فيديليتي بين المنافسة والريادة.. هل تواصل هيمنتها على أموال الأميركيين؟

نشر
آخر تحديث
فيديليتي بين المنافسة والريادة.. هل تواصل هيمنتها على أموال الأميركيين؟

استمع للمقال
Play

حين استعدّ إدوارد جونسون، مؤسّس شركة «فيديليتي للبحوث والإدارة»، لتسليم دفة القيادة إلى نجله نِد في سبعينيات القرن الماضي، قدّم له نصيحة حكيمة: «عارِض التفكير التقليدي».

في ذلك الوقت، كانت الشركة التي تتخذ من بوسطن مقراً لها تركّز أساساً على إدارة الأصول، وقد بنت سمعتها على مديري الصناديق البارزين الذين اشتهروا بقدرتهم على انتقاء الأسهم. وعندما تولّى نِد القيادة، كانت الشركة تدير أصولاً بقيمة 4.8 مليار دولار فقط، وهو رقم يقلّ كثيراً عن منافسين مثل «تي رو برايس».

أمّا اليوم، فقد أصبحت «فيديليتي إنفستمنتس» —بعد إعادة تسميتها— تشرف على أموال عملاء تتجاوز قيمتها 16.4 تريليون دولار، وتدير مباشرةً أصولاً بقيمة 6.4 تريليون دولار، ما يجعلها واحدة من أكبر شركات إدارة الأصول في العالم. وقد بلغت إيراداتها العام الماضي 32.7 مليار دولار، بزيادة 16% عن عام 2023، أي أعلى بأكثر من 50% من إيرادات «بلاك روك» — أكبر مدير أصول مُدرَج في العالم.

 

اقرأ أيضاً: كيف تعتمد شركات إدارة الأصول على الذكاء الاصطناعي في قرارات الاستثمار؟

 

وقالت غوشكا فولدا، رئيسة الأبحاث العالمية في «آي إس إس ماركت إنتليجنس» لفايننشال تايمز: «إنّ حجم «فيديليتي» يشكّل عاملاً رئيسياً في نجاحها، غير أنّ هذا الحجم ترافق منذ وقت طويل مع ما أراه استراتيجية تنويع ذكية، إذ تحوّلت الشركة من مجرّد مُنتِج للاستثمار إلى شريك توزيع للمستشارين الأفراد ومستشاري التقاعد».

وقد أدّى توجه نِد نحو التوزيع وإدارة خطط ادخار التقاعد للشركات والأفراد إلى ترسيخ وجود الشركة في حياة ملايين الأميركيين، وهو حضور يصعب على معظم مديري الأصول الآخرين مجاراته.

العديد من المنافسين يحاولون اليوم محاكاة هذا النهج؛ فشركة «فانغارد»، التي اشتهرت بالصناديق المتتبّعة للمؤشرات، توسّعت نحو تقديم الاستشارات المالية ومنتجات إدارة النقد، فيما يُشاع منذ فترة طويلة أنّ لاري فينك، الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك»، يدرس الاستحواذ على شبكة توزيع شبيهة بتلك التي تمتلكها «فيديليتي».

وبعد بداية بطيئة، ساهمت توسعة نشاط الشركة في الصناديق السلبية في مضاعفة أصولها المُدارة أكثر من ثلاث مرات منذ أن تولّت أبيغيل «آبي» جونسون —الجيل الثالث من العائلة— منصب الرئيسة التنفيذية عام 2014، متجاوزةً بذلك منافستها التقليدية «ستيت ستريت» في بوسطن.

ولا تزال الصناديق المشتركة المدارة بواسطة خبراء انتقاء الأسهم تشكّل حجر الأساس في أعمال إدارة الأصول لدى «فيديليتي»، غير أنّ اعتمادها المتزايد على المنتجات المتتبّعة للمؤشرات منخفضة التكلفة مكّنها من تجنّب موجات السحب الكبيرة التي عانت منها شركات إدارة الأصول التقليدية الأخرى.

وقال موظّف سابق في الشركة: «لقد تنوّعت «فيديليتي» منذ وقت طويل بعيداً عن إرثها القائم على نجوم مديري الصناديق، رغم أنّ هذا الإرث هو ما أسّس لنموها الأوليّ. لكن آبي هي من سرّعت فعلاً وتيرة هذا التنويع».

وتواجه الشركة حالياً تحدّي التكيّف مع عادات الاستثمار لدى الجيل الأميركي الشاب، الذي يبدو أكثر انجذاباً إلى الأصول ذات المخاطر الأعلى مثل العملات المشفّرة، مقارنة بالصناديق المشتركة التي مثّلت دعامة أساسية لتقاعد آبائهم. وفي المقابل، لم تنجح «فيديليتي إنترناشونال» —وهي ذراع أصغر تعمل خارج الولايات المتحدة— في تكرار نجاح الشركة الأم «فيديليتي إنفستمنتس».

وعلى الرغم من حجمها الضخم وانتشارها الواسع، فإنّ «فيديليتي» تحافظ على حضور إعلامي محدود مقارنة بمديري الأصول المدرجين مثل «بلاك روك» أو المنصات الاستثمارية مثل «تشارلز شواب». وتحتفظ العائلة المالكة في بوسطن بنسبة 49% من أسهم المجموعة، في حين يملك الموظفون النسبة المتبقية، وتتعمد العائلة الابتعاد عن الأضواء.

 

اقرأ أيضاً: "بلاك روك" تحقق مستوى قياسياً في الأصول المدارة عند نحو 13.5 تريليون دولار

 

ورفضت أبيغيل جونسون إجراء مقابلة حول الموضوع، لكنها قالت في بيان عبر البريد الإلكتروني إنّ «المزيج الفريد من أعمال الشركة يمنحها الاستقرار المالي والتشغيلي اللازم لتقديم نتائج ثابتة وخدمة عملاء استثنائية في جميع الظروف السوقية»، مؤكدةً أنّ الشركة ستواصل «الإنصات لعملائها واستشراف احتياجاتهم المتغيّرة».

ويرى ريتشارد سيلا، أستاذ الاقتصاد الفخري في كلية «ستيرن» لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، أنّ القيادة العليا في الشركة «يمكن أن تكون من نجوم الإدارة الذين يتحدثون علناً في القضايا العامة والاقتصادية، ويظهرون على شاشات التلفزيون أو في المناسبات الباذخة»، مضيفاً: «لكن التنفيذيين في «فيديليتي» يفضّلون الابتعاد عن الأضواء والتركيز على عملهم. وربّما يعكس ذلك الطابع البوسطوني المحافظ المتأصّل في تقاليد المدينة البروتستانتية، إلا أنّ هذا النهج يبدو ناجحاً بالنسبة لهم».

 

بدايات «فيديليتي»

 

عود بدايات «فيديليتي» إلى عام 1946، عندما تأسست لإدارة صندوق أسهم أميركي يضم ثروة العائلة.

وبحلول ستينيات القرن الماضي، ومع بروز ما يُعرف بـ«أسهم الخمسين الرائعة»، بات لدى الشركة مجموعة من الصناديق التي تركّز على الشركات سريعة النمو، غالباً بإدارة أسماء معروفة في السوق.

لكن السوق الهابطة في عامَي 1969 وبداية السبعينيات أثّرت سلباً على مديري الأصول الأميركيين، وتراجعت أداءات «فيديليتي» ومبيعاتها بشدّة. وقد وصف نِد تلك الفترة في مقال عام 1996 بأنّها كانت «معركة من أجل البقاء».

وبعد أن تولّى نِد منصبَي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة عام 1977، تسارعت وتيرة التوسّع في «فيديليتي». وعندما أُطلقت خطط التقاعد 401(k) —المستندة إلى بند من قانون الضرائب الأميركي— في العام التالي، كانت الشركة من أوائل من تبنّاها.

وقد اشتهر نِد، الذي توفّي عام 2022، بنزعته الابتكارية حتى لو تعارضت مع الأعراف السائدة؛ إذ أنشأ خط هاتف مجاني يتيح للعملاء شراء المنتجات الاستثمارية مباشرة دون وساطة الوسطاء، وقرّر إطلاق ذراع وساطة للتداول بأسعار مخفّضة عام 1978، إلى جانب افتتاح فروع تتيح للشركة بيع صناديقها وتقديم الإرشاد الاستثماري لعملائها.

خلال تلك الحقبة، اشتهرت «فيديليتي» بمديري صناديقها البارزين مثل جيرالد تساي وبيتر لينش، الذي ارتفعت أصول صندوق «ماغلان» الذي يديره من 29 مليون دولار عام 1977 إلى أكثر من 14 مليار دولار عند تقاعده عام 1990، محققاً متوسط عائد سنوي بلغ 29%.

وقال روباك غوس، المحلّل المستقل، مستذكراً تجربته في برنامج المحلّلين المتدرّبين عام 1999: «أوّل ما تلقّيته في البرنامج كان كتاب لينش الشهير One Up On Wall Street». وأضاف: «لطالما اعتبرتُ «فيديليتي» مديراً نشطاً للأسهم، تماماً كما يُنظر إلى «بلاك روك» باعتبارها رائدة في الإدارة السلبية».

وقد لعبت التكنولوجيا والرقمنة دوراً محورياً في توسّع الشركة ونموّها. إذ يقول موظّف سابق: «كانت «فيديليتي» تستخدم تكنولوجيا متقدّمة للغاية —ما كنّا نسمّيه آنذاك التعلّم الآلي— في تنفيذ العمليات الأساسية والتفاعل مع العملاء قبل أكثر من عقد». وأضاف: «كان ذلك أمراً لا بدّ منه، لأنّ الشركة لم يكن بإمكانها توظيف عدد كافٍ من العاملين لمعالجة حجم أعمالها اليومي».

ويتابع الموظف: «لقد رسّخ نِد ثقافة تميل نحو الأتمتة والكفاءة، وهو ما أسهم بشكل كبير في تعزيز ربحية الشركة». وتنفّذ «فيديليتي» حالياً نحو 4.3 ملايين صفقة يومياً، وتلقّت في الربع الثاني أكثر من 9.4 ملايين مكالمة من العملاء.

وقد منحت خدمات الوساطة «فيديليتي» ميزة فريدة مقارنة بالعديد من منافسيها في الصناديق المشتركة. وقال غوس: «إنها شركة برأسين؛ إذ تمتلك من جهة إدارة أصول تنافس «بلاك روك»، ومن جهة أخرى آلة توزيع قوية». وأضاف: «علامة «فيديليتي» التجارية منتشرة في كل مدينة أميركية، سواء في الإعلانات أو عبر أكثر من 200 مركز للمستثمرين».

 

اقرأ أيضاً: بلاك روك تحذر من مخاطر ارتفاع الدين الحكومي على السوق الأميركية

 

وفي الكواليس، تعمل «فيديليتي» أيضاً كجهة حفظ أمين للأصول، إذ تدير أموال المستشارين الماليين المسجّلين وتقدّم خدمات المقاصة والحفظ لأكثر من 3,400 شركة لإدارة الثروات.

وفي منتصف التسعينيات، كتب نِد جونسون متأملاً حجم التحوّل الذي أحدثه في الشركة: «لو أنّ والدي استطاع أن يرى الشركة اليوم، لقال ربّما إننا أصبحنا أكبر من اللازم ونحاول القيام بالكثير من الأمور»، مضيفاً: «لكنني واثق أنه كان سيُعجب بما أصبحت عليه فيديليتي».

ومن بين أكثر أقسام الشركة ربحية —رغم قلّة الحديث عنها— قطاعها الخاص بسوق التقاعد المؤسّسي. فمنذ عام 1982، تدعم «فيديليتي» خطط التقاعد المعروفة بـ«401(k)» التي تتيح لأصحاب العمل تقديم منتجات ادخار تقاعدية لموظفيهم.

 

الخدمات التي تقدمها فيديليتي

 

ولا تقتصر خدمات الشركة على إدارة صناديق التقاعد، بل تشمل أيضاً حفظ السجلات، أي إدارة بيانات المشتركين مثل المساهمات والمنافع. وتُعدّ اليوم أكبر جهة حفظ سجلات لمواقع العمل في الولايات المتحدة، إذ تخدم 26,500 صاحب عمل، وتتعامل مع نحو نصف الشركات الكبرى المدرجة في قائمة «فوربس 500».

وإلى جانب حفظ السجلات، تقدّم «فيديليتي» خدمات إدارة الديون والاستشارات المالية وخطط الرعاية الصحية، في إطار سعيها لأن تكون «متجراً شاملاً» للشركات.

وغالباً ما يعتمد الموظفون المسجّلون في خطط التقاعد التي تديرها «فيديليتي» على الشركة نفسها لإدارة استثماراتهم الشخصية. وقال ويلسون أوينز، رئيس قسم الاستراتيجية والتخطيط والاستشارات في وحدة استثمار أماكن العمل بالشركة، إنّ «تجربة الاستثمار الأولى للعديد من الأميركيين تكون عبر خطط التقاعد التي يوفّرها أصحاب العمل»، مضيفاً أنّ هؤلاء العملاء «يميلون إلى تمديد علاقتهم معنا لأننا نقدّم لهم حلولاً متكاملة تلبي احتياجاتهم المالية».

ويقول موظّف سابق إنّ لدى الشركة «خبرة تمتدّ لعقود في التنبؤ بعدد العاملين الذين سيتحوّلون لاحقاً إلى عملاء تجزئة لدى فيديليتي».

وكحال منافسيها، تقدّم «فيديليتي» خدمة «التحويل» التي تتيح للعملاء دمج حسابات التقاعد المتعددة التي اكتسبوها من وظائف سابقة في حساب تقاعد فردي مستقلّ، يمكن للشركة من خلاله تقديم خدمات الوساطة والاستشارات المالية.

ويصف جايسون روبرتس، الرئيس التنفيذي لمعهد موارد التقاعد، خدمة التحويل هذه بأنها «الكأس المقدّسة» من حيث توليد الإيرادات الإضافية، قائلاً إنّ «الشركة تمتلك آلية فعّالة للغاية لنقل المشاركين الذين أنهوا خدمتهم من خطط العمل إلى منتجات أو خدمات حسابات التقاعد الفردية». وأضاف: «لقد أتقنت الشركة هذا المجال ببراعة».

وكما كان والدها، لم تتردّد آبي جونسون في تحدّي الأعراف السائدة، إذ دفعت «فيديليتي» نحو مزيد من الانخراط في السوق السلبية رغم تاريخها العريق في انتقاء الأسهم.

وقالت ديبورا فيهر، مؤسسة شركة الاستشارات «إي تي إف جي آي»، إنّ «منعطفاً مهماً تحقق في أغسطس آب 2018، عندما أصبحت فيديليتي أول من يقدّم صناديق مؤشرات مشتركة من دون رسوم إدارة».

واليوم، يعدّ أكبر صندوق تديره الشركة صندوق المؤشر «فيديليتي 500»، الذي بلغت أصوله المدارة 723 مليار دولار بنهاية سبتمبر أيلول، وفق بيانات «مورنينغ ستار دايركت»، ولا يتفوّق عليه سوى الصندوق المماثل لدى «فانغارد» المتخصّصة في الإدارة السلبية.

وتعمل «فيديليتي» مع شركة «جيوود» المتخصّصة في إدارة منتجات المؤشرات، والتي تدير حالياً نحو 1.88 تريليون دولار — جزء كبير منها لصالح «فيديليتي» — مقارنة بنحو 200 مليار دولار قبل عقد واحد فقط.

ورغم الضغوط التي تواجهها صناعة الصناديق المشتركة بسبب البدائل منخفضة التكلفة، لا تزال مجموعة الصناديق النشطة لدى «فيديليتي» تجذب الاستثمارات وتحقق أداءً قوياً في المجمل.

 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة