كيف يحمي الموظفون أنفسهم من خطر التسريح؟

نشر
آخر تحديث
كيف يحمي الموظفون أنفسهم من خطر التسريح؟

استمع للمقال
Play

عندما أدرك مايكل بيرمانا أنّ وظيفته في مجال هندسة البرمجيات لدى شركة «أمازون» باتت مهدّدة، لم يصب بالذعر، بل قرّر أخذ إجازة أبوة.

بدأت مخاوف بيرمانا بشأن استقرار عمله في فبراير شباط 2023، حين وُضع ضمن «خطة تحسين الأداء»، وهي خطوة رآها إشارة واضحة إلى أنّ وظيفته في خطر حقيقي.

وقال بيرمانا، البالغ من العمر 47 عاماً والمقيم في ولاية كاليفورنيا: «كنت يائساً، لأنّ ما سمعته هو أنه بمجرد دخولك في خطة تحسين الأداء، فإنك على وشك الخروج من أمازون».

بدأ البحث فوراً عن عمل جديد، مدركاً أنّ العثور على وظيفة مناسبة قد يستغرق وقتاً، وكان قلقاً من فقدان مصدر دخله في ظل التزامات مالية مثل أقساط الرهن العقاري.

لكن سرعان ما خطرت له فكرة. فقد وُلدت ابنته في مايو أيار من العام السابق، وكان لا يزال يملك بضعة أشهر من إجازة الأبوة قبل أن تنتهي مع بلوغ طفلته عامها الأول. ففكّر أنّه من خلال الابتعاد مؤقتاً عن العمل، يمكنه كسب بعض الوقت وإطالة مدة بقائه في «أمازون» أثناء بحثه عن فرصة جديدة.


وقال: «انتهزت الفرصة عندما أتيحت لي لتأجيل الوقت».

وقد أتت خطته بثمارها. فبعد أقل من شهر على عودته إلى العمل، تلقّى بيرمانا عرضاً لوظيفة مهندس برمجيات لدى شركة «موبايلتي وير» (MobilityWare) المطوّرة لألعاب الهواتف المحمولة.

 

اقرأ أيضاً: الأكبر في تاريخ الشركة.. أمازون تعتزم تسريح 14 ألف موظف

 

رغم أن معدلات التسريح عبر مختلف قطاعات الاقتصاد لا تزال منخفضة مقارنةً بالمستويات التاريخية، فإنّ العاملين في الوظائف المكتبية كانوا الأكثر تضرّراً، فيما جعل التباطؤ في التوظيف من الصعب على كثيرين منهم الحصول على وظائف جديدة.

 

التسريح في عصر الذكاء الاصطناعي


تحدّثت صحيفة «بيزنس إنسايدر» مع عشرات الموظفين الذين سُرّحوا من شركات كبرى تنفّذ تحوّلات استراتيجية، تشمل تقليص المناصب الإدارية، وإعادة توجيه الموارد نحو مبادرات الذكاء الاصطناعي، واستبعاد الموظفين ذوي الأداء المنخفض، وخفض التكاليف على نطاق واسع.

ورغم أن بعض هؤلاء الموظفين كانوا يتوقعون تسريحهم، فإنّ كثيرين آخرين فوجئوا بذلك، مستندين إلى عوامل مثل طول مدة خدمتهم، وعدم وجود مشكلات في الأداء، والوضع المالي القوي على ما يبدو لشركاتهم.

وبدلاً من الاكتفاء بالعمل الجاد وانتظار الأفضل، عمد بعض الموظفين إلى الاستعداد للأسوأ، عبر تبنّي استراتيجيات استباقية مثل البدء المبكر في البحث عن عمل، أو إطلاق مشاريع جانبية، أو حتى العمل في وظيفة ثانية بشكل غير معلن.

وقالت لورا أولريش، مديرة الأبحاث الاقتصادية في مختبر التوظيف التابع لمنصة «إنديد»، إن بعض الموظفين يشعرون بالقلق إزاء أمنهم الوظيفي، لأنّ انخفاض معدلات التوظيف زاد من المخاوف بشأن قدرتهم على إيجاد عمل جديد في حال تعرضهم للتسريح. وأضافت أنّ هذا التحول يبدو أكثر حدّة نظراً إلى أنّ أسواق العمل كانت أقوى بكثير في العديد من القطاعات قبل بضع سنوات فقط.

 

اقرأ أيضاً: نائب الرئيس الأميركي يحذر: كلما طال الإغلاق الحكومي ستكون عمليات التسريح أكبر

 

وأوضحت: «إذا أصبحت عاطلاً عن العمل حالياً، فقد أصبح من الصعب كثيراً العثور على وظيفة جديدة».
كما أشارت أولريش إلى أنّ الزخم الكبير المحيط بتقنيات الذكاء الاصطناعي قد أثار بدوره قلق بعض العاملين بشأن مستقبل وظائفهم، حتى وإن كان الأثر الفعلي لهذه التقنيات لم يتضح بعد بشكل كامل.


الاستعداد للتسريح عبر إطلاق مشروع خاص


بدأ إدواردو نورييغا يشعر بالقلق على أمانه الوظيفي في شركة «مايكروسوفت» عام 2009، حين أعلنت الشركة تسريح نحو خمسة آلاف موظف. ورغم أنّه لم يكن من بينهم، فإنّ التجربة شكّلت بالنسبة إليه جرس إنذار حقيقياً.

قال نورييغا، وهو في الخمسينيات من عمره ويقيم في سياتل: «حين شاهدت موجة التسريحات، أدركت أنّ الأمان الوظيفي مجرّد وهم». وبعد أن درس خياراته، توصّل إلى أنّ أفضل وسيلة لتحقيق الاستقرار المالي هي تأسيس مشروع خاص يمكنه الاعتماد عليه إذا فقد عمله يوماً ما. وأضاف أنّها كانت واحدة من أفضل القرارات المهنية التي اتخذها في حياته.

بحلول الوقت الذي سُرّح فيه من «مايكروسوفت» في مايو أيار الماضي، كان قد أمضى قرابة عقدٍ من الزمن في بناء شركة توظيف خاصة به خارج ساعات العمل، وبدأ يجني منها دخلاً يفوق راتبه كمهندس برمجيات. وقال إنّه كان متردّداً في الاستقالة والتخلي عن الراتب الثابت، لكنّ قرار التسريح منحه الدفعة التي كان يحتاجها للانخراط بالكامل في مشروعه. وأضاف: «لم أجرؤ يوماً على الاستقالة… ثم جاءت «مايكروسوفت» وقدّمت لي التسريح، وكان ذلك بالنسبة لي بمثابة مخرج».

 

تولّي وظائف إضافية وتوسيع شبكة العلاقات المهنية


يقول كثير من العاملين الذين تحدّثت إليهم منصة «بيزنس إنسايدر» إنّ أكبر مخاوفهم تتعلّق بأمنهم الوظيفي، وإنّهم اتخذوا خطواتٍ احترازية بعدما مرّوا بتجارب سابقة من التسريح أو شهدوا تقليصات كبيرة في شركاتهم.

ريد، وهو في الثلاثينات من عمره ويعيش في نيويورك، كان واحداً منهم. فبعد أن فقد أربع وظائف في قطاع التكنولوجيا بين عامي 2020 و2023، أصبح في حالة من القلق الشديد بشأن استقرار مستقبله المهني. وقد تحقّقت «بيزنس إنسايدر» من هويته، لكنه فضّل استخدام اسم مستعار خشية العواقب المهنية.

بعد التسريح الرابع، توصّل ريد إلى ما وصفه بـ«لحظة الإدراك». وقال: «أدركت أن السبيل الوحيد لتجنّب البطالة المتكرّرة هو أن أعمل في وظيفتين في الوقت نفسه».

 

اقرأ أيضاً: 3 مهارات فقط.. ماذا تحتاج لتنجح في بداية حياتك المهنية؟

 

وبحلول مطلع هذا العام، كان ريد يحقّق دخلاً يقارب 280 ألف دولار سنوياً من خلال عمله في وظيفتين بدوامٍ كامل عن بُعد. وأوضح أنّ أسبوع عمله المعتاد يمتدّ نحو 60 ساعة، وأنّ أياً من أصحاب العمل لا يعلم بوجود الوظيفة الأخرى، لكنه يرى أنّ الأمر يستحقّ مقابل الشعور النسبي بالأمان الوظيفي.

وأضاف قائلاً: «أحتاج إلى هاتين الوظيفتين كي أُعيل نفسي وشريك حياتي.. ليس أمامي خيار آخر».

 

الاستعداد مالياً وبدء البحث عن وظيفة جديدة


في وقتٍ سابق من هذا العام، أدّت تغييرات استراتيجية في شركة «إنتل» إلى شعور كينت ها، الذي كان يعمل كاستراتيجي تسويق رقمي، بأن وظائف فريقه مهددة بالخطر. وبعد أن تم تسريحه مرتين خلال العقد الماضي —في 2015 و2020— رغب في تجنّب فترة طويلة من البطالة.

لذلك، تواصل في يونيو حزيران مع مستشاره المالي للاستعداد مالياً، وبدأ في تقديم طلبات التوظيف. وقال: «فكّرت أنّ أسوأ سيناريو هو أن أحصل على عرض عمل آخر وأمتلك خطة احتياطية، وأفضل سيناريو هو أن أحافظ على وظيفتي دون الحاجة إلى أي تغييرات».

وعندما حدث التسريح المخوّف في يوليو تموز، كان ها بالفعل في منتصف عملية البحث عن وظيفة جديدة، ويقول إنه سعيد لأنه بدأ التحضير مسبقاً.

 

الادخار كوسيلة لتخفيف القلق بشأن الأمان الوظيفي


بالنسبة لبعض الموظفين، يكون أفضل طريق لتخفيف مخاوفهم بشأن الأمان الوظيفي هو تكوين مدخرات تساعدهم على الصمود أثناء فترة البطالة، أو تمنحهم الحرية لمغادرة وظيفة لا يشعرون فيها بالاستقرار.


فيل كوتشمان، الذي كان يعمل مهندس حلول سحابية أول في «مايكروسوفت»، قال إنّ موجة التسريحات التي نفّذتها الشركة عام 2023 أثارت مخاوف كبيرة بشأن مستقبله الوظيفي، وتبع ذلك شعوره بعدة إحباطات في عمله.

وفي يوليو تموز 2024، بدأ يبحث عن فرصة جديدة. وقال كوتشمان، الذي يعيش في بنسلفانيا ويبلغ من العمر في الأربعينات: «لم أعد أشعر بالسعادة هناك… أردت أن أواصل صنع أشياء رائعة دون هذا الخوف المستمر من فقدان وظيفتي كل أسبوع».

 

اقرأ أيضاً: الشركات تعلّق عمليات تسريح الموظفين على شماعة الذكاء الاصطناعي

 


ومع ذلك، أثبتت عملية البحث عن وظيفة جديدة أنها تحدٍّ صعب، وفي يناير كانون الثاني من هذا العام قرّر الاستقالة للتركيز على البحث عن عمل جديد. وأوضح أنّ «صندوق الطوارئ» الذي بناه على مدار السنوات ساعده على اتخاذ هذا القرار بثقة. وقال: «كان لديّ ما يكفي من المدخرات بحيث لو استغرق الأمر سنة للعثور على وظيفة جديدة، سأكون بخير… كل ما كان مطلوباً هو الشجاعة لأخذ هذه الخطوة».

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة