العولمة الصينية: من الممرات الكبرى إلى ممر البوتاسيوم

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

بقلم - مصطفى فهمي أبو العلا

رئيس تنفيذي للاستراتيجيات في شركة فورتريس للاستشارات في قطر

 

لم تعد الصين ترى العالم من منظور "المركز والأطراف "الذي ساد في العولمة الغربية منذ الحرب العالمية الثانية، حين احتكر عددٌ من الدول الغربية القرار الاقتصادي والسياسي العالمي، ولكن سعت بكين إلى صياغة عولمةٍ خاصة بها، تقوم على المصالح المتداخلة بين الدول والشعوب بدل الإملاء، وعلى التعاون بدل الفرض.


لا تهدف الصين إلى تقويض الغرب، بل إلى إعادة توازن النظام الدولي عبر هندسةٍ جديدة تُدار بالحوار والتفاهم لا بالمواجهة. فالعالم في رؤيتها ليس هرمًا تُدار قمته من طرفٍ مهيمن، بل شبكةٌ تتكامل فيها الدول وفق مبدأ المنافع المتبادلة واحترام الخصوصية الاقتصادية والجغرافية لكل طرف.


وترتكز هذه الفلسفة على ما تسميه بكين "الإدارة الشبكية للعلاقات الدولية" أي إدارة العلاقات بين الدول من خلال تشابك المصالح لا تطابق المواقف، فحتى في حال الخلاف في بعض الملفات السياسية أو الجيوسياسية، تظل الشبكة الاقتصادية والبنيوية المشتركة هي العامل المنظِّم الذي يمنع التصادم ويحافظ على الاستقرار، لأن أي اختلالٍ فيها لا يضر طرفًا واحدًا، بل يُصيب المنظومة بأكملها.

وهنا لا يمسّ الخلل دولةً أو اثنتين فحسب، بل يمتد أثره إلى كل من في الشبكة وعلى رأسهم الصين، التي تُدرك أن قوتها لا تنفصل عن استقرار الشركاء وتوازن المنظومة الكلية. فالصين، رغم كونها مركز العقدة في هذه الشبكة، ليست في موقع الهيمنة، بل في موقع المسؤولية لأنها الأشد تأثرًا إذا اختل التوازن، والأكثر التزامًا بالحفاظ عليه. وهكذا يتحول الترابط الاقتصادي إلى آليةٍ لإدارة العلاقات الدولية واستدامتها عبر توازن المصالح


وفي جوهرها، تُجسّد هذه الرؤية امتدادًا لفلسفة الانسجام في الفكر الشرق اسيوي الحديث، حيث يُنظر إلى العالم كمنظومة توازنٍ لا ساحة صراع، وتُمارَس القيادة بوصفها تنسيقًا لا هيمنة. وقد وجدت هذه الفلسفة تطبيقها الأوضح في مشروعات الربط الكبرى، وعلى رأسها شبكة الممرات الكبرى التي تحوّلت من بنيةٍ تحتية إلى هندسةٍ جديدةٍ للعلاقات الدولية لتغدو الجسر المادي الذي تجسّد من خلاله الصين رؤيتها لعولمةٍ تقوم على الترابط والمصالح المشتركة.

الممرات الست الكبرى: الأداة المادية للعولمة الصينية

تقف شبكة الممرات والبنى التحتية في قلب الفلسفة الصينية للعولمة بوصفها الأداة المادية التي حوّلت الرؤية إلى واقعٍ ملموس فهي لا تقتصر على السكك الحديدية، بل تمتد لتشمل مشروعات الربط بأنواعها المختلفة - البرية والبحرية والجوية - إلى جانب منظومات الطاقة والطرق والموانئ والاتصالات تمثل هذه الشبكة بنيةً استراتيجية متكاملة تُعيد تنظيم حركة التجارة والتنمية عبر القارات، وتمتد من شرق آسيا إلى أوروبا وإفريقيا، لتجعل من الصين محورًا شبكيًا عالميًا تتحرك فيه التجارة كما تتحرك الطاقة في الدوائر المتصلة. (وسنتناول في مقال لاحق مشروعات الربط الصيني مع إفريقيا)


تغطي الشبكة اليوم 33 دولة تمتد من كوريا الجنوبية شرقًا إلى تركيا غربًا، ومن روسيا شمالًا إلى سنغافورة جنوبًا، وتربط الاقتصادات الكبرى بالدول النامية في منظومة ترابط غير مسبوقة وتشمل دولًا رئيسية مثل لاوس، تايلاند، كمبوديا، ماليزيا، سنغافورة، فيتنام، ميانمار، باكستان، إيران، كازاخستان، أوزبكستان، منغوليا، روسيا، تركيا، نيبال، سريلانكا، أذربيجان، الهند، إندونيسيا، بنغلاديش، جورجيا وأرمينيا.


أسهم هذا الامتداد في خفض زمن الشحن بين الصين وأوروبا بنسبة 65%   محوّلًا الممرات إلى جسورٍ استراتيجيةٍ تُعيد رسم الجغرافيا السياسية والاقتصادية على أسس الترابط والتوازن في شبكةٍ تغطي أكثر من نصف الناتج الآسيوي وتعمل بعض الممرات بكامل طاقتها وأخرى جزئيًا، فيما لا يزال بعضها قيد التنفيذ ضمن رؤيةٍ طويلة الأمد تمتد حتى منتصف القرن الحادي والعشرين تجسيدًا لفلسفة الصين في البناء التدريجي والترابط المتكامل
   
 ستة ممرات… شبكة العولمة الجديدة


1- الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان - الجسر إلى المحيط الهندي


يُعدّ حجر الزاوية في مشروع الحزام والطريق. يمتد على أكثر من 3,000 كيلومتر من كاشغر في شينجيانغ إلى ميناء جوادر في باكستان على بحر العرب، باستثمارات تجاوزت 60 مليار دولار أمريكي. وهو أول ممر يمنح الصين منفذًا مباشرًا إلى المياه الدافئة، ساهم في تقليل زمن الشحن من 45 يومًا إلى 10 فقط. هذا الممر يُعتبر من أنضج الممرات، إذ يعمل بكامل طاقته ويشكل نموذجًا للتكامل الإقليمي بين الطاقة والبنية التحتية والتصنيع.

 

2- الجسر البري الأوراسي - شريان الصين نحو أوروبا


يمتد على أكثر من 11,000 كيلومتر من شرق الصين إلى بولندا وألمانيا مرورًا بكازاخستان وروسيا، مختصرًا زمن الشحن من 45 يومًا بحرًا إلى 15 يومًا بالقطار، مع أكثر من 1,000 رحلة سنويًا. يُعدّ هذا الجسر الشريان التجاري الأهم بين آسيا وأوروبا، ويعمل فعليًا بكامل طاقته التجارية، مكرسًا التحول من العولمة البحرية إلى عولمة برية تربط أسواق الشرق بالغرب بسرعة وكفاءة غير مسبوقة.


3- ممر الصين-شبه جزيرة الهند الصينية - القلب النابض لآسيا


يربط الصين بكلٍّ من لاوس وتايلاند وكمبوديا وماليزيا وسنغافورة عبر شبكة بطول يقارب 5,500 كيلومتر. وهو الممر الجنوبي الأهم في آسيا، حيث يدمج الموانئ البحرية في جنوب شرق القارة بالمراكز الصناعية في الصين. خفّض التكاليف التجارية ورفع كفاءة النقل، ويعمل حاليًا جزئيًا من خلال خط الصين - لاوس الفعّال الذي يجسد المرحلة الأولى من الممر الذهبي، في حين تتواصل أعمال التمديد إلى باقي دول آسيان.


4- ممر الصين - منغوليا - روسيا - محور الشمال الجديد

يمتد بطول 2,200 كيلومتر بين بكين وموسكو مرورًا بمنغوليا ساهم في خفض تكاليف النقل بنسبة 35% وتقليل الانبعاثات الكربونية بـ 25% مقارنة بالطرق التقليدية، ويُعدّ الآن في مرحلة التشغيل الجزئي مع توسع التعاون اللوجستي بين الشمال الصيني والروسي.

كما عزّز التكامل بين الاقتصادات الشمالية في آسيا، وربط الأسواق الروسية بالأقاليم الصناعية الصينية عبر خطوط نقل متطورة ذات قدرة سنوية تتجاوز 100 مليون طن من البضائع.

5- ممر الصين-آسيا الوسطى-غرب آسيا طريق الحرير الحديث

يُعدّ هذا الممر الأوسع من حيث الامتداد الجغرافي، إذ يبدأ من مدينة شيآن في الصين ويتجه غربًا عبر كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وإيران وصولًا إلى تركيا، ليخدم أكثر من 15 دولة بإجمالي ناتجٍ إقليمي يتجاوز 20 تريليون دولار أمريكي.
يمثّل هذا الممر الجسر البري الجديد نحو الشرق الأوسط وأوروبا، ويُعيد إحياء طريق الحرير التاريخي من خلال الجمع بين النقل البري والسكك الحديدية والموانئ الجافة والمناطق اللوجستية في منظومة متكاملة.


ورغم أن بعض مقاطعه دخلت فعليًا في مرحلة التشغيل، لا سيّما بين الصين وكازاخستان، فإن الممر يعمل جزئيًا حتى الآن، مع تقدّمٍ ملحوظٍ في تطوير البنية التحتية داخل إيران وتركيا.

6- ممر بنغلاديش-الصين-الهند -ميانمار بوابة الجنوب الغربي
بطول نحو 1,800 كيلومتر، يبدأ من يونّان الصينية ويمر عبر ميانمار إلى الهند وبنغلاديش وصولًا إلى خليج البنغال. يهدف إلى تنويع طرق التجارة الصينية بعيدًا عن مضيق ملقا ويمنح منفذًا استراتيجيًا آمنًا على المحيط الهندي. ما يزال هذا الممر في طور التخطيط والدراسات، لكنه يُعتبر محور المستقبل في الربط بين جنوب آسيا وجنوب شرقها

كيف استفادت الصين من تلك الممرات؟
الصين ولاوس - ممر البوتاسيوم نموذجًا للعولمة الصينية
يُعدّ البوتاسيوم أحد العناصر الاستراتيجية للأمن الغذائي والصناعي العالمي، إذ يُستخدم في الأسمدة الزراعية والصناعات الكيماوية والزجاج والأدوية ويدخل في ملح الطعام وبطاريات الطاقة وبفضل دوره المحوري في الزراعة الحديثة، يُنظر إليه كـ “نفط الغذاء”، وأي اضطراب في إمداداته ينعكس مباشرةً على أسعار الغذاء عالميًا.

ورغم ضخامة اقتصادها، لا تمتلك الصين سوى أقل من 4% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من البوتاسيوم، ومعظمها في بحيرات ملحية يصعب استخراجها. لذا اعتمدت لعقودٍ على استيراده من أمريكا الشمالية، خصوصًا كندا التي تمتلك نحو 23% من الاحتياطي العالمي، مما جعلها عرضةً لضغوطٍ اقتصادية من الغرب وقد برزت هذه الهشاشة بوضوح خلال الحرب التجارية الأولى في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين استُخدم ملف الأمن الغذائي كورقة ضغطٍ مباشرة ضد بكين.

ردّت الصين ببناء خط السكك الحديدية بين كونمينغ الصينية والعاصمة اللاوسية فيينتيان، الذي افتُتح في ديسمبر 2021 بطول 1,035 كيلومترًا وسرعة تشغيل تبلغ 200 كيلومتر في الساعة ولم يكن المشروع مخصصًا للنقل فقط، بل خُطط ليكون ممرًا استراتيجيًا يؤمّن الموارد الحيوية ويعزز الترابط الاقتصادي ضمن رؤية "العولمة الصينية" خلال أربعة أعوام، نقل الخط أكثر من 56 مليون طن من البضائع، بينها 13 مليون طن عابرة للحدود، وخفّض تكاليف الشحن بين 30% و50%، وحوّل لاوس من دولة محدودة البنية التحتية إلى محور تجاري إقليمي في "الممر الذهبي" الذي يربط الصين بـ تايلاند وكمبوديا وماليزيا وسنغافورة.

ووفقًا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تتركز 78.5% من احتياطيات البوتاسيوم في كندا، لاوس، روسيا، وبيلاروسيا ثلاثٌ منها اليوم شريكةٌ للصين ضمن مبادرة الحزام والطريق وهكذا أفقد المشروع الولايات المتحدة وحلفاءها ورقة ضغطٍ اقتصادية مهمة في سوق الموارد الزراعية، وأعاد رسم شبكة الموارد العالمية على أساس الترابط لا الاحتكار، محوّلًا إحدى نقاط الضعف التاريخية للصين إلى ركيزةٍ من ركائز استقلالها الاقتصادي والسياسي.

إن ما فعلته الصين في لاوس يتجاوز الاستثمار في السكك الحديدية أو تأمين الموارد فهو تجسيدٌ عملي لفلسفة العولمة الصينية القائمة على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء القوة عبر الترابط والتكامل. ومن خلال “ممر البوتاسيوم”، لم تُحصّن الصين أمنها الغذائي فحسب، بل قدّمت نموذجًا جديدًا للسيادة الاقتصادية يقوم على توازن المصالح واستدامة التعاون.

يونّان: قلب شبكة العولمة الصينية

تقع مقاطعة يونّان في جنوب غرب الصين، وتحدّها لاوس وفيتنام وميانمار، ما يجعلها البوابة البرية الجنوبية للصين نحو جنوب شرق آسيا. عندها تتقاطع الممرات الستة الكبرى لمبادرة "الحزام والطريق"، فتغدو محور الربط الجغرافي والاقتصادي الأهم بين الصين القارية ودول آسيان، وبين الممرات البرية المتجهة إلى أوروبا والبحرية المتصلة بالمحيط الهندي.

تتمتع يونّان بموقع استثنائي داخل دائرة الطيران الخمسية إذ تستطيع الطائرة المنطلقة من كونمينغ الوصول إلى معظم العواصم الآسيوية خلال خمس ساعات، ما جعلها مركزًا طبيعيًا للتجارة واللوجستيات الإقليمية وقد استثمرت الصين في المقاطعة أكثر من 21 مليار يوان عبر 64 مشروعًا صناعيًا، مع توسّع متواصل في التعاون مع دول نهر ميكونغ ميانمار، تايلاند، لاوس، كمبوديا، فيتنام فيما أصبح ميناء موهان البوابة البرية الأولى نحو آسيان.

ومع اكتمال الربط بين الجسر الأوراسي والممر البري - البحري الدولي، تحوّلت يونّان إلى معبر يصل بين المحيطات الثلاثة، مجسّدة التحوّل الاستراتيجي للصين من دولة داخلية إلى محور متعدد الأبعاد للتجارة والنقل الدولي، وقلبٍ نابضٍ للعولمة الصينية القائمة على الترابط والتكامل.

الخاتمة 
لقد قدّمت الصين من خلال شبكتها الواسعة نموذجًا لما يمكن تسميته بـ العولمة المتوازنة، حيث تتوزع المنافع بين الشركاء، ويصبح الترابط وسيلةً لإدارة المصالح في عالمٍ تتزايد فيه التنافسية والصراعات. ومع كل خطٍ حديدي أو ممرٍ للطاقة أو طريقٍ بحري، تُعيد بكين رسم ملامح تفاعلٍ عالميٍّ يقوم على الترابط العملي والتكامل الاقتصادي، لا على المواجهة والانقسام.

وتُظهر التجربة الصينية أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد في الصدام أو الغلبة، بل في القدرة على بناء التحالفات وحل الخلافات عبر المصالح المشتركة. فمشروعات الربط الممتدة عبر القارات ليست مجرد بنى تحتية من الحديد والخرسانة، بل لغة جديدة للعلاقات الدولية تُعبّر عن فكرةٍ أعمق: أن التنمية لا تزدهر إلا حين تكون مشتركة، وأن النفوذ لا يُصان بالقوة، بل بالتواصل والتوازن.

أما في العالم العربي، فتقدّم هذه التجربة درسًا عمليًا في أهمية بناء شبكاتٍ إقليميةٍ مترابطةٍ من الممرات المختلفة السكك الحديدية، والطرق الدولية، والموانئ البحرية تقوم على المصالح المشتركة، وتربط الاقتصادات العربية ضمن منظومةٍ متكاملةٍ تدعم التنمية الجماعية. فكما جعلت الصين من الترابط وسيلةً لتعزيز أمنها ونموها، يمكن للعالم العربي أن يصوغ نموذجه الخاص من العولمة المستندة إلى التعاون والتكامل، بما يعزّز قوته الاقتصادية ومكانته في النظام الدولي الجديد.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة