2019، وفقاً لتحليل صحيفة فايننشال تايمز للبيانات التي نشرها مكتب الإحصاءات الوطنية. وفي الفترة نفسها، سجل تجار التجزئة انخفاضاً بنسبة 4.4% في الإنتاج.
وسجلت صناعة المواد الكيميائية، التي تضررت بشدة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وارتفاع تكاليف الطاقة، انخفاضاً كبيراً بنسبة 25% في الإنتاج، بحسب الصحيفة.
قال الاقتصادي البريطاني في شركة Oxford Economics الاستشارية، أندرو جودوين، إن قطاعات مثل الاستشارات والبرمجيات كانت "ذات أداء متميز" قبل ظهور كوفيد - 19، كما أنها أثبتت مرونتها أثناء فترة الوباء بسبب العمل عن بعد، من بين أنشطة أخرى.
ومع توقع استطلاعات الرأي أن يضمن حزب العمال أغلبية كبيرة خلال انتخابات الخميس، قال جودوين إن السؤال الذي يواجه الفائز في الانتخابات العامة هو كيفية التوسع في التعافي الاقتصادي ليتضمن الأنشطة الأخرى.
وأضاف: "نحن بحاجة إلى تعزيز النمو الأكثر استدامة على المدى المتوسط عبر مجموعة واسعة من القطاعات". "يكمن التحدي في تحقيق إصلاحات في جانب العرض يكون لها تأثير ملموس في وقت مبكر بما فيه الكفاية".
اقرأ أيضاً: ما خطط العمال والمحافظين للتعامل مع القضايا الاقتصادية في بريطانيا؟
إلى ذلك، تعهد حزب العمال خلال الحملة الانتخابية باستعادة النمو في المملكة المتحدة إلى أعلى المستويات في مجموعة السبع للاقتصادات المتقدمة من خلال إطلاق العنان للاستثمارات الخاصة، وتفعيل "شراكة جديدة" مع قطاع الأعمال.
سيكون الانتعاش الاقتصادي ضرورياً لحزب العمال لتحقيق أهدافه المتمثلة في زيادة الإيرادات الحكومية، مع تجنب المزيد من الزيادات الضريبية أو تخفيضات الإنفاق العام.
تشير الحظوظ الاقتصادية المتباينة للقطاعات إلى أن هذه المهمة لن تكون سهلة على أي حال. فالناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة ارتفع بنسبة 1.8% فقط منذ الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2019، وفقاً لمكتب الإحصاءات الوطني، وهو ما يعد ثاني أبطأ رقم بين اقتصادات مجموعة السبع.
ويأتي هذا الرقم بعيداً عند المقارنة مع نمو بنسبة 8.6% في الولايات المتحدة، على الرغم من تسجيل اقتصاد المملكة المتحدة أسرع نمو له خلال عامين في الربع الأول من عام 2024.
وفي حين ازدهرت بعض أنشطة الاقتصاد، وخاصة في قطاعات الخدمات وشركات البرمجيات، فإن الشركات التي تتعامل مع المستهلك بدأت مؤخراً في مرحلة الانتعاش، وبعض أنشطة التصنيع لا تزال في حالة تدهور.
ووجد التحليل أنه في بداية عام 2024، ارتفعت الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية بنسبة 12.2% مقارنة بالأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2019. وقفز نشاط البحث العلمي بنسبة 34%، وارتفعت الاستشارات الإدارية بنسبة 18% خلال الفترة نفسها، في حين ارتفعت الخدمات المحاسبية والقانونية بنسبة 11%، و 7% على التوالي.
كان قطاع تكنولوجيا المعلومات هو الفائز الواضح في التحول للعمل عبر الإنترنت بعد الجائحة، وارتفع الناتج في مجال المعلومات والاتصالات، والذي يشمل برمجة الكمبيوتر وخدمات الويب، بنسبة 18.6% عن مستواه قبل الجائحة.
وهذا النمو ملحوظ لأن الخدمات المهنية والمعلومات والاتصالات تمثل نحو 16% من الاقتصاد. وتدعم هذه القطاعات أيضاً صادرات الخدمات، مما يساعد على تعزيز مكانة المملكة المتحدة باعتبارها ثاني أكبر مصدر للخدمات بعد الولايات المتحدة.
بينما لم يتغير إنتاج الصناعات التحويلية إلى حد كبير عن مستويات ما قبل الوباء، حيث تضررت الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل المواد الكيميائية والدهانات وإنتاج المطاط، بشكل خاص.
اقرأ أيضاً: مع انطلاق الانتخابات .. ماذا قدم المحافظون للاقتصاد البريطاني طوال 14 عاماً في الحكم؟
قال الرئيس التنفيذي لاتحاد الصناعات الكيميائية في بريطانيا، ستيف إليوت، إن الساعة "تدق إذا أرادت المملكة المتحدة تأمين مكانتها كموقع جذاب وتنافسي للاستثمارات الكيميائية ووظائف المستقبل".
وحث إليوت الحكومة المقبلة على الالتزام "باستراتيجية صناعية طويلة الأجل، مع وضع الشركات الكيميائية في قلبها، وتكاليف طاقة أكثر تنافسية وبيئة سياسة صفر صافي انبعاثات".
ضرب تعطل سلاسل التوريد إنتاج السيارات في المملكة المتحدة حتى منتصف عام 2022، لكن القطاع تعافى بقوة منذ ذلك الحين وسجل نسبة نمو 30% في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام عما كان عليه في الربع الأخير من عام 2019.
وقال الرئيس التنفيذي لجمعية مصنعي وتجار السيارات، وهي هيئة صناعية بريطانية، مايك هاويس، إنه في حين أن إنتاج السيارات والشاحنات الصغيرة في المملكة المتحدة قد "انتعش"، فإن رئيس الوزراء المقبل يجب أن يركز على "تعزيز الظروف الاقتصادية التي تدعم القدرة التنافسية للتصنيع، كجزء من استراتيجية صناعية طويلة المدى للمساعدة في جذب الاستثمار".
ولم يتعافَ الإنتاج في معظم القطاعات الاستهلاكية في بريطانيا بعد إلى مستويات ما قبل الوباء، حيث تضررت الموارد المالية للأسر بسبب ارتفاع الأسعار وتكاليف الرهن العقاري والإيجارات على مدى السنوات الأربع الماضية.
اقرأ أيضاً: الانتخابات البريطانية في يوم الحسم.. تحذيرات من عواقب اقتصادية وخيمة
لكن هناك علامات مبكرة على حدوث انتعاش في القطاع الاستهلاكي: فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عاد إلى النمو في الربع الأول، وانخفض تضخم أسعار المستهلك إلى هدف بنك إنكلترا مسجلاً نسبة 2% خلال شهر مايو/ أيار، مما ساعد على ثقة المستهلك ومبيعات التجزئة.
ويتوقع العديد من الاقتصاديين أن يكون القطاع الاستهلاكي محركاً للنمو الاقتصادي في بريطانيا لبقية العام بفضل ارتفاع دخل الأسر، وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الانتعاش قد يكون كبيراً لأن القطاع يتعافى من مستويات منخفضة للغاية.
خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، ظل الناتج المحلي لقطاع الإقامة في بريطانيا أقل بنسبة 4.7% عن مستواه قبل الوباء، في حين ظلت أنشطة خدمات الطعام والشراب، مثل الحانات والمطاعم، أقل بنسبة 3.3%. وانخفضت الخدمات الشخصية الأخرى، والتي تشمل مصففي الشعر ومراكز التجميل، بنسبة 5.3%.
كانت مشاكل هذه القطاعات وما شابهها بمثابة عائق كبير أمام النمو، حيث يشكل قطاع الضيافة وتجارة التجزئة معاً 7.4% من الاقتصاد.
من جانبها، قالت الرئيسة التنفيذية للهيئة التجارية لاتحاد التجزئة البريطاني، هيلين ديكنسون، إن المتاجر مرت "بخمس سنوات صعبة بشكل استثنائي".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي