حظي نيكولا مادورو برئاسة فنزويلا للمرة الثالثة على التوالي، ليمضي ولاية رئاسية تصل إلى 18 عاماً، وسط تحديات داخلية وخارجية، أهمها مواجهة التضخم والنمو الاقتصادي في بلد يكتنز ثروات من النفط والمعادن لكن الفقر لا يفارقه في ظل عقوبات غربية قاسية.
انشغل العالم بانتخابات فنزويلا الرئاسية يوم أمس الأحد، وحظيت بتعليقات من الحملات الانتخابية الأميركية والمتابعين في العالم أكثر من أي وقت مضى، حيث اعتُبرت امتحاناً صعباً للرئيس نيكولاس مادورو وحكومته، للفوز من جديد على المعارضة التي تحظى بدعم غربي.
بعد ستّ ساعات من غلق الصناديق، وفرز 80% من الأصوات، أكدت تصريحات رئيس هيئة الانتخابات، فوز الرئيس نيكولاس مادورو بفترة رئاسية ثالثة، بحصوله على نسبة 51%، مقابل 44% لخصمه إدموندو غونزاليس.
اقرأ أيضاً: فنزويلا تتحول إلى العملات المشفرة لتجنب عقوبات النفط الأميركية
منح الفوزُ بهذه الانتخابات، ولايةً ثالثة للرئيس مادورو، الذي تولى منصب الرئاسة المؤقتة، خلال مرض الزعيم الراحل هوغو تشافيز، في 2013، وفاز بولاية رسمية أولى في 2014، وولاية ثانية "مثيرة للجدل" في 2019، وثالثة يوم أمس الأحد تنتهي في 2031، ليحصل بذلك على أطول مدة رئاسية في فنزويلا (18 سنة على التوالي)، ليبدأ ولاية ثالثة مليئة بالتحديات الاقتصادية التي تنتظره.
واجهت هذه النتائج انتقادات من الحزب المعارض، ولكن هذه ليست الانتخابات الأولى التي يتم التنديد بنتائجها، إذ واجه فوز مادورو عام 2018 رفضاً على نطاق واسع باعتباره غير حر ولا عادل من قبل الأحزاب المعارضة التي طالما انتقدت سياساته الاقتصادية.
تولى مادورو رئاسة فنزويلا منذ عام 2013، لتبدأ البلاد أزمة اقتصادية استمرت سنوات مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي للبلاد لسبعة سنوات متتالية.
وانكمش الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا بنحو ثلاثة أرباع بين عامي 2014 و2021، متأثراً بهذه الأزمات، ومع ذلك نما الاقتصاد بنسبة 8% عام 2022 و4% عام 2023، ويتوقع صندوق النقد الدولي استقرار النمو عند 4% عام 2024.
أزمة إنسانية
ويقول مجلس العلاقات الخارجية، إنه على مدار العقد الماضي، أدت الأزمات السياسية الداخلية بجانب العقوبات الدولية ضد فنزويلا، والتداعيات المستمرة لجائحة كورونا، إلى تأجيج أزمة إنسانية مدمرة، مع نقص حاد في السلع الأساسية مثل الغذاء ومياه الشرب والبنزين والإمدادات الطبية.

تزامن هذا الانكماش الاقتصادي مع ارتفاع معدل التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، ليتجاوز المستوى 300 ألف% في فبراير/ شباط 2019، قبل أن يبدأ الانخفاض من جديد، وفقاً لبيانات ريفينتيف.
ووفقاً لمسح أجراه المجلس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، يعيش 50% من سكان فنزويلا البالغ عددهم 28 مليون نسمة في فقر بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة المطّرد، على الرغم من أن ذلك يمثّل انخفاضاً عن 65% المسجلة في العام السابق.
اقرأ ايضاً: هل تتغاضى إدارة بايدن عن فرض عقوبات على فنزويلا من أجل مصالحها النفطية؟
التحكم في التضخم السنوي أضحى أسهل في الوقت الحالي، بعد سلسلة إجراءات أدت إلى تراجع التضخم، لكنه لا يزال يتجاوز 51%، ويقول مادورو إن ذلك يظهر أن لديه السياسات الصحيحة لإعادة الاقتصاد إلى المسار الصحيح.
تحول ملحوظ
بعد الأزمة الاقتصادية التي امتدت من 2013 إلى 2020، قاد الرئيس الفنزويلي انتقالاً ملحوظاً بعيداً عن سياسات سلفه الراحل، هوغو تشافيز، حيث خفف القيود على الشركات، وعدل ضوابط الأسعار واللوائح التنظيمية.
والأهم من ذلك، أنه سمح بتداول الدولار الأميركي بشكل قانوني. وصمد أمام العقوبات الأميركية القاسية التي تهدف إلى إضعاف حكومته، وتغلب على خوان غوايدو، الذي سعى للإطاحة به بعدما تم الاعتراف به في عام 2019 كرئيس شرعي لفنزويلا من قبل الولايات المتحدة وعشرات الدول الحليفة.
ومع ذلك، تظل سياسيات مادورو الاقتصادية تعتمد على قطاع النفط، على حساب قطاعات أخرى، ما قد يثير مخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد الفنزويلي.
وفي ولايته الجديدة من المنتظر أن يرسم مادورو مساراً جديداً للنمو للاقتصاد البالغ 102 مليار دولار الذي لا يزال يعاني، ويجد طريقة لتخفيف العقوبات والتفاوض على إعادة هيكلة ديون بقيمة 158 مليار دولار.
النفط جوهر اقتصاد فنزويلا
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي من النفط الخام في العالم عام 2023 بنحو 303 مليار برميل، وهو ما يمثّل نحو 17% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، ما يجعلها منتجاً رئيسياً للنفط منذ اكتشافه في البلاد عام 1922.
ويمكن اعتبار فنزويلا بمثابة حالة خاصة قيد الدرس حيال مخاطر التحول إلى دولة يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على النفط، ما يعتبره الخبراء أحد الأسباب الرئيسية لركود الاقتصاد الفنزويلي.
اقرأ أيضاً: كيف ينظر أوبك+ لخطوة تخفيف العقوبات الأميركية على فنزويلا؟
موّلت صادرات النفط ما يقرب من ثلثي ميزانية الحكومة خلال السنوات الأخيرة، وتشير التقديرات لعام 2024 إلى أن هذا الرقم انخفض قليلاً ليصل إلى 58%.
كما أدّى انخفاض أسعار النفط من أكثر من 100 دولار للبرميل عام 2014 إلى أقل من 30 دولاراً للبرميل في أوائل عام 2016 إلى دفع فنزويلا في دوامة اقتصادية وسياسية، ورغم ارتفاع الأسعار منذ ذلك الحين، فإن تداعيات هذا الهبوط الحاد لا تزال قائمة في ظل الظروف المعاكسة الأخرى كالعقوبات الغربية وآثار جائحة كورونا.
كنوز الذهب والألماس
الثروات النفطية ليست الوحيدة التي تمتلكها البلاد، فأرض فنزويلا غنية بالموارد الطبيعية الأخرى ومنها الغاز الطبيعي وخام الحديد والبوكسيت، والمعادن الأخرى وعلى رأسها الذهب والماس، حيث تمتلك، وفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي، نحو 161.22 طن من احتياطي الذهب.
الألماس الفنزويلي غالباً ممزوج بالذهب الغريني، وهو نوع من الذهب يُنتج في المناطق السفلية أو المنخفضة من الأنهار، ويكون ممزوجاً بالرمل الحجري الذي يمكن غسله، ويقع كل من حقلي الألماس سانتا إيلينا ولا باراجوا في مناطق تصب في خزان جوري للطاقة الكهرومائية.
بالإضافة إلى الثروة البترولية والمعدنية، تشكّل الزراعة في فنزويلا تقريباً 4.7% من من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، إذ تصدر فنزويلا الأرز والذرة والأسماك والفواكه الاستوائية والقهوة ولحم البقر من بين عدد من المواد الغذائية الأخرى.
إلى ذلك، تنتج فنزويلا الصناعات الثقيلة مثل الصلب والألمنيوم والإسمنت وتصدرها، كما تشمل الصناعات التحويلية البارزة الأخرى الإلكترونيات والسيارات.
وهذه الثروات كانت حبل نجاة فنزويلا للخروج من الأزمة الحالية بعد تنويع اقتصادها بعيداً عن قطاع النفط، واستكشاف القطاع الخاص والموارد الأخرى بهدف تقليل تعرضها للأزمات العالمية المرتبطة بتقلبات أسواق النفط الخام والعقوبات الغربية.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي