هدنة أميركية-صينية هشة وروايات متضاربة قبل اختبار عيد الشكر

نشر
آخر تحديث
الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ

استمع للمقال
Play

يلوح في الأفق أول اختبار للهدنة التجارية بين أميركا والصين. إذ يأمل وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في إتمام صفقة بشأن المعادن النادرة بحلول عطلة عيد الشكر، لكن الخبراء يرون أن تحقيق تقدم كبير غير مرجح، في ظل اختلاف سرد الجانبين بشكل حاد حول ما تمت مناقشته والاتفاق عليه بشأن القضايا الرئيسية.

من المعادن النادرة إلى فول الصويا، وبعد ثلاثة أسابيع على التقاط صور للرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأميركي دونالد ترامب وهما يبتسمان ويتصافحان بعد اجتماع على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية، لا يوجد حتى الآن أي مستند مشترك، ولا بيان صحفي موحد، ولا نصّ وقّعه أي طرف أو أقرّه علناً.

وفي تصريحات أحادية الجانب، كانت واشنطن دقيقة بشكل غير معتاد، مؤكدة أن «التراخيص العامة» للمعادن النادرة وشيكة وأن هناك أرقاماً كبيرة لمشتريات فول الصويا المستقبلية. في المقابل، حافظت بكين على حذر شديد، مكتفية بإصدارات عامة ذات صياغة دقيقة، كما أن المسؤولين الصينيين كانوا مترددين في الحديث عن تفاصيل محددة في التصريحات الأميركية.

ويرى الخبراء أن الفجوة بين واشنطن وبكين تعكس اختلافات عميقة في كيفية تفسير كل طرف لمحادثات القمة وعرضها، بحسب موقع mynews.

 

اقرأ أيضاً: الصين تُبطئ مشتريات فول الصويا الأميركي مع ارتفاع المخزونات لأعلى مستوياتها في سنوات

 

بينما كانت الولايات المتحدة حريصة على إظهار تقدم بشأن القضايا المثيرة للجدل، ظلت الصين متحفظة، مترددة في تأكيد الالتزامات علنياً. ويشير المحللون إلى أن غياب الوثائق الرسمية وحضور الوفد الأميركي المحدود وغياب تدوين الملاحظات التفصيلية قد زاد من الفجوة، مما يجعل التوصل إلى اتفاق ملموس قبل الخميس تحدياً كبيراً.

وقالت ويندي كاتلر، المفاوضة الأميركية السابقة التي قضت أكثر من ثلاثة عقود في الحكومة، إن «هذه ليس أول مرة يختلف فيها طرفا تفاوض حول ما تم الاتفاق عليه فعلياً، لكن هذه المرة المخاطر استثنائية. فالهُدنة لعام واحد هشة بما يكفي دون ظهور هذه الفجوات».

وأشارت كاتلر، التي تشغل الآن منصب نائب الرئيس في معهد سياسة مجتمع آسيا في واشنطن، إلى أهمية تدوين الملاحظات التفصيلية قائلة: «لهذا من الضروري تخصيص الوقت لتوثيق الاتفاقيات كتابةً لتقليل الاختلافات». وأضافت: «ربما كان الطرفان متحمسين جداً للإعلان عن الهُدنة وتهدئة العالم إلى درجة دفعتهم لتجنب العملية الطويلة لتفصيل التفاصيل في اتفاقية مكتوبة».

وأوضحت بوني غلاسر، المديرة التنفيذية لبرنامج المحيط الهندي والهادئ في مؤسسة مارشال الألمانية، أن اختلال التوازن في التوثيق ربما بدأ منذ القمة نفسها. وقالت: «قيل لي إن ترامب لم يسمح لأي شخص من الجانب الأميركي بتدوين الملاحظات –عادةً يكون مدير أول في مجلس الأمن القومي أو مساعد وزير الخارجية– ولم يُسمح لأي منهما بالحضور»، مشيرة إلى أن «عدم تدوين ملاحظات وافية أمر غير معتاد».

 

وذكر تقارير الصحافيين المرافقين للبيت الأبيض آنذاك أن الاجتماع الذي استمر نحو 160 دقيقة حضره فقط بيسنت ووزير الخارجية الأميركي والمستشار الأمني القومي ماركو روبيو ووزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك وسفير الولايات المتحدة لدى الصين ديفيد بيرديو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز.»


«قالت غلاسر إن الفروقات كانت واضحة منذ اللحظة التي نشرت فيها واشنطن ورقة الحقائق. وأشارت إلى أن الصين لم تستخدم مصطلح «التراخيص العامة»، ومن الغريب، بحسب قولها، أن بيسنت زعم علنياً أن بكين وافقت على كميات محددة من فول الصويا من دون أن تؤكد الصين تلك الكميات.


وأضافت غلاسر: «يبدو أن كلا البلدين يسعيان للحفاظ على الهُدنة الهشة ويحاولان تسوية خلافاتهما. وقد قال بيسنت في البداية إن الاتفاق سيُوقّع في الأسبوع الذي يلي القمة، لكنه صرح مؤخراً بأن الولايات المتحدة تأمل في توقيعه بحلول نهاية نوفمبر تشرين الثاني».

ولم تتحدث الصين علناً عن أي جدول زمني أو موعد نهائي لذلك.

 

اقرأ أيضاً: ما أسباب انهيار العملات المشفرة بعد اشتعال الحرب التجارية مجدداً بين الصين وأميركا؟

 

بعد وقت قصير من لقاء قادة القوتين العالميتين في 30 أكتوبر تشرين الأول في بوسان بكوريا الجنوبية، وافقت واشنطن على عدم فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الصادرات الصينية بشرط أن توقف بكين نظام تراخيص التصدير للمعادن النادرة والمغناطيسات الأساسية.

 كما أعلن البيت الأبيض أن الصين ستشتري 12 مليون طن متري (13.28 مليون طن) من فول الصويا لبقية هذا العام و25 مليون طن متري سنوياً خلال السنوات الثلاث المقبلة.

 

تصدير المعادن النادرة


وفي ورقة الحقائق الصادرة عن مكتب الرئيس الأميركي في 1 نوفمبر تشرين الثاني، ذكرت الولايات المتحدة أن الصين ستصدر تراخيص عامة لتصدير المعادن النادرة والجاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والجرافيت، وهو ما يعدّ بمثابة التراجع عن القيود المفروضة منذ عام 2023. ورغم أن بكين ألغت بعض القيود، لم تشر إلى أي أمر يتعلق بالتراخيص العامة.

أما بالنسبة لفول الصويا، فلم تُصدر الصين أي أوامر متعددة السنوات، واكتفت باستئناف بعض المشتريات المتواضعة للشحن في أوائل العام المقبل. وأفادت وكالة رويترز هذا الأسبوع بأن بكين أقدمت على أكبر طلب فول صويا منذ عامين، ليصل إجمالي المشتريات المؤكدة إلى 1.6 مليون طن متري، وهو رقم لا يزال أقل بكثير مما أعلنته الولايات المتحدة لهذا العام.


وقالت أليسيا غارسيا-هيريرو، كبيرة خبراء آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار ناتيكسيس، إنها لم تُفاجأ بهذا «العالم الموازي». وأضافت: «لقد فعلت الصين هذا من قبل»، مشيرة إلى أن تقرير بكين لقمة بوسان أوضح أنها كانت تشير فقط إلى فرض قيود إضافية على خمسة معادن نادرة أخرى في أكتوبر وأحكامها الإقليمية، وليس على السبعة الأوائل».

وكانت الصين قد طبّقت مجموعتين منفصلتين من ضوابط التصدير على العناصر النادرة ومغناطيساتها، بدءاً بمجموعة أولية استهدفت سبعة عناصر نادرة في أبريل نيسان، وتبعتها توسعة في أكتوبر تشرين الأول تضمنت قواعد صارمة للتأثير خارج الحدود الإقليمية.»

بينما ذكر البيت الأبيض أن الصين وافقت على «إلغاء فعال» لقيود التصدير، اكتفت وزارة التجارة الصينية بالإشارة إلى تعليق تطبيق القيود الإضافية التي فُرضت في أكتوبر تشرين الأول. ويعني هذا التباين الاستراتيجي أن القيود الأصلية في أبريل نيسان، التي كانت تتطلب تراخيص تصدير خاصة لسبعة عناصر نادرة، لم يشملها التعليق وبقيت سارية من الناحية التقنية.

وقد أدت القيود المعلنة في أبريل نيسان إلى بدء المفاوضات لرفع القيود الأميركية على تصدير بعض أشباه الموصلات إلى الصين، ثم أجبرت القيود الإضافية في أكتوبر  تشرين الأول الولايات المتحدة على وقف إدراج الشركات الصينية المدرجة في القائمة السوداء ضمن كيان الشركات وخفض التعرفات الجمركية على الفنتانيل.

 

اقرأ أيضاً: صادرات الصين تتجاوز التوقعات في سبتمبر.. والواردات تسجّل أسرع وتيرة منذ أبريل 2024


وقالت أليسيا غارسيا-هيريرو إن «الولايات المتحدة تبدو أضعف من أي وقت مضى أمام الصين»، مشيرة إلى تخفيض التعريفات لخفض الأسعار وخسائر الجمهوريين في الانتخابات المحلية الأخيرة،

وأضافت أن الصين لن «تقدّم شيئاً مجانياً للولايات المتحدة». وتابعت: «ستضطر الولايات المتحدة للعمل بجد لإزالة قيود التصدير المقررة في أبريل نيسان».

ويشير الخبراء إلى أن المسألة تتجاوز مجرد ملاحظات الاجتماعات أو أوراق الحقائق الغامضة. وقال دينيس سايمون، الزميل غير المقيم في معهد كوينسي، إن هذا يعكس الاختلاف الكبير في كيفية تفسير واشنطن وبكين وعرض المناقشات على مستوى القادة.

وأوضح سايمون أن السرديات المتباينة تظهر أن «الولايات المتحدة غادرت الاجتماع حريصة على إظهار الزخم والنتائج، بينما غادرت الصين الاجتماع متحفظة، غير راغبة في الالتزام بأهداف رقمية أو تنازلات محددة حتى يتم التفاوض أكثر».

وأضاف أن خروج القوى الكبرى من القمم بتركيزات مختلفة أمر معتاد، إلا أن العلاقة الأميركية–الصينية تكبّر هذه الفجوات لأن «كل طرف يفسر المناقشات وفق أنظمة سياسية وبيئات إعلامية وأولويات استراتيجية مختلفة تماماً».

وأكد سايمون أن غياب التأكيد الصيني على المشتريات الزراعية أو الالتزامات المتعلقة بالمعادن النادرة يُظهر أن التفاصيل العملية لا تزال أكثر مرونة مما توحي به التصريحات الأميركية، مشيراً إلى أن «الوزارات الصينية تميل إلى تجنّب الإعلان عن أي شيء لم يُعتمد داخلياً تماماً ولم يُنسق بين الوكالات».


وشدد على أن الصمت لا يشير إلى فشل، إذ إن بكين ببساطة لن تُعلن علناً حتى يكتمل الاعتماد الداخلي، وهي عملية تبطئها البيروقراطية متعددة المستويات والاعتبارات الحساسة للأمن الصناعي المرتبطة بالمعادن النادرة.

وعلى الرغم من أن الصين تضيف طبقة إضافية من التعقيد على المفاوضات، أشار المحللون إلى أن هذه الفجوات ليست فريدة من نوعها بالنسبة لبكين، بل أصبحت سمة مميزة للمفاوضات في عهد ترامب.

وأشار ويليام رينش، الذي شغل منصب وكيل وزارة التجارة لشؤون إدارة التصدير خلال إدارة بيل كلينتون بين 1994 و2001، إلى أن أنماطاً مشابهة ظهرت في محادثات الولايات المتحدة مع بريطانيا والاتحاد الأوروبي وفيتنام وإندونيسيا وكوريا واليابان، حيث غالباً ما تختلف التفسيرات اللاحقة للاتفاقات، ما يترك الصفقات غير مكتملة.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة