اعتاد شاو تشون تشن العمل أكثر من 40 ساعة في الأسبوع خلال مسيرته المهنية في الشركات في سنغافورة. أما الآن، فله وظيفة تستغرق ثلاث ساعات أسبوعياً فقط تكفل له ولعائلته معيشتهما في تايلاند.
يشير تشن، البالغ من العمر 39 عاماً، إلى أنه نشأ في سنغافورة وقضى معظم حياته في هذه الدولة قبل أن ينتقل مع زوجته إلى تشيانغ ماي في تايلاند في نوفمبر تشرين الثاني 2024.
ويقوم حالياً بـ"التنقل الفائق" من تايلاند إلى سنغافورة، حيث يقطع رحلة جوية تزيد عن 1200 ميل مرة واحدة أسبوعياً ليعمل كمحاضر مساعد في الجامعة الوطنية لسنغافورة.
يقول إنه يكسب ما بين 2000 إلى 4000 دولار سنغافوري (أي ما يعادل 1540 إلى 3070 دولاراً أميركياً) شهرياً مقابل تدريسه دورة أسبوعية في التسويق الرقمي تستغرق ثلاث ساعات فقط، وأن هذا المبلغ يكفي لتغطية نفقات سفره وجميع مصاريف معيشته ومعيشة زوجته في تايلاند.
وأضاف تشن في حديثه مع قناة CNBC "أنا أستغل النظام بطريقة ذكية. ثلاث ساعات عمل في سنغافورة تكفي لتغطية كافة نفقاتي في تايلاند".
تطلّب الأمر تسريحاً من العمل ليُدرك تشن في أوائل عام 2024 أنه أصبح مستقلاً مالياً، مما منحه المرونة لتغيير مسار حياته.
على مدى ما يقرب من عقد من الزمن خلال عمله في شركة غوغل، كان يعيش بأقل من إمكاناته المالية ويخصص باستمرار ما يصل إلى نصف راتبه للاستثمار. لذلك، عندما تم تسريحه فجأة من الشركة التقنية في فبراير شباط 2024، أدرك تشن أن محفظته الاستثمارية التي تجاوزت قيمتها السبعة أرقام تعني أنه لم يعد بحاجة للاعتماد على راتب لفترة طويلة.
اقرأ أيضاً: بعد وصوله لمستوى قياسي جديد.. ما أبرز طرق الاستثمار في الذهب والعوامل المحفزة للسوق؟
كانت محفظته تقدر بحوالي 2 مليون دولار آنذاك، وباستخدام قاعدة 4% كدليل إسترشادي، كان بإمكانه سحب نحو 80 ألف دولار بأمان من محفظته في السنة الأولى، وسحب نفس المبلغ مع تعديله وفقاً لمعدلات التضخم في كل سنة تالية.
من الناحية النظرية، كان هذا المبلغ صغيراً بما يكفي لجعل محفظته تدعمه لمدة لا تقل عن 30 عاماً. لذلك، بدلاً من القفز إلى وظيفة أخرى في قطاع الشركات، قرر تشن أن يمنح نفسه فرصة لقيادة نمط حياة مختلف.
قال تشن: "لقد عملت خلال السنوات الأربعة عشرة الماضية من حياتي، وبسبب التسريح، اضطررت لأخذ استراحة. كان الأمر محبطاً للغاية، وكان ضربة قاسية لذاتي وهويتي، ولكن مع مرور الوقت... أجبرني ذلك على التفكير فيما أريده حقاً في الحياة."
وعلى الرغم من أن تشن وجد أنه يستطيع أن يعيش من الفوائد، والأرباح الموزعة، والأرباح الرأسمالية من استثماراته، اختار أن يعامل هذه العوائد كمصدر للدخل السلبي فقط، حيث يسحب المال حين الحاجة فقط لتغطية دخله النشط.
خلال العام ونصف الماضيين، أنشأ تشن عدة مصادر جديدة للدخل، سواء كانت سلبية أو نشطة.
إلى جانب عمله كمحاضر مساعد لمدة ثلاث ساعات أسبوعياً في سنغافورة، يجني تشن دخلاً من خلال إنشاء محتوى تعليمي على منصة يوتيوب ومن خلال عمله في مجال التدريب، والذي يقول إنه يستطيع من خلاله تحصيل 500 دولار في الساعة، اعتماداً على العميل.
كما قرر تجربة مفهوم "المراجحة الجغرافية". فمن خلال الاحتفاظ بمصدر دخله الرئيسي من التدريس في جامعة سنغافورة، حيث العملة أقوى، لا يحتاج تشن إلى العمل كثيراً لدعم حياة مريحة له ولزوجته في تايلاند التي تتميز بتكلفة معيشة أقل بكثير.
قال تشن: "ابحث عن طريقة لتحسين مهاراتك، أو للوصول إلى موقع يمكنك من خلاله فرض أجر مرتفع لكل ساعة عمل. إذا جمعت بين أجر مرتفع للساعة وتكلفة معيشة منخفضة، فلن تحتاج للعمل سوى ساعات قليلة لتغطية نفقاتك."
وأضاف أن المدن والوظائف التي تدفع أجوراً عالية للساعة تميل إلى أن تكون مناطق مكلفة، لكن ذلك أصبح أقل إشكالية حالياً مع تمكين الرقمنة من ترتيبات العمل عن بُعد.
وبينما تكفي وظيفته كمحاضر مساعد لتغطية نفقات المعيشة له ولزوجته، تغطي مصادر دخله النشطة الأخرى مصاريفه الترفيهية والشخصية. ويقول إنه يعمل ما بين أربع إلى ثماني ساعات أسبوعياً، تشمل التدريس، والتدريب، وصناعة فيديوهات يوتيوب.
منذ انتقاله إلى تشيانغ ماي مع زوجته في نوفمبر تشرين الثاني الماضي، يقول تشن إن نمط حياته وجودته قد تحسّنتا "بدرجة كبيرة".
ويضيف: "أنا أدرك أيضاً أن ليس الجميع قادرين على القيام بذلك، والسكان المحليون لا يكسبون ما نكسبه نحن. نحن نكسب بالدولار، وننفق بالبات". ويقول: "لم أعد أشعر بالحاجة لأن أكون على تلك العجلة الدائمة أو أن أكون في حالة إنتاج مستمر".
ويستطرد قائلاً: "هنا، أُعدُّ الفطور لزوجتي، وفي حياتي السابقة لم يكن لدي هذا الامتياز. كنت فقط أهرول".
بالإضافة إلى شعوره بانخفاض الضغوط المالية والزمانية اليومية، يؤكد تشن أنه لم يعد يشعر بالحاجة إلى "التخطيط المفرط" لحياته. ويقول: "لأول مرة في حياتي، استطعت فقط... أن أستمتع بما تقدمه تايلاند".
في سنغافورة، كان يدفع حوالي 2450 دولاراً شهرياً مقابل شقته ذات الغرفتين.
أما الآن، فهو يعيش في شقة جديدة بغرفة نوم واحدة تكلفه 450 دولاراً شهرياً، وهي أكثر فخامة بكثير. ويقول تشن: "أنا أدفع أكثر مما ينبغي لأنني أدفع شهرياً... إذا وقّعت عقد إيجار سنوي، فسيكون السعر أقرب إلى 300 دولار".
"إنها شقة فاخرة للغاية"، يقول تشن. "تضم عدة حمامات سباحة، وصالة ألعاب رياضية مجهزة بالكامل، ومساحة عمل مشتركة واسعة، واستوديو خاص بالبيلاتس".
أما بالنسبة لباقي نفقات المعيشة في تايلاند، فيوضح تشن أنه ينفق ما بين 300 و500 دولار شهرياً على الطعام والمواد الغذائية له ولزوجته، وحوالي 200 دولار شهرياً على التنقل. كما ينفق نحو 250 دولاراً على كل رحلة ذهاب وإياب إلى سنغافورة تُجرى يوم الجمعة.
اقرأ أيضاً: لديك الحق في تجاهل رؤسائك.. ولكن فقط في هذه البلدان وبعد ساعات العمل
ويقول تشن: "الاستراتيجية لأي شخص يرغب في العيش في بلد مثل تايلاند هي أن يعتنق حقاً الثقافة المحلية، والخيارات المحلية، وأسلوب الحياة المحلي، بدلاً من محاولة جلب نمط حياته الخاص إلى المكان."
يمكن للمغتربين توفير المال بشراء المنتجات المحلية مثل الطعام التايلاندي، والدواء التايلاندي، كما يقول تشن. "كل شيء مصنوع في تايلاند رخيص، ولكن في اللحظة التي ترغب فيها بشراء منتجات دولية، مثل النبيذ من فرنسا... يصبح أكثر تكلفة".
وعلى الرغم من أن قراره بمغادرة عالم الشركات والعيش في تايلاند منحَه مزيداً من الوقت والمرونة للاستمتاع بالحياة وبناء مصادر دخله المتنوعة، يشير تشن إلى وجود بعض السلبيات.
فعلى سبيل المثال، لم يعد لديه الهيكلية والتوقعية التي كانت توفرها له الحياة في الشركات. وعندما يتعلق الأمر بالتنقل الفائق من تايلاند إلى سنغافورة، فإن حركة المرور تشكل عقبة كبيرة، بالإضافة إلى كمية الطاقة التي يتطلبها السفر بهذه الكثرة، كما يقول.
ولكن في النهاية، يؤكد تشن أنه سعيد بحياته في تايلاند، رغم أنه منفتح على العودة إلى سنغافورة إذا ما أتيحت له الفرصة المناسبة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي