ترقب لقرار الفائدة من بنك اليابان.. هل يُشعل تقلبات جديدة في الأسواق العالمية؟ (خاص CNBC عربية)

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

خاص- CNBC عربية- كريم محمد

أيام معدودة تفصل عن القرار المرتقب من بنك اليابان الذي من المرجح خلاله أن يتم رفع الفائدة بواقع 25 نقطة أساس، وهو القرار الذي استمر البنك والحكومة اليابانية في دراسته لأكثر من عامين.. فهل يعيد القرار المحتمل ذكريات الصدمة النقدية التي حدثت عام 2024 عندما أصاب القرار المستثمرين بالذعر ودفعهم لإجراء عمليات بيع مكثفة للمشتقات المالية عالية المخاطر، وما هي توقعات خبراء أسواق المال لتأثير قرار رفع الفائدة اليابانية على الأسواق المحلية والعالمية؟

شكّل عام 2025 نقطة تحوّل فارقة في تاريخ السياسة النقدية اليابانية، بعدما انتقل بنك اليابان تدريجيًا من أطول حقبة تيسير نقدي متطرف في العالم إلى مسار تطبيع حذر، وسط تضخم مستدام نسبيًا، وتحسّن في نمو الأجور، وضغوط متزايدة على سعر صرف الين.

في 24 يناير/ كانون الثاني 2025، افتتح بنك اليابان العام بقرار اعتبره المستثمرون إعلانًا غير مباشر عن نهاية السياسة الصفرية، حيث رفع البنك التوجيه المستهدف لسعر الفائدة قصيرة الأجل إلى نحو 0.5%، مع تعديل أسعار أدواته الرئيسية، في خطوة عكست ثقة متزايدة في استدامة التضخم المدفوع بارتفاع الأجور. ورغم معارضة عضو واحد، أرسل القرار إشارة قوية بأن السياسة النقدية دخلت مرحلة جديدة.

خلال اجتماعي مارس/آذار ومايو/ أيار، فضّل البنك تثبيت سعر الفائدة عند 0.5%، مكتفيًا بمراقبة تطورات التضخم وسلوك الشركات في مفاوضات الأجور. هذه المرحلة مثّلت فترة اختبار لمدى تحمّل الاقتصاد الياباني لتكلفة الاقتراض الأعلى، دون المخاطرة بزعزعة التعافي الهش.

وفي 17 يونيو/ حزيران، انتقل التركيز من سعر الفائدة إلى الميزانية العمومية، حيث أعلن البنك خطة طويلة الأجل لخفض مشترياته من السندات الحكومية اليابانية، مستهدفًا تقليصها تدريجيًا حتى عام 2027. ورغم تثبيت الفائدة، اعتُبر القرار أهم خطوة فعلية نحو تفكيك أدوات التيسير الكمي التي اعتمد عليها البنك لعقد كامل.

فيما شهد اجتماع 31 يوليو/ تموز استمرار التثبيت، في ظل تباطؤ نسبي في التضخم الأساسي واستمرار ضعف الاستهلاك المحلي. في هذه المرحلة، بدا البنك حريصًا على عدم التسرع، خاصة مع تقلبات الين والأسواق العالمية.

وفي 19 سبتمبر/ أيلول، اتخذ بنك اليابان خطوة لافتة بإعلانه بدء بيع حيازاته من صناديق المؤشرات العقارية والأسهم (ETFs وJ-REITs)، في إشارة واضحة إلى تقليص تدخله المباشر في الأسواق المالية، ورغم تثبيت الفائدة، كشف التصويت المنقسم عن تزايد الجدل الداخلي حول وتيرة التطبيع.

كذلك في 30 أكتوبر/ تشرين الأول، حافظ البنك على سعر الفائدة عند 0.5%، لكن محضر التصويت كشف أن عضوين دعما رفعها إلى 0.75%.

هذا الانقسام عكس تنامي القلق من ضعف الين واستمرار الضغوط التضخمية، وأشار إلى أن رفع الفائدة بات مسألة “توقيت” أكثر منه “مبدأ”.

ديسمبر.. الاجتماع الحاسم

مع اقتراب اجتماع 18–19 ديسمبر/ كانون 2025، تترقب الأسواق قرارًا قد يكون الأهم في العام، وتشير التوقعات إلى احتمال رفع الفائدة بواقع 25 نقطة أساس لتصل إلى 0.75%، ما سيشكّل أول دورة تشديد حقيقية في اليابان منذ أكثر من 15 عامًا، مع تداعيات عالمية تمتد من أسواق السندات الأميركية إلى استراتيجيات الأموال المنقولة (Carry Trade) العالمية.

رفع الفائدة

يقول الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات، طارق الرفاعي، إن اليابان تُعدّ عرضة بشكل خاص لارتفاع أسعار الفائدة لأن نموذجها الاقتصادي بأكمله، الذي نشأ بعد انهيار فقاعة الأصول، بُني على افتراض أن أسعار الفائدة ستبقى قريبة من الصفر إلى الأبد.

يضيف: تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان أكثر من 250%، وهي الأعلى في العالم. وحتى الزيادات الطفيفة في عوائد السندات تُحدث تأثيرًا كبيرًا على تكاليف خدمة الدين. ويتم تجديد جزء كبير من ديون اليابان بشكل متكرر، بدلاً من تثبيتها لعقود. ومع ارتفاع أسعار الفائدة، تتضخم تكاليف الفائدة بسرعة، مما يُقيّد الإنفاق العام أو يُجبر الحكومة على الاقتراض أكثر.

وهذا يُخلق مشكلة مُتفاقمة؛ فزيادة إصدارات الديون تدفع العوائد إلى الارتفاع أكثر، مما يُفاقم الوضع. وعلى عكس الدول الأخرى، لا تستطيع اليابان الاعتماد على النمو القوي للخروج من هذه المشكلة.

أما بالنسبة للين، فإن ارتفاع أسعار الفائدة ليس الحل الذي يتوقعه الكثيرون. فاقتصاد اليابان شديد الحساسية لأسعار الفائدة. ومع ارتفاع تكاليف الاقتراض، يضعف الطلب المحلي، وتنخفض أسعار الأصول، ويتآكل مستوى الثقة. ويبدأ المستثمرون في التشكيك في استدامة الدين بدلاً من الاحتفال بالعودة إلى الوضع الطبيعي. وإذا اعتقدت الأسواق بأن بنك اليابان المركزي سيُضطر في النهاية إلى تحديد سقف لعوائد السندات مرة أخرى من خلال التدخل، فإن مصداقية السياسة النقدية المتشددة تنهار، وتتدفق رؤوس الأموال إلى الخارج. وقد تكون النتيجة ضعف الين على الرغم من ارتفاع أسعار الفائدة الاسمية، بحسب الرفاعي.

ويستطرد في تقرير له: يُصبح التضخم الفخ الأخير؛ فضعف الين يرفع أسعار الواردات في اقتصاد يستورد معظم طاقته وغذائه. وفي الوقت نفسه، تُبطئ أسعار الفائدة المرتفعة النمو وتُكبّت الأجور، مما يُؤدي إلى تضخم ناتج عن ارتفاع التكاليف دون تحقيق مكاسب حقيقية في الدخل. ويجد بنك اليابان المركزي نفسه عالقًا بين تشديد السياسة النقدية في ظل اقتصاد هش أو تخفيفها في ظل مشكلة تضخم، وكلاهما يُقوّض الثقة.

 ويكشف ارتفاع أسعار الفائدة عن التناقض الأساسي في اليابان: سيادة دولة مُثقلة بالديون، ونموذج نمو هش، وبنك مركزي لديه مجال للمناورة أقل بكثير مما تفترضه الأسواق، وفق الرفاعي

اقرأ أيضاً: تزايد المخاوف من تصفية صفقات "الين كاري تريد" بعد إشارات اليابان لاستئناف رفع الفائدة

كيف تتأثر الأسواق؟

بدوره، يقول كبير محللي الأسواق المالية لدى "إف إكس برو- FXPRO، ميشال صليبي، في تصريحاته لـ CNBC عربية، إن بنك اليابان والحكومة اليابانية انتظروا أكثر من عامين ليتأكدوا أن أسعار الفائدة يجب رفعها بعد ثبات واستقرار معدلات التضخم، وظهور مؤشرات لمرونة في معدلات التوظيف، رغم وجود بيانات اقتصادية أخرى ليست جيدة.

ولا يعتقد ميشال صليبي بأن التبعات ستكون بالقوة نفسها التي شهدناها خلال عام 2024، والصدمة النقدية الناتجة عن "الأموال المنقولة" حيث الأشخاص المقترضين كميات كبيرة من الين الياباني منخفض الفائدة ثم يعيدوا استثمار الأموال في الأسواق العالمية مثل سوق الأسهم الأميركية وأسواق الذهب وسندات الخزانة الأميركية أو حتى البيتكوين، وبمجرد ترددت أنباء عن ارتفاع تكلفة الاقتراض، تراجعت هذه المراكز بشكل كبير وحدثت صدمة نقدية قوية.

صدمة 2024

ويعتقد كبير محللي الأسواق المالية لدى "إف إكس برو- FXPRO بأن الصدمة النقدية ستحدث ولكن بوقع أقل بكثير مما شهدناه في يوليو/تموز 2024، وذلك لأسباب عدة، أهمها توجه السياسة النقدية الأميركية نحو خفض أسعار الفائدة تدريجياً وشهدنا ذلك مؤخراً عندما قرر الفدرالي الأميركي خفض الفائدة 25 نقطة أساس خلال ديسمبر/ كانون الأول الجاري.

ويتابع أنه حتى إذا لم يكن خفض الفائدة الأميركية قوي بالنصف الأول من عام 2026، سيكون أقوى بالنصف الثاني من العام، وهذا الأمر سيساعد في بعض من الاستقرار بالأسهم الأميركية وغيرها من الأصول، إضافة إلى عمليات الشراء التي أعلن عنها الفدرالي الأميركي بنحو 40 مليار دولار خلال الفترة المقبلة في أصول سندات الخزانة قصيرة الأجل، وبدورها ستساعد بعض الشيء في الحفاظ على الاستقرار، وهذه الأمور من شأنها أن تخفف من وطأة رفع أسعار الفائدة اليابانية؛ وسيكون التأثير طفيف وأقل بكثير من صدمة يوليو/ تموز عام 2024.

تأثير محدود

وفي السياق نفسه يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لـ CNBC عربية، إن تأثير قرار بنك اليابان برفع سعر الفائدة سيكون ملحوظ على الأسواق العالمية، خصوصاً أن اليابان هي الرائدة في مجال الأموال المحمولة/المنقولة، حيث يستدين مستثمرين العالم من اليابان بفوائد مخفضة ثم تعيد استثمار هذه القروض في الأصول المالية الأميركية ذات العائد المرتفعة، وشهدنا خلال الفترة 31 يوليو/ تموز عام 2024، عندما رفع البنك المركزي الياباني سعر الفائدة 25 نقطة أساس، وشهدنا موجة بيع عنيفة في قطاع الأسهم والمشتقات المالية التي بها مخاطر مرتفعة.

ويكمل قائلاً إن الأسواق متخوفة من رفع سعر الفائدة على الين الياباني، مقابل خفض الفائدة من قبل الفدرالي الأميركي، لكن ذلك لا يولد الأزمة العميقة أو موجة بيع عنيفة أو تأثير سلبي على الأسواق، و"أرى أنه لن يكون لها أثر كبير، سيكون لها أثر محدود؛ لأن الفائدة متوقعة ومسعرة"، والهدف أن الخطوات المستقبلية من قبل المركزي الياباني مرجح أن يكون لديه تريث لأي احتمال مُقبل؛ لأن هناك عوامل تضغط على قرارات المركزي الياباني، منها عوامل النمو الاقتصادي، والسياسات التحفيزية من قبل الحكومة اليابانية، وبعض الضغوطات من قبل الأسر اليابانية، وضعف الين الياباني، لذلك نترقب تأثير القرار على المدى المتوسط وكيف ستتفاعل الأسواق معه.

 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة