
بقلم - مصطفى فهمي أبو العلا
رئيس تنفيذي للاستراتيجيات في شركة فورتريس للاستشارات في قطر
في السنوات الأخيرة أصبحت الأسواق المالية أكثر ترابطًا وتعقيدًا، بحيث لم تعد الأزمات أو القرارات الاقتصادية محصورة داخل دولة واحدة، بل تنتقل بين الأسواق بسرعة قد تُحدث اضطرابًا عالميًا. وفي بيئة تقوم على الاقتراض منخفض التكلفة وحركة الأموال عبر الحدود، قد يكفي ارتفاع بسيط في الفائدة أو تحرك محدود في عملة ما لإشعال موجة تذبذب واسعة وداخل هذا المشهد المعقد تبرز تجارة الكاري تريد والرافعة المالية كآليتين مركزيتين تزيدان حساسية النظام المالي لأي تغيير، ورغم أنهما تبدوان مفاهيم بعيدة عن حياة الفرد، إلا أن تأثيرهما يمتد إلى الفوائد البنكية، وقيمة الاستثمارات، واستقرار الاقتصادات.
وتحتل اليابان موقعًا محوريًا في هذه المنظومة نتيجة سياستها النقدية طويلة الأمد القائمة على الفائدة شبه الصفرية، ما جعل الين أحد أهم مصادر التمويل الرخيص عالميًا، ودفع المؤسسات والمستثمرين إلى بناء مراكز مالية ضخمة تعتمد على الرافعة ومع التحولات الجارية في اليابان من ارتفاع التضخم إلى صعود عوائد السندات واحتمالات رفع الفائدة بدأت هذه المنظومة تواجه ضغوطًا قد تقود لاحقًا إلى إعادة تسعير واسعة للأصول عالميًا.
وهذا ما نسعى لتوضيحه في هذا المقال عبر تحليل مفهوم الكاري تريد، والرافعة المالية، ودور اليابان في هذه المنظومة المتشابكة.
ماهي تجارة الكاري تريد" Carry Trade"؟
تقوم تجارة الكاري تريد Carry Trade على مبدأ الاقتراض بعملة منخفضة الفائدة ثم استثمار هذا المال في سوق يمنح عائدًا أعلى، بحيث لا يأتي الربح من نشاط اقتصادي فعلي، بل من فرق الفائدة بين الجهتين. وكلما ظلّت الفائدة منخفضة في بلد الاقتراض ومرتفعة في بلد الاستثمار، بدت التجارة مربحة ومستقرة. ولتوضيح الفكرة، يمكن تخيّل مستثمر يقترض 1,000,000 ين بفائدة 0.1% ثم يحوّلها إلى الدولار ليشتري سندًا يمنح عائدًا 4% في هذه الحالة، يتحقق الربح بالكامل من الفارق بين تكلفة الاقتراض والعائد المحقق، لا من أداء السند نفسه.
إلا أن هذه الاستراتيجية شديدة الحساسية لأي تغيّر في الظروف، لأنها قائمة على هامش ربح ضيق يعتمد بالكامل على استقرار أسعار الفائدة والعملات. فإذا ارتفعت الفائدة في بلد الاقتراض، أو انخفض العائد في بلد الاستثمار، أو حدثت صدمة مالية مفاجئة، تتحول الأرباح بسرعة إلى خسائر، ويُجبر المستثمرون على تصفية مراكزهم بشكل متزامن. ولهذا تُعد الكاري تريد من أكثر الأنشطة المالية قابلية للاضطراب، لأنها تراهن على الاستقرار ولا تستند إلى قيمة اقتصادية حقيقية، مما يجعلها عرضة للتأثر السريع بأي تقلبات في الفائدة أو السيولة العالمية.
ما هي الرافعة المالية؟
تعني الرافعة المالية ببساطة استخدام أموال مقترضة لزيادة حجم الاستثمار بما يفوق رأس المال الحقيقي، إذ لا يكتفي المستثمر بما يملكه من مال، بل يقترض مبالغ إضافية ليتمكن من الاستثمار بأضعاف قدرته الفعلية. والهدف من ذلك هو تضخيم العائد، مع العلم أن هذه الأموال ليست ملكه، بل يحصل عليها من بنوك أو صناديق أو مؤسسات مالية مقابل فائدة محددة، ويكون الضمان هو الأصل الذي يُشترى بهذه الأموال. ولتوضيح الفكرة، تخيّل مستثمرًا يملك 1,000 دولار فقط، لكنه يقترض 9,000 دولار ليستثمر 10,000 دولار كاملة هنا يصبح يعمل برافعة مالية قدرها 10 مرات.
ورغم أن هذا قد يضاعف أرباحه إذا ارتفع سعر الأصل، فإنه يضاعف خسائره أيضًا إذا انخفض، لأن انخفاض قيمة الأصل قد يدفع الجهة المقرضة إلى مطالبته بتسديد القرض أو تصفية مركزه فورًا. وهكذا تُظهر الرافعة المالية قدرتها على تعظيم الأرباح والخسائر معًا، ما يجعلها أداة حساسة يمكن أن تتحول سريعًا إلى مصدر خطر إذا تغيرت ظروف السوق.
العلاقة بين تجارة الكاري تريد Carry Trade والرافعة المالية
ترتبط تجارة الكاري تريد بالرافعة المالية ارتباطًا مباشرًا، لأن جوهرها يقوم على الاقتراض الرخيص لاستغلال فرق الفائدة بين اقتصاد منخفض الفائدة واقتصاد يمنح عوائد أعلى. فكلما توسّع المستثمر في الاقتراض بسعر فائدة منخفض، ارتفع العائد الذي يحققه من هذا الفارق، مما يجعل الكاري تريد معتمدة أساسًا على المال المقترض لا على رأس المال الحقيقي.
وهنا يظهر دور الرافعة المالية فهي الأداة التي تسمح بتحويل مبلغ محدود من رأس المال إلى مراكز مالية كبيرة تقوم في أغلبها على الاقتراض. ومع استخدام أدوات مالية مثل العقود المشتقة أو التمويل القصير الأجل، تتكوّن ما يُعرف بالرافعة النظامية، حيث يمكن للمركز الواحد أن يتضخّم عدة مرات مقارنة بالأصل الفعلي المستخدم. وتزداد المخاطر عندما يُستخدم الأصل نفسه كضمان لصفقات متعددة، أو عند الاعتماد على الائتمان الظلّي الذي يوفّر تمويلًا خارج النظام المصرفي التقليدي ولا يظهر في البيانات الرسمية.
ورغم أن هذه الالتزامات ليست ديونًا مباشرة، فإنها تضاعف هشاشة النظام المالي العالمي لأنهه يتم تصفيتها بشكل سريع عند الأزمات ولهذا يمكن القول إن الكاري تريد ليست رافعة مالية بحد ذاتها، لكنها تتحول إلى رافعة عندما تتضخم بالاقتراض المتكرر وتعتمد على أدوات مالية تزيد حجم المخاطرة.
حجم الديون وتجارة الكاري تريد Carry Trade والرافعة المالية عالميًا
عند النظر إلى الصورة الكاملة للنظام المالي العالمي، تشير التقديرات إلى أن إجمالي الديون والالتزامات المالية، سواء الرسمية أو غير الرسمية، والمدعومة بالرافعة المالية، والتي تدخل ضمنها تجارة الكاري تريد، يصل إلى ما بين 500 و600 تريليون دولار على مستوى العالم وهذا الرقم لا يعني أن كل هذا هو "دين حكومات"، بل هو مجموع طبقات مختلفة من الديون والمراكز المالية المتشابكة فعلى مستوى الديون التقليدية المباشرة، تُقدَّر ديون الحكومات عالميًا بقرابة 100 تريليون دولار، بينما تبلغ ديون الشركات نحو 130 تريليون دولار، وتصل ديون الأفراد (مثل الرهن العقاري والقروض الاستهلاكية وبطاقات الائتمان) إلى قرابة 55 تريليون دولار، ليصل مجموع هذه الديون المباشرة إلى أكثر من 285 تريليون دولار.
لكن الجزء الأخطر لا يظهر في هذه الديون التقليدية، بل فيما يُسمى الرافعة المالية النظامية داخل القطاع المالي، والتي تُقدَّر بما بين 250 و300 تريليون دولار، وتنشأ من أنشطة مثل المشتقات المالية (عقود ترتبط بسعر أصل معين لكن قيمتها الاسمية قد تتجاوز قيمة الأصل الأساسي بـ 20 إلى 30 مرة)، ومراكز التمويل القصيرة الأجل التي تستخدم القروض القصيرة لشراء أصول أطول أجلًا، وسندات الشركات ذات الرافعة العالية، وصفقات الائتمان الخاصة.
داخل هذا الإطار الواسع تعمل تجارة الكاري تريد كأحد أكبر مصادر الرافعة المالية، حيث يُقدَّر حجم تجارة الكاري المباشرة، وعلى رأسها الكاري المعتمد على الين الياباني، بنحو 20 تريليون دولار، ويرتفع الرقم إلى حوالي 30-35 تريليون دولار عند احتساب الاستراتيجيات المشابهة القائمة على الاقتراض منخفض الفائدة بعملات أخرى ثم الاستثمار في أصول ذات عائد أعلى. ويتم تضخيم هذه المبالغ عبر الرافعة المالية، فتتحول إلى مراكز مالية ضخمة تعتمد على أدوات مثل المشتقات والعقود الآجلة، إلى جانب ممارسات مثل إعادة الرهن، حيث يُستخدم نفس الأصل المالي كضمان في أكثر من صفقة ائتمانية، مما يخلق التزامات متداخلة على الأصل نفسه، بالإضافة إلى نظام الائتمان الظلّي، وهو شبكة من الصناديق وشركات التمويل والكيانات غير المصرفية التي تقدّم قروضًا وتمويلًا خارج النظام المصرفي الرسمي، وبالتالي لا تظهر بالكامل في الإحصاءات الحكومية التقليدية.
هذه البنية المتشابكة تجعل تجارة الكاري تريد جزءًا من منظومة رافعة مالية هائلة فلا تكمن الخطورة في حجم تجارة الكاري وحدها، بل في كونها تعمل داخل نظام عالمي ضخم يعتمد على الاقتراض الرخيص والتدوير المستمر للضمانات، ما يجعل أي اضطراب في تكلفة التمويل أو في الجدارة الائتمانية أو في عملة محورية مثل الين قادرًا على التأثير في النظام المالي كله، وهو ما تحذر منه تقارير جهات دولية مثل بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولي ومعهد التمويل الدولي.
من المؤثر الأكبر في تجارة الكاري تريد Carry Tradeعالميًا؟
تُعد اليابان المؤثر الأكبر في تجارة الكاري تريد على مستوى العالم، ليس بسبب حجم اقتصادها فقط، بل نتيجة السياسة النقدية التي اتبعتها لعقود طويلة، والتي قامت على إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بمعظم دول العالم. هذا الواقع جعل الاقتراض من اليابان الأرخص عالميًا، وحوّل الين الياباني إلى المصدر الأساسي للأموال التي تُستخدم في تجارة الكاري. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه التجارة مقتصرة على مستثمرين أفراد، بل أصبحت جزءًا من آلية عمل البنوك العالمية، وصناديق الاستثمار الكبرى، وصناديق التحوط، وحتى بعض الشركات متعددة الجنسيات، التي وجدت في الاقتراض منخفض التكلفة وسيلة فعّالة لتوسيع استثماراتها في أسواق مختلفة حول العالم. وبحسب التقديرات، فإن حجم تجارة الكاري المعتمدة على الين الياباني وحده يُقدَّر بنحو 20 تريليون دولار، وهو ما يجعل اليابان القلب الأساسي لهذه التجارة عالميًا.
إلى جانب اليابان، توجد عملات ودول أخرى تلعب أدوارًا مساندة في فترات محددة، مثل الفرنك السويسري خلال مراحل انخفاض الفائدة، أو الدولار الأمريكي في فترات التيسير النقدي، إضافة إلى بعض الاقتصادات الأوروبية، إلا أن دور هذه العملات يظل أقل حجمًا وتأثيرًا وأقصر أمدًا مقارنة بالين الياباني. وعند احتساب هذه المصادر مجتمعة، يرتفع حجم تجارة الكاري عالميًا إلى ما بين 30 و35 تريليون دولار. وبهذا المعنى، أصبحت اليابان بمثابة خزان التمويل الرخيص للنظام المالي العالمي، حيث إن أي تغيير في سياساتها النقدية أو في تكلفة الاقتراض بالين لا يبقى محصورًا داخل الاقتصاد الياباني، بل ينعكس مباشرة على نشاط تجارة الكاري في مختلف الأسواق، وهو ما يمهّد لفهم السبب الذي يجعل أي هزّة في اليابان قادرة على التأثير في هذه التجارة عالميًا.
ماذا يحدث الآن في اليابان وما تأثيره على تجارة الكاري تريد "Carry Trade"؟
كما أوضحنا في الفقرات السابقة، يبلغ حجم تجارة الكاري تريد المعتمدة على الاقتراض الرخيص من اليابان نحو 20 تريليون دولار، مستفيدة لعقود طويلة من سياسة الفائدة القريبة من الصفر. هذا الواقع شجّع البنوك وصناديق الاستثمار وصناديق التقاعد العالمية على الاقتراض بالين الياباني ثم استثمار هذه الأموال في الخارج بعوائد أعلى، في أسواق السندات والأسهم والأصول عالية المخاطر، وغالبًا باستخدام رافعة مالية تضخم حجم هذه المراكز.
إلا أن هذا التوازن بدأ يتغير بوضوح منذ عام 2025 مع ارتفاع التضخم في اليابان، وتفاقم الدين العام، وظهور حكومة جديدة تميل إلى تعزيز الإنفاق عبر الاقتراض، ما وضع بنك اليابان أمام سيناريو واقعي لرفع أسعار الفائدة، سواء في اجتماع ديسمبر 2025 أو في اجتماع يناير 2026. غير أن التأثير لم ينتظر قرارًا رسميًا، بل ظهر فعليًا في سوق السندات اليابانية إذ ارتفعت عوائد السندات لأجل 10 سنوات إلى نحو 1.97%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2008، بينما قفزت عوائد السندات لأجل 30 عامًا إلى حوالي 3.69%.
هذا التحول جعل السندات اليابانية عند احتساب علاوة مخاطر تقارب 2% في استراتيجيات نقل الأموال عند الاستثمار خارج اليابان كتحوط منافسًا مباشرًا للأسواق العالمية بعد أن كانت لسنوات خارج المعادلة. ونتيجة لذلك، بدأت شركات التأمين وصناديق التقاعد اليابانية في إعادة أموالها إلى الداخل، حيث تشير التقديرات إلى إعادة أكثر من 42 تريليون ين من الاستثمارات الخارجية منذ أبريل، بينما قام صندوق التقاعد الحكومي الياباني، الذي يدير اصولا تقارب 2 تريليون دولار، بتحويل نحو 8% من أصوله إلى السندات المحلية اليابانية ، هذا التحرك لا يُعد تحوطًا دفاعيًا تقليديًا، بل يشبه نداء التصفية في الأسواق، إذ إن النظام الذي بُني على الاقتراض بالين ثم الاستثمار في الخارج بدأ يتفكك تتدريجيا مع سحب اليابان سيولتها من الأسواق العالمية.
ومع استمرار ارتفاع العوائد اليابانية، يتزايد الضغط على أسواق الدين العالمية وعلى تجارة الكاري تريد القائمة على التمويل الرخيص، بينما تتعرض الرافعات المالية لاهتزاز حاد بسبب اعتمادها على قروض قصيرة الأجل وهوامش ضمان شديدة الحساسية. ومع كل موجة تصفية، تتراجع السيولة، وتتسع الفجوة بين العرض والطلب، وترتفع التقلبات. في أسواق السندات يؤدي ذلك إلى ارتفاع العوائد عالميًا، ويؤثر على أسواق الأسهم والأصول عالية المخاطر، بما فيها الأدوات ذات الرافعة والعملات الرقمية الأخطر أن كل دورة تصفية تغذي التي تليها، إذ يؤدي انخفاض الأصول إلى تبخر الضمانات ودفع المؤسسات إلى تقليص مراكز إضافية.
وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار 0.25% في عوائد السندات اليابانية ينعكس مباشرة في شكل تصفية مراكز عالمية، وتراجع في السيولة، وازدياد في تقلبات الأسواق. وباختصار، فإن كل ارتفاع جديد في العائد الياباني يعمل كلغم مالي داخل منظومة السندات وتجارة الكاري تريد، لأن ما تشهده اليابان اليوم لا يمثل نهاية دورة طبيعية، بل بداية مرحلة إعادة تسعير عالمية لنظام اعتمد طويلًا على التمويل الرخيص. ومع استمرار هذا التحول، قد تتعرض الأسواق لصدمات متتالية، ما يستدعي استعدادًا أكبر من المستثمرين والدول لمواجهة آثار محتملة على أسواق الدين والاستقرار المالي العالمي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي