يدور جزء كبير من حياة رافاييل بيراليس اليومية حول تعليم ابنته أليسا البالغة 11 عاماً. وبالنظر إلى أنها أنهت بالفعل دراستها الجامعية، فإن هذا التركيز ليس من قبيل الصدفة.
ففي مايو أيار الماضي، حصلت أليسا على درجتين جامعيّتين (دبلوم مشارك) في الرياضيات والعلوم العامة من كلية «كرافتون هيلز» المجتمعية العامة في مدينة يوكايبا بولاية كاليفورنيا، حيث التحقت بها عندما كانت في الثامنة من عمرها. وهي تستعد هذا الخريف لبدء دراسة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، تمهيداً للعمل في قطاع قطاع التكنولوجيا كما تقول.
رافاييل، البالغ من العمر 51 عاماً، تخلى عن مسيرته المهنية الكاملة كمحامٍ في مدينة سان برناردينو عندما كانت ابنته في عامها الأول، ليكرّس نفسه لتربيتها وتعليمها. وهو يصف هذا القرار بأنه انعكاس لقاعدته التربوية الأساسية: «الأبناء أولاً. هي تأتي قبل أي شيء، حتى قبلي. أنا في أسفل قائمة الأولويات».
عندما اتخذ قراره بترك مهنته، كانت أليسا قد بدأت بالفعل في إتقان الحروف الأبجدية والعدّ حتى المئات. أما ابنه الآخر، البالغ الآن 32 عاماً، فكان قد غادر المنزل ويعمل متدرّباً في مهنة السباكة. وحين فكّر رافاييل في الفوائد المحتملة من تخصيص تعليم فردي مكثف لابنته، يقول إن القرار «أصبح سهلاً للغاية».
اقرأ أيضاً: وارن بافيت: هذا هو أول خطأ يرتكبه الآباء عند تعليم الأطفال عن المال
لكن غياب دخل المحاماة وضع العائلة في ضائقة مالية في بعض الفترات. إذ اعتمدوا على عائد الإيجار من عقار تجاري يملكه في مدينة ييرمو بولاية كاليفورنيا، كان قد اشتراه سابقاً بميراث متواضع من والديه. ورغم القلق أحياناً بشأن دفع الفواتير، ظل رافاييل مقتنعاً أن تكريس جهده الكامل لتعليم أليسا «هو القرار الصحيح»، مضيفاً: «كنت واثقاً دائماً أنني سأجد وسيلة لتجاوز الصعوبات مهما كان».
مع بلوغها الثانية من العمر، كانت أليسا تقرأ بمفردها، بحسب والدها. وقد علّمها في المنزل حتى بلغت الثامنة، حين أنهت متطلبات ولاية كاليفورنيا للحصول على شهادة الثانوية العامة. اعتمد رافاييل على مناهج متنوعة وأدلة تعليمية عبر الإنترنت، بما يتناسب مع اهتماماتها ومستواها العلمي.
وحرص خلال تدريسه لها على وضع جدول يومي منتظم، وهو ما يوصي به خبراء التعليم لإكساب الأطفال شعوراً بالأمان أثناء التعلم واللعب. فقد كانت أيامها الدراسية عادة تبدأ من الثامنة صباحاً وحتى الرابعة عصراً، خمسة أيام في الأسبوع.
وبصفته أباً ومعلّماً في الوقت نفسه، ساعدها على التركيز وتجنّب «إضاعة الوقت كثيراً»، كما يقول، لكنه كان حريصاً أيضاً على ألا يرهقها. فكانت تخرج للعب مع أصدقائها بعد انتهاء الدروس، وغالباً ما تذهب إليهم على دراجتها الصغيرة. كما كان يصطحبها كل أربعاء تقريباً إلى «ديزني لاند» في مدينة أنهايم القريبة، ليمنحها «صمام أمان» تترقبه وتتطلع إليه كل أسبوع.
كما حرص رافاييل على إدماج تعليم أليسا في رحلات العائلة، فكانا يزوران أماكن مثل «غراند كانيون» أو «ماونت راشمور» للتعرّف على موضوعات مرتبطة بالتاريخ والجغرافيا. ويقول: «لم نكن مختلفين كثيراً عن المدارس العامة من حيث كمية الدراسة التي كنّا نقوم بها، لكننا كنّا، في رأيي، أكثر إنتاجية بكثير».
اقرأ أيضاً: ديلان فيلد.. قصة نجاح بدأت بترك الدراسة وانتهت ببلايين الدولارات
أما خطط أليسا المستقبلية فتبدو شبيهة بخطط أي خريجة حديثة من كلية مجتمعية: فهي تتطلع إلى «التعرّف على أشخاص جدد وتكوين صداقات» في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، والسفر حول العالم، والعمل في مجال التكنولوجيا، وربما تأسيس شركتها الناشئة الخاصة، كما تقول.
وبما أنها لا تزال في الحادية عشرة من عمرها، يعتزم رافاييل أن يرافقها في معظم هذه الخطط، سواء في السفر أو حتى في حال إطلاقها شركة ناشئة، إذ ترجّح أن يكون شريكها المؤسس. وستستمر في العيش بالمنزل والتنقل يومياً إلى الجامعة، بينما ينتظرها والدها داخل الحرم الجامعي خلال محاضراتها، وهو ما يعني أنه لن يعود على الأرجح إلى عمل مكتبي بدوام كامل في أي وقت قريب.
ويضيف: «عندما يسألني الناس: هل ستعود إلى العمل؟ أجيب: نعم، ربما أتباطأ وأسترخي وأعمل من التاسعة إلى الخامسة مجدداً يوماً ما، لكن ليس الآن».
يحذر العديد من خبراء التربية من أن يذهب الآباء بعيداً في تفضيل احتياجات أبنائهم على حساب صحتهم النفسية ورفاهيتهم، إذ قد يؤدي ذلك إلى إنهاك شديد ومشكلات نفسية متراكمة، وفق الجمعية الأميركية لعلم النفس.
لكن الأبحاث تؤكد أن الأطفال، أياً كان نظامهم التعليمي، يستفيدون عندما يشارك الأهل بنشاط في تعليمهم وتطورهم. فالأطفال الذين يرتادون المدارس النظامية وتُظهر أسرهم اهتماماً ومتابعة مستمرة لتعليمهم يحققون أداءً أكاديمياً أفضل إجمالاً، بحسب دراسة أجراها باحثون من جامعة «براون» وجامعة «نورث كارولاينا في غرينسبورو» عام 2011.
كما تبيّن دراسات أخرى أن تخصيص الأهل وقتاً منتظماً للأنشطة التعليمية العملية داخل المنزل يرفع درجات أبنائهم في الاختبارات، ويزيد من دافعيتهم وتفاعلهم في المدرسة.
وترى عالمة نفس الأطفال توفاه كلاين، في حديثها لموقع «CNBC»، أن جودة الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أبنائهم —سواء في أنشطة تعليمية أو ترفيهية— أهم بكثير من كمية الوقت. فالجودة هي العامل الأبرز في تربية أطفال سعداء وواثقين ومتحفزين للنجاح، على حد قولها.
وتضيف كلاين، وهي مديرة «مركز برنارد كوليدج لتنمية الطفل الصغير»: «في الغالب يمكن القول إن الأقل يعني الأكثر بالنسبة للأطفال. إنهم فقط يريدون أن يكونوا معكم. الأمر دائماً يتعلق بجودة العلاقة وجودة التفاعل».
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي