في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية، صرّح وزير الرياضة الإماراتي ورئيس وكالة الإمارات للفضاء، أحمد بالهول الفلاسي، بأن الإنفاق التجاري في الفضاء ارتفع خلال العام الجاري بنسبة 30% ليصل إلى 45% من إجمالي الإنفاق، بينما كان القطاع في بداياته يعتمد بما يتراوح بين 80% إلى 90% على الإنفاق الحكومي، وذلك قبل أن يصل اليوم إلى مستوى متوازن يتراوح بين 45% و55%، معتبراً هذا التغير مؤشراً إيجابياً في التوازن بين القطاعين الحكومي والتجاري.
وفي حديثه، أضاف الفلاسي أن الجامعات والمراكز البحثية في الإمارات شهدت نمواً بنسبة 15% خلال العام الجاري 2025، ما يسهم في تعزيز الكفاءات العلمية الداعمة لنمو قطاع الفضاء.
وقال رئيس وكالة الإمارات للفضاء لـ CNBC عربية، إن الفضاء قطاع شيق بطبيعته، وإن مشاريع استكشاف الفضاء تعزز ترابط المجتمع وتلهم الأجيال الجديدة، مؤكداً أن دولته تعمل على بناء اقتصاد فضائي مستدام ومتكامل.
وبسؤاله عن خطط تصنيع المكونات محلياً، كشف عن أنه تم افتتاح مؤخراً شركة Orbit Works المتخصصة في تصنيع الأقمار الاصطناعية في منطقة كيزاد التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي، وقد جاء أول طلب على منتجات الشركة من دولة في شرق أوروبا، ما يعكس الثقة في القدرات التصنيعية الإماراتية.
اقرأ أيضاً: مقابل 22 مليون دولار.. موانئ أبوظبي تشتري حصة أقلية في محطة حاويات اللاذقية بسوريا
وأشار إلى أن مصنع Orbit Works تم تمويله بالكامل من المستثمر، موضحاً في الوقت نفسه أن البنوك لا تزال متخوفة من الاستثمار في قطاع لا تفهمه جيداً، وهي إحدى التحديات التي تواجه الاستثمار في قطاع الفضاء.
وفي ذات السياق، أوضح الفلاسي أن الدخول إلى قطاع الفضاء ليس سهلاً نظراً لارتفاع التكاليف، ولهذا تبدأ معظم الشركات الخاصة عادة بخدمات تحليل البيانات لأنها أقل تكلفة، بينما تُعد مرحلة الصناعة والإطلاق أكثر تعقيداً لارتفاع تكلفتها، وذلك على حد قوله.
وتتشارك وكالة الإمارات للفضاء مع شركة Space42 -مثلاً- لتقديم منصة بيانات متطورة يستفيد منها رواد الأعمال والشركات الناشئة.
ولا تقف الخطط عند هذه الشركات فحسب، بل تستهدف الخطة الإماراتية مشاريع تغطي سلسلة الإمداد كاملة، من صناعة المحركات والصواريخ وصولاً إلى الأقمار الاصطناعية، وفق ما ذكره الوزير ورئيس وكالة الفضاء لـ CNBC عربية.
والذي أضاف أيضاً أن الإمارات استقطبت بالفعل شركتين متخصصتين في تصنيع محركات الصواريخ باستخدام الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن دولته تمتلك كفاءات عالية، وتفتح فرصاً واسعة في أسواق متعددة، خاصة في ظل اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي أبرمتها مع عدة دول -ولا تزال مستمرة في توقيع المزيد.
وأكد الفلاسي لـ CNBC عربية أن رؤية الوكالة هي بناء اقتصاد فضائي مستدام، وأن تكون الإمارات الوجهة الأولى للشركات ورواد الأعمال في قطاع الفضاء.
ووكالة الإمارات للفضاء هي هيئة اتحادية مستقلة، تم إنشاؤها في عام 2014، وكان المرسوم بقانون اتحادي رقم 47 لسنة 2023 بشأن إعادة تنظيمها قد منحها عدة صلاحيات وأنشطة، منها اقتراح السياسات والاستراتيجيات والتشريعات، وإصدار الموافقات والتصاريح للأنشطة الفضائية وذات الصلة، والعمل على إنشاء مشاريع استثمارية وإدارتها على أسس اقتصادية، ودعم وتطوير المرافق والبنية التحتية اللازمة لتقنيات القطاع الفضائي.
وخلال المقابلة التي أُجريت في مقر وكالة الإمارات للفضاء بالعاصمة الإماراتية أبوظبي، كشف رئيسها عن أن عدد الشركات المسجلة ضمن برنامج المناطق الحرة الفضائية وصل اليوم إلى 200 شركة، وأن العمل جارٍ حالياً على إنجاز الاستراتيجية الجديدة للقطاع حتى عام 2031، والتي ستعزز مساهمة القطاع الخاص وتسرّع دخول شركات القطاع الخاص إلى الدولة.
هذا ومن المتوقع اعتماد الاستراتيجية الجديدة للقطاع قبل نهاية العام.
وفي المرحلة التمهيدية لإعداد الاستراتيجية الجديدة، تستمع وكالة الفضاء لمقترحات واحتياجات الشركات قبيل إصدارها بشكل نهائي.
ومن بين طلبات المستثمرين، كما قال الفلاسي، إنشاء منصة لاختبار محركات الصواريخ لتكون متاحة لجميع الشركات الخاصة، ولا مانع من الاستثمار في هذا الشق حسب الجدوى الاقتصادية.
وبرنامج مناطق الفضاء الاقتصادية الذي تطوره الوكالة لدعم الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة يقدم عدة مبادرات، منها المختبرات الفضائية ومجموعة محفزات اقتصادية مثل التصريح السريع.
وبالعودة إلى ملف التمويلات، أضاف وزير الرياضة الإماراتي ورئيس وكالة الإمارات للفضاء أن صندوق الفضاء الإماراتي -بقيمة 3 مليارات درهم- يستهدف تطوير القدرات ودعم البرامج الهادفة إلى تعزيز اقتصاد الفضاء، إضافة إلى تخصيص جزء من موارده للاستثمار المباشر في الشركات أو تقديم منح لها.
ويشهد القطاع الفضائي في الإمارات تطوراً وتوجهاً ملموساً لإشراك القطاع الخاص، خاصة في مجال الاستشعار عن بُعد والاتصالات.
ومن جانب آخر، لدى الدولة مصرف الإمارات للتنمية، والذي يستثمر في الشركات التي تحقق 30 أو 40 مليون درهم من الإيرادات، بما يساعدها على النمو.
لكن وبحسب أحمد بالهول الفلاسي، التحدي الأصعب أمام رواد الأعمال في قطاع الفضاء هو الاستمرارية والحصول على عقود، وليس التمويل.
ويتابع رئيس وكالة الإمارات للفضاء قائلاً لـ CNBC عربية: "إن الإمارات تستحوذ على نصف رؤوس الأموال المستثمرة في قطاع الفضاء بمنطقة الشرق الأوسط".
لكن الشركات الناشئة تواجه صعوبة في دخول الأسواق والحصول على عقود بسبب الاحتكار للمهام الفضائية على الصعيد العالمي من قبل عدد محدود جداً من الشركات القادرة على تنفيذ الإطلاق.
والمثل القائل "أهل مكة أدرى بشعابها" ينطبق كثيراً هنا، إذ تولّى الفلاسي في عام 2021 منصب وزير دولة لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما يجعله من الأكثر خبرة وفهماً لاحتياجاتها ولتذليل العقبات وتسهيل الإجراءات.
وبشكل أكثر شرحاً وتفصيلاً، أشار الفلاسي إلى أن قطاع الفضاء بطبيعته عالي المخاطر ومرتفع التكاليف، مستشهداً بتجارب مثل SpaceX التي واجهت فشلاً مكلفاً في العديد من صواريخها، ومشدداً على أن دعم الحكومات يلعب دوراً محورياً في نجاح الشركات الخاصة، تماماً كما حدث مع SpaceX وBlue Origin -على سبيل المثال- اللتين استفادتا من عقود ضخمة مع وكالة NASA بعد قرارها بخصخصة نقل الحمولات إلى محطة الفضاء الدولية.
ويضيف رئيس الوكالة أن لدى الإمارات مشاريع كبرى في القطاع، مثل مسبار الأمل، الذي أثبت قدرة الدولة على قيادة مهمات علمية معقدة، مذكّراً بأن المسبار كان من المفترض أن يعمل لمدة عامين فقط لكنه استمر 4 سنوات وأنجز فوق طاقته، وجمع 9 تيرابايت من البيانات.
جدير بالذكر أن مسبار الأمل انطلق في مهمته بتاريخ 20 يوليو تموز 2020 ووصل إلى المريخ بنجاح عام 2021.
كما أشار إلى مشروع الكويكبات الذي يمتد على 15 عاماً، منها 8 سنوات من التطوير و7 سنوات من التشغيل.
وتعد مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات أول مهمة على الإطلاق لدراسة 7 كويكبات في حزام الكويكبات الرئيسي، بحسب موقع وكالة الإمارات للفضاء.
وتهدف إلى بناء فهم لخصائصها وأصولها وتطورها وخلق فرص اقتصادية ومجالات جديدة للشركات الناشئة الإماراتية والدولية بالدولة، مع موعد إطلاق المهمة في الربع الأول من عام 2028.
ومن مسبار الأمل إلى مشروع حزام الكويكبات وخليفة سات ومشروع سرب للأقمار الاصطناعية الرادارية والمستكشف راشد وغيرهم، تعمل الإمارات على تحقيق توازن بين مشاريع الاستكشاف وتطوير الأقمار الاصطناعية، وفق تأكيد الوزير.
يُذكر أن الإمارات أطلقت خليفة سات كأول قمر اصطناعي مصنوع بالكامل بخبرات محلية.
ومن مشروع إلى آخر، يرى الفلاسي أن مشروع "سرب" شكّل نقلة نوعية من خلال نقل التكنولوجيا بنسبة 100%، والذي يمتد إلى 6 سنوات.
وبالأرقام، فإن هذه المشاريع وغيرها تنعكس على الملتحقين بالتخصصات العلمية بشكل جلي، فمثلاً وليس حصراً، مشروع مسبار الأمل أحدث حراكاً علمياً، إذ ارتفعت نسبة الطلبة الملتحقين بالتخصصات العلمية بنسبة 30%، خاصة من الإناث، وذلك بعد ثلاث سنوات من إطلاقه، كما ذكر الفلاسي الذي شغل منصب وزير التربية والتعليم في الفترة من 2022 حتى 2024، كما شغل وزير دولة لشؤون التعليم العالي بين عامي 2016 إلى 2020.
ومن الداخل إلى الخارج، يؤكد الفلاسي أن الإمارات لا تعمل على أجندتها فقط، بل تشجع المنطقة على التحرك في الاتجاه نفسه، بما يعزز من جاذبيتها ككل.
وعربياً، يشير رئيس وكالة الفضاء إلى أن الإمارات تقود مشروع القمر الاصطناعي العربي 813 لأغراض بيئية، وذلك بمشاركة 9 دول عربية بهدف التدريب العملي، متوقعاً إطلاق القمر نهاية العام، وموضحاً أن كل الدول المشاركة ستحصل على بياناته.
ويُعتبر القمر الاصطناعي العربي 813 فريداً من نوعه بين الأقمار الاصطناعية الطيفية من ناحية الوزن والحجم والكفاءة، وسيساعد في الحصول على رسم الخرائط البيئية وحالة المحاصيل ونوعية المياه الداخلية وانتشارها وتآكل الأرض وحالة مواقع التعدين.
وبسؤاله عن الخطط من القمر إلى الفضاء العميق، رد بأن الإمارات تتعاون مع مجموعة Artemis لتعزيز التعاون وتوحيد المعايير في استكشاف الفضاء، مشيراً إلى أن 80% من الدول ضمن Artemis تتجه للتركيز على استكشاف القمر قبل المريخ، وأن الإمارات تعمل على مشروع ضمن المحطة القمرية المستقبلية من خلال تطوير "البوابة".
يشار إلى أن اتفاقيات Artemis تستند إلى معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، وتقودها الولايات المتحدة الأمريكية مع أستراليا وكندا وإيطاليا واليابان ولوكسمبورغ والإمارات والمملكة المتحدة.
وحتى أكتوبر 2024، بلغ عدد الموقعين على الاتفاقيات 46 دولة.
وحول ملف التعدين في الفضاء، قال إن الإمارات كانت من أوائل الدول التي قدمت قانوناً يجيز ويسمح باسترداد المعادن من الفضاء، كما يهدف مشروع حزام الكويكبات إلى الهبوط على أحد الكويكبات ودراسة موارده، في وقت تتوسع فيه شركات عالمية في الاستثمار بتعدين الكويكبات لما يحمله من عوائد مستقبلية.
اقرأ أيضاً: الإمارات تعتمد موازنة 2026 بإيرادات تقديرية 92.4 مليار درهم
وأخيراً، يوضح رئيس الوكالة أن هناك تحديات متزايدة تتعلق بالحطام الفضائي، حيث خرجت الكثير من الأقمار الاصطناعية عن الخدمة وأصبحت تشكل خطراً في المدار، ولذلك تعمل الإمارات على وضع سياسات للتخلص من الأقمار المنتهية بطريقة مستدامة، إضافة إلى طرح سياسات تبنتها لجنة الأمم المتحدة للاستخدام السلمي للفضاء الخارجي COPUOS.
كما أشار إلى أن الإمارات تطمح لأن تكون وسيطاً بين الشرق والغرب فيما يتعلق ببيانات الأقمار الاصطناعية، نظراً لأن هذه البيانات لا تتاح عادة للجميع.
جدير بالذكر أن اهتمام الإمارات بعلوم الفضاء والفلك يرجع إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما التقى الشيخ زايد آل نهيان مع فريق وكالة NASA المسؤول عن رحلة أبولو إلى القمر، بما شكّل حافزاً لولادة القطاع مع تأسيس شركة الثريا للاتصالات في أبريل 1997.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي