
غدير إبراهيم - محررة اقتصادية في CNBC عربية
منذ نشأة الحروب والدولار الأميركي ما زال يحافظ على رونقه كملاذ آمن وقت الأزمات فمنذ بداية هجمات سبتمبر إلى الأزمة المالية العالمية ومروراً بجائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية العالمية حتى يومنا هذا بقي متماسكاً عبر العديد من الضائقات الاقتصادية وكأنه درع واقي متمرس لمجابهة أقسى أنواع النزالات.
فإذا استرجعنا تحركات مؤشر الدولار أثناء هجمات سبتمبر 2001 تراجع مؤشر الدولار (DXY) من نحو 117 قبل الهجمات إلى حوالي 114 بنهاية سبتمبر، أي انخفاض بنحو 3% في الأسابيع الأولى وبعد فترة وجيزة، تعافى المؤشر مؤقتًا مع تدخل الاحتياطي الفدرالي وخفض الفائدة لضمان السيولة.
وفي خلال الأزمة المالية العالمية 2008 كان الدولار ضعيفًا،عند نحو 71 نقطة في مارس 2008 (أدنى مستوى له منذ عقدين) وبعد انهيار بنك Lehman Brothers في سبتمبر، تحوّل الدولار إلى ملاذ آمن عالمي وارتفع بقوة.
وصل المؤشر إلى 89 نقطة في مارس 2009، أي ارتفاع بأكثر من 25% خلال ذروة الأزمة ومع تحسن الأسواق وبدء برامج التيسير الكمي، عاد المؤشر لاحقًا إلى التراجع التدريجي.
ويمكننا تلخيص ذلك بأن الدولار ارتفع بقوة أثناء الأزمة لأنه كان الملاذ المالي الأكثر أمانًا في العالم.
اقرأ أيضاً: كيف استفادت أسهم شركات أميركية من ضعف الدولار أكثر من غيرها؟
ولاية ترامب الثانية وبداية تقلبات الدولار العنيفة
في بداية الانتخابات العامة الأميركية وحتى تسلم الرئيس الأميركي مقاليد الرئاسة حافظ مؤشر الدولار على رونقه أمام سلة من العملات المنافسة وكان يتداول عند مستويات 108 نقطة عند أعلى مستوياته في 3 سنوات وعقب تنصيب ترامب والكشف عن رسومه الجمركية بدأ الدولار الأميركي يفقد بريقه شيئاً فشيئاً ففي أول 100 يوم من ولاية ترامب انخفض الدولار بنحو 9% تقريبًا وهو أكبر انخفاض في بداية ولاية منذ عقود.
وفي خلال النصف الأول من 2025، هبط المؤشر بمقدار حوالي 10.8% ما يُعد من أسوأ الفترات النصف سنوية للدولار منذ تأسيس المؤشر، هذا يعني أن سياسة ترامب الجمركية أطاحت بالدولار وكانت أكثر وقعاً من حصول الأزمة المالية العالمية!
رسوم ترامب الجمركية تعصف بعملة بلاده!
في 10 فبراير 2025، أعلن الرئيس الأميركي إعادة فرض تعرفات جمركية على الفولاذ والألمنيوم بنسبة 25% وإلغاء الإعفاءات التي كانت موجودة عنها، وفي 2 أبريل 2025 أعلن ما يُعرف بـ “Liberation Day Tariffs” (رسوم يوم التحرير)، حيث وقّع أمراً تنفيذياً أعلن فيه حالة طوارئ تجارية وفرض تعرفة أساسية بنسبة 10% على معظم الواردات بدءاً من 5 أبريل 2025، بالإضافة إلى فرض تعرفات متبادلة خاصة بالدول الأخرى مما أدى إلى تراجع مؤشر الدولار من أعلى مستوياته في 3 سنوات إلى 99.5 نقطة.
واستمر سيل التعرفات الجمركية والمناورات السعرية ما بين أكبر قطبي التجارة في العالم حيث أعلنت الصين عن تشديد القيود على تصدير وإنتاج المعادن الأرضية النادرة الأمر الذي استفز ترامب وعلى إثره أعلن في 10 أكتوبر 2025 عن فرض تعرفات بنسبة 100%على الواردات من الصين، على أن تسري ابتداءً من 1 نوفمبر
وعلى إثرها تراجع الدولار من أعلى مستوياته في شهرين إلى نحو مستويات 98 نقطة قبل أن يتعافى وسط تراجع لهجة تهديدات ترامب.
اقرأ أيضاً: QNB يستبعد حدوث انخفاض حاد في قيمة الدولار الأميركي خلال 2025
وسط انقسام الفدرالي والإغلاق الحكومي..الدولار إلى أين؟
شهد الاحتياطي الفدرالي معاملة قاسية وسط نعت ترامب لمحافظ الفدرالي الأميركي جيروم باول بأنه غير مناسب تماماً لمنصبه وعليه أن يستقيل! ترامب يرى أنه يجب خفض معدلات الفائدة متجاهلاً التضخم المتسارع والبعيد كلياً عن هدف الفدرالي المتمثل بـ2% ورغم ذلك لم يستجب الاحتياطي الفدرالي لرغبة ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول صرَح علناً أنه لن يستقيل إلا بعد انتهاء ولايته في مايو 2026 وعلى ذلك شهد الفدرالي انقسام بين أعضاءه حول قرار الفائدة إلى أن خلص بخفض الفائدة في سبتمبر لأول مرة منذ ديسمبر 2025 بمقدار 25 نقطة أساس أي بعد 9 أشهر من التثبيت.
ومع بدء الإغلاق الحكومي في أكتوبر 2025 هبط الدولار إلى أدنى مستوى أسبوعي تقريبًا مقابل العملات الكبرى، بضغط من المخاوف بشأن البيانات المفقودة وتأثيرات الإغلاق على النمو الاقتصادي.
بعض التحليلات تشير إلى أن الإغلاق قد لا يغير المسار الكلي للدولار كثيرًا إذا بقيت توقعات خفض الفائدة قائمة، لكنه يُسهم في زيادة التقلبات، ففي الإغلاقات الحكومة السابقة، لوحظ أن الدولار قد يفقد نحو 1–2% مؤقتًا خلال فترة الإغلاق قبل أن يتعافى بعد التوصل لاتفاق ومنذ بداية أكتوبر وحتى الآن الدولار مازال يقاوم وسجل ارتفاعاً باكثر من 1%.
هل يبقى الدولار ملاذ المستثمرين الأخير؟
مازال الدولار الأميركي يثبت مكانته كملاذ آمن عالمي بفضل حجمه، وعمق أسواقه المالية، وثقة المستثمرين في قوة الاقتصاد الأميركي ومؤسساته. فعندما تتصاعد المخاطر الجيوسياسية أو تتراجع السيولة في الأسواق، تتجه التدفقات نحو الأصول المقومة بالدولار، وخاصة سندات الخزانة الأميركية التي تُعد الأكثر أمانًا وشفافية. هذه المكانة تجعل الدولار يرتفع غالبًا في فترات التوتر حتى لو كانت الولايات المتحدة في قلب الأزمة نفسها، كما حدث في فترة الاضطرابات الأخيرة. وبينما تتغير موازين الاقتصاد العالمي، يبقى الدولار مرجع الثقة الأول ومقياس المخاطر في النظام المالي الدولي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي