قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الأطباء في أميركا سيتلقون قريباً توصية بعدم وصف مسكّن الألم «باراسيتامول» للنساء الحوامل، مشيراً إلى صلة مثيرة للجدل بين الدواء والتوحّد.
وأكد ترامب يوم الإثنين أن تناول «باراسيتامول»، «ليس مفيداً»، داعياً النساء الحوامل إلى «التحمل والصبر» وعدم استخدامه إلا في حالات الحمى الشديدة.
لكن خبراء طبيين سارعوا إلى دحض هذه المزاعم، محذّرين من خطورة تصريحات الرئيس. فقد شدّد مسؤولون صحيون في بريطانيا على أن «الباراسيتامول» يبقى المسكّن الأكثر أماناً للحوامل. وقال وزير الصحة البريطاني ويس ستريتينغ: «أنا أثق بالأطباء أكثر من ثقتي بالرئيس ترامب، بكل صراحة».
الجمعية الأميركية لأطباء النساء والتوليد رفضت أيضاً الربط الذي طرحه ترامب. وأوضح رئيسها الدكتور ستيفن فليشمان أن هذه المزاعم «لا تستند إلى مجمل الأدلة العلمية، وتبسط بشكل خطير الأسباب المتعددة والمعقدة للتحديات العصبية لدى الأطفال». وأضافت الجمعية أن الدراسات السابقة «لم تُظهر دليلاً واضحاً يثبت وجود علاقة مباشرة بين الاستخدام الحذر للباراسيتامول في أي مرحلة من الحمل ومشكلات النمو لدى الجنين».
اقرأ أيضاً: سفير أميركا في الصين: اجتماع ترامب وشي قد يُعقد العام المقبل
أما إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فقد استخدمت لغة أكثر اعتدالاً في مذكرة موجهة للأطباء، حيث دعتهم إلى التفكير في الحد من وصف «باراسيتامول»، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنه يبقى الخيار الأكثر أماناً من بين الأدوية المتاحة من دون وصفة لعلاج الحمى والألم لدى الحوامل، وهي أعراض قد تضر أيضاً بصحة الأم والجنين.
وأكدت الإدارة: «رغم أن بعض الدراسات أشارت إلى وجود ارتباط بين الأسيتامينوفين والتوحّد، إلا أنه لم يتم إثبات علاقة سببية، وهناك أبحاث مناقضة في الأدبيات العلمية».
وتحدث وزير الصحة الأميركي روبرت ف. كينيدي الابن إلى جانب ترامب، معلناً أن إدارة الغذاء والدواء ستبدأ إجراءات لإضافة تحذير جديد على عبوات الدواء، وإطلاق حملة توعية عامة.
من جانبها، قالت شركة «كينفيو» المصنّعة لـ«تايلينول» في بيان إلى «بي بي سي» إن «الأدلة العلمية واضحة وتؤكد أن تناول الأسيتامينوفين لا يسبّب التوحّد»، مضيفة: «نرفض تماماً أي إشارة خلاف ذلك، ونشعر بقلق بالغ إزاء المخاطر التي قد تترتب على صحة النساء الحوامل».
اقرأ أيضاً: إدارة الغذاء والدواء الأميركية تقر أول عقار لمنع الحمل دون وصفة طبية
كما أعلن كينيدي أن إدارة الغذاء والدواء ستوافق قريباً على استخدام عقار «لوكوفورين»، وهو دواء قديم يُستعمل عادة لحماية مرضى السرطان من سمّية العلاج الكيماوي، لعلاج الأطفال المصابين بالتوحّد. وصرّح مفوّض الإدارة، مارتي مكاري، أن الموافقة ستستند إلى أبحاث أولية تشير إلى أن الدواء قد يساعد الأطفال الذين يعانون من نقص حمض الفوليك على تحسين قدراتهم الكلامية. لكن باحثين شدّدوا على أن هذه النتائج لا تزال في مراحلها المبكرة، وأن الطريق طويل قبل الوصول إلى استنتاجات قاطعة.
ترامب وصف يوم الإثنين الارتفاع في حالات التوحّد بأنه «أزمة مروّعة» تثير لديه «مشاعر قوية جداً»، في حين أكد خبراء أن تحديد أسباب التوحّد –وهو اضطراب معقد يخضع للبحث منذ عقود– ليس بالأمر السهل، إذ إن الرأي العلمي الغالب يعتبر أن لا سبب واحداً مباشراً للتوحّد، بل هو نتيجة مزيج معقّد من العوامل الجينية والبيئية.
في أغسطس آب، خلصت مراجعة بحثية قادها عميد كلية «تشان» للصحة العامة بجامعة هارفارد إلى أن الأطفال قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالتوحّد واضطرابات النمو العصبي الأخرى عند تعرّضهم لدواء «باراسيتامول» خلال الحمل.
وشملت المراجعة 46 دراسة، أظهرت 27 منها وجود علاقة إيجابية بين تناول «باراسيتامول» وإصابة الأطفال باضطرابات في النمو العصبي. ورأى الباحثون أنّ من الضروري اتخاذ بعض الخطوات للحد من استخدام الدواء، لكنهم شدّدوا في الوقت نفسه على أهميته في معالجة الحمى والألم لدى الأمهات.
في المقابل، خلصت دراسة أخرى نُشرت عام 2024 إلى عدم وجود أي علاقة بين التعرّض لـ«باراسيتامول» والإصابة بالتوحّد. واستندت هذه الدراسة إلى عيّنة سكانية واسعة شملت 2.4 مليون طفل وُلدوا في السويد بين عامي 1995 و2019.
من جهتها، وصفت «الجمعية الوطنية للتوحّد» في بريطانيا تصريحات ترامب بشأن العلاقة بين «تايلينول» والتوحّد بأنها «غير مسؤولة»، معتبرة أنه أساء إلى قيمة الأشخاص المصابين بالتوحّد. وأضافت الجمعية: «المعلومات المضلّلة المستمرة عن التوحّد من الرئيس ترامب وروبرت ف. كينيدي الابن تهدّد بتقويض عقود من الأبحاث التي أجراها خبراء بارزون في هذا المجال».
اقرأ أيضاً: ترامب يعلن عن خفض كبير في أسعار الدواء بين 30% و80%
وتشير بيانات «المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها» (CDC) إلى أن معدلات تشخيص التوحّد ارتفعت بشكل ملحوظ منذ عام 2000، لتصل في عام 2020 إلى 2.77% بين الأطفال في سن الثامنة.
ويعزو العلماء جزءاً من هذا الارتفاع إلى زيادة الوعي باضطراب التوحّد وتوسيع تعريفه، كما يواصل الباحثون دراسة العوامل البيئية المحتملة.
يُذكر أن كينيدي سبق أن روّج لنظريات مفنّدة تربط بين ارتفاع معدلات التوحّد واللقاحات، رغم غياب الأدلة. كما أن ترامب بدوره سبق أن روّج لمزاعم طبية غير مثبتة، بما في ذلك خلال جائحة «كوفيد-19».
في الاتحاد الأوروبي، يمكن استخدام «الباراسيتامول» (المعروف أيضاً باسم «أسيتامينوفين») لتخفيف الألم أو الحمى أثناء الحمل إذا كانت هناك حاجة طبية لذلك. ولا يوجد حالياً أي دليل جديد يستدعي تغيير التوصيات الأوروبية المتعلقة باستخدامه.
وقال كبير المسؤولين الطبيين في وكالة الأدوية الأوروبية (EMA)، شتيفن ثيرستراب: «يبقى الباراسيتامول خياراً مهماً لعلاج الألم أو الحمى لدى النساء الحوامل. تستند نصائحنا إلى تقييم دقيق للبيانات العلمية المتاحة، ولم نجد أي دليل على أن تناول الباراسيتامول خلال الحمل يسبّب التوحّد لدى الأطفال».
أكدت إدارة السلع العلاجية الأسترالية اليوم على الإرشادات الطبية الحالية التي تُؤكد سلامة تناول النساء الحوامل للباراسيتامول في أي مرحلة من مراحل الحمل.
يُصنّف الباراسيتامول كدواء من الفئة "أ". هذا يعني أن العديد من النساء الحوامل والنساء في سن الإنجاب استخدمنه لفترة طويلة دون زيادة في العيوب الخلقية أو آثار ضارة على الجنين.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي