منذ فترة طويلة، يقف الائتلاف الحاكم في ألمانيا على أرض هشة، وسط تزايد الانقسامات حول السياسات الاقتصادية وسياسات الميزانية بين الأحزاب الأعضاء الثلاثة، واليوم تقف الحكومة على حافة الانهيار وسط أزمة متفاقمة.
خلال الأسبوع الأخيرة تفاقم الوضع، مما أثار مخاوف جدية بشأن ثبات حالة الاتحاد القائمة منذ ثلاث سنوات بين الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي يتزعمه المستشار أولاف شولتز، وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر.
اقرأ أيضاً: رغم تفاؤل الحكومة.. توقعات باستمرار ركود الاقتصاد الألماني في 2025
في الوقت الحالي، تكثر التكهنات الآن حول ما إذا كان تفكك التحالف قد يحدث هذا الأسبوع، حيث أفادت وسائل الإعلام عن محادثات بين مختلف ممثلي الائتلاف مساء الأحد وأوائل هذا الأسبوع، قبل اجتماع التحالف الدوري يوم الأربعاء.
حول هذه القضية، قال الرئيس العالمي للاقتصاد الكلي في ING، كارستن برزيسكي، في مذكرة يوم الاثنين، إن الحكومة الألمانية دخلت للتو مرحلة جديدة من أزمة سياسية بطيئة قد تكون الخطوة الأخيرة قبل الانهيار النهائي للائتلاف الحاكم.
من جانبه، أشار هولغر شميدينغ، كبير الاقتصاديين في بيرينبيرغ، إلى أن شركاء الائتلاف الثلاثة يتصرفون "كما لو أنهم يستعدون لشن حملة ضد بعضهم البعض قريباً".
اقرأ أيضاً: وسط انقسام سياسي.. وزير مالية ألمانيا يطرح خطة اقتصادية تتناقض مع خطة مشابهة لوزير الاقتصاد
على سبيل المثال، عقد شولتز اجتماعاً مع قادة الصناعة الأسبوع الماضي لكنه لم يقم بدعوة شركاء حزبه في الائتلاف، مما دفع الحزب الديمقراطي الحر إلى الدعوة إلى اجتماع منفصل خاص به بدون الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وبشكل منفصل، اقترح روبرت هابيك، من حزب الخضر، وهو وزير الاقتصاد الألماني، خطة سياسية لتحفيز الاستثمار في الأعمال التجارية والتي انتقدها الحزب الديمقراطي الحر.
وأشعل الخلاف المعلن حول السياسة الاقتصادية والصناعية بين أحزاب الديمقراطي الحر والخضر والديمقراطي الاجتماعي بزعامة شولتس، تكهنات بانهيار الائتلاف، قبل عام من الموعد المقرر للانتخابات.

بدوره، قدم وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر خطة اقتصادية، تسعى إلى خفض الضرائب والانضباط المالي لكنها تتناقض مع خطة استثمارية لوزير الاقتصاد مما يكشف عن انقسام عميق في الائتلاف الحاكم، بحسب وكالة رويترز.
وفي ورقة سياسية مؤلفة من 18 صفحة صادرة عن وزارة المالية، يدعو ليندنر المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الحر، المدافع عن حرية السوق في الائتلاف الثلاثي الذي يقوده المستشار أولاف شولتس، إلى "تحول اقتصادي مع مراجعة جذرية لبعض القرارات السياسية الرئيسية".
نزاع حول الميزانية
وكانت إحدى القضايا الرئيسية الأخيرة داخل الائتلاف هي ميزانية ألمانيا لعام 2025، وهو موضوع يظهر أيضًا بشكل كبير في بحث ليندنر.
تم تقديم الميزانية في البداية في وقت سابق من هذا العام، لكنها تركت عدة أسئلة دون إجابة حول فجوة التمويل البالغة عدة مليارات من اليورو. واستناداً إلى الجدول الزمني التشغيلي الحالي، ينبغي الانتهاء من الميزانية بحلول منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي.
اقرا أيضاً: وزير مالية ألمانيا يحث على تقليص المساعدات: إمكانات رابع أكبر اقتصاد في العالم محدودة
وقال فوزيسي إن الائتلاف مجبر الآن على اتخاذ قرارات صعبة تحت ضغط الوقت، على خلفية الرؤى الاقتصادية المختلفة والثغرة التي فجرتها المحكمة الدستورية في مالية ألمانيا العام الماضي، عندما قضت بأن الحكومة لا يمكنها إعادة تخصيص أموال الطوارئ التي تم جمعها خلال فترة رئاستها. جائحة كوفيد-19 على ميزانيتها.
وفي الوقت نفسه، أشار شميدنغ من بيرينبيرغ إلى أنه "إذا لم يتمكن الائتلاف من الاتفاق على الأولويات المالية والإصلاحية لموازنة عام 2025، فقد تنهار الحكومة".
احتمال تفكك الائتلاف؟
إلى جانب إيجاد حل لهذه القضايا، يمكن الآن أن تظهر عدة سيناريوهات من شأنها أن تغير تركيبة الحكومة الألمانية.
من هذه السيناريوهات، أن الحزب الديمقراطي الحر يمكن أن يخرج من الائتلاف، إما عن طريق الانسحاب بنفسه أو عن طريق إثارة غضب شولتز لدرجة أنه يطلب منهم المغادرة، حسبما قال شميدينغ من بيرنبرغ.
وأضاف: "إذا كان الأمر كذلك، فمن المرجح أن تتبع فترة وجيزة من حكومة الأقلية التي يشكلها الحزب الديمقراطي الاشتراكي والخضر بقيادة شولتز انتخابات مبكرة في أوائل العام المقبل".
رغم ذلك، تظهر أحدث استطلاعات الرأي أن الحزب الديمقراطي الحر لن يحصل إلا على حوالي 3% من الأصوات في الانتخابات الفيدرالية، أي أقل من عتبة الـ 5% التي سيحتاج إلى عبورها لتأمين مقاعد في البوندستاغ الألماني.
وسيعاني الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر أيضاً من خسائر في الانتخابات الفيدرالية الأخيرة، في حين أن حزب المعارضة الحالي CDU سيكون الرابح الأكثر احتمالاً لتأمين الحصة الأكبر من الأصوات.
وقال شميدينغ: "إن الانتخابات المبكرة ليست السيناريو الأكثر ترجيحاً بعد، لكنها ممكنة تماماً".
وفي الوقت نفسه، أشار برزيسكي من ING إلى أن حكومة الأقلية يمكن أن تستمر حتى موعد الانتخابات المقرر في وقت لاحق من عام 2025، وأشار إلى أنه حتى لو ترك الحزب الديمقراطي الحر الائتلاف، فإن هذا لن يفرض بالضرورة إجراء انتخابات مبكرة.
ويرجع ذلك إلى الدستور الألماني، الذي ينص على أنه لا يمكن للرئيس الاتحادي الدعوة إلى انتخابات مبكرة إلا إذا خسر المستشار تصويتاً بحجب الثقة في البرلمان.
لكن التوقعات بالنسبة للائتلاف تبدو ضعيفة، بحسب برزيسكي، الذي قال "بشكل عام، نعتقد أن خطر انهيار الحكومة الألمانية لم يكن أعلى مما هو عليه الآن"، مضيفاً أنه حتى عدم اليقين الجيوسياسي المحتمل الناجم عن الانتخابات الأميركية المقبلة لم يعد يبدو أنه الغراء المضمون لإبقاء الحكومة متماسكة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي