الاقتصاد الصيني يواصل التباطؤ مع تراجع الاستهلاك والاستثمار وصعود البطالة

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة: AFP

استمع للمقال
Play

تفاقم التباطؤ الاقتصادي في الصين خلال شهر نوفمبر تشرين الثاني، بعدما جاءت معدلات نمو الاستهلاك والاستثمار والإنتاج الصناعي دون التوقعات، في وقت تسعى فيه السلطات إلى كبح المعروض، بينما تواجه صعوبات في إنعاش الطلب ووقف تراجع قطاع العقارات.

وارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 1.3% على أساس سنوي خلال الشهر الماضي، في أداء جاء أقل بكثير من توقعات المحللين التي جمعتها «رويترز» عند 2.8%، كما تباطأ النمو مقارنة بارتفاع نسبته 2.9% في الشهر السابق.

في المقابل، صعد الإنتاج الصناعي بنسبة 4.8% في نوفمبر تشرين الثاني مقارنة بالعام الماضي، دون مستوى التوقعات التي أشارت إلى نمو بنحو 5%، مسجلاً أضعف وتيرة نمو منذ أغسطس آب 2024.

أما الاستثمار في الأصول الثابتة، الذي يشمل قطاع العقارات، فقد انكمش بنسبة 2.6% خلال الفترة من يناير كانون الثاني إلى نوفمبر تشرين الثاني، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو تراجع أعمق من الانخفاض البالغ 2.3% الذي كان متوقعاً وفق تقديرات الاقتصاديين، بحسب CNBC.

ويمثل هذا التراجع تسارعاً مقارنة بانكماش نسبته 1.7% خلال الفترة من يناير كانون الثاني إلى أكتوبر تشرين الأول، كما يعدّ أشد هبوط يشهده الاستثمار منذ تفشي جائحة كورونا في عام 2020، وفق بيانات شركة «ويند إنفورميشن» الممتدة منذ عام 1992.

 

اقرأ أيضاً: تراجع مبيعات السيارات الفاخرة في الصين مع تباطؤ الاقتصاد

 

قال تشانغ تشيوي، رئيس شركة «بينبوينت لإدارة الأصول» وكبير خبرائها الاقتصاديين، إن «انكماش الاستثمار في الأصول الثابتة وتراجع أسعار العقارات خلال الأشهر الأخيرة انعكسا سلباً على معنويات المستهلكين»، متوقعاً في مذكرة صدرت عقب البيانات أن تلجأ السلطات إلى تبني مزيد من إجراءات التحفيز المالي والنقدي الداعمة خلال الربع الأول من العام المقبل.

 

أسعار السيارات والمنازل

 

وأظهرت البيانات أن الاستثمار في قطاع العقارات تراجع بنسبة 15.9% خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام الجاري، في انخفاض أعمق من التراجع البالغ 10.3% المسجل خلال الفترة من يناير كانون الثاني إلى أكتوبر تشرين الأول، مع استمرار الضغوط على القطاع العقاري.

وفي مؤشر آخر على أن القطاع لا يزال يبحث عن قاع، تسارعت وتيرة تراجع أسعار المنازل في 70 مدينة كبرى خلال شهر نوفمبر تشرين الثاني. وانخفضت أسعار المنازل الجديدة بنسبة 1.2% في مدن الفئة الأولى، بما في ذلك بكين وغوانغتشو وشنتشن، في حين تراجعت أسعار المنازل القائمة بنسبة 5.8% على أساس سنوي.

في السياق ذاته، أشار اقتصاديون في «غولدمان ساكس» في تقرير تمهيدي الأسبوع الماضي إلى أن تراجع مبيعات السيارات شكّل عبئاً رئيسياً على مبيعات التجزئة الإجمالية، إلى جانب ما وصفوه بـ«أثر التشويه السلبي» الناتج عن بدء مهرجان التسوق الإلكتروني «يوم العُزّاب» في وقت أبكر من المعتاد، ما أدى إلى سحب جزء من الطلب من نوفمبر تشرين الثاني إلى أكتوبر تشرين الأول.

وأظهرت بيانات رابطة تجار السيارات في الصين أن مبيعات السيارات بالتجزئة من حيث الحجم انخفضت في نوفمبر تشرين الثاني للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، متراجعة بنسبة 8.1% على أساس سنوي إلى 2.23 مليون سيارة، بعدما أوقفت حكومات محلية عدة برامج دعم استبدال السيارات.

ومددت منصات التسوق الإلكتروني فترات العروض الترويجية في محاولة لتحفيز إنفاق المستهلكين، لتشمل الفترة من النصف الأول من أكتوبر تشرين الأول وحتى 11 نوفمبر تشرين الثاني، في أطول موسم مبيعات ليوم العُزّاب على الإطلاق. ومع ذلك، جاءت النتائج مخيبة، إذ لم ينمُ إجمالي قيمة البضائع المباعة سوى بنسبة 12%، مقارنة بنمو قدره 20% في العام الماضي، بحسب بيانات شركة «سينتون»، في ظل تشدد المستهلكين في الإنفاق.

وفي ما يتعلق بالسياسات، تعهّد صانعو السياسات في الصين بتقديم دعم إضافي لتعزيز الطلب المحلي وتحفيز الاستهلاك والاستثمار خلال العام المقبل. وقالت وزارة المالية، في بيان صدر يوم السبت، إنها تخطط لإصدار سندات حكومية خاصة فائقة الأجل العام المقبل لتمويل مشاريع تعزز الأمن القومي.

وأضافت أن عائدات هذه السندات ستُوجَّه أيضاً إلى تحديث المعدات وبرامج استبدال السلع الاستهلاكية، كما تعهّدت بزيادة مخصصات الاستثمار في الميزانية للتخفيف من تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة خلال الأشهر الأخيرة.

 

اقرأ أيضاً: من أجل نمو مستدام.. الصين ستعزز الصادرات والواردات في 2026

 

غير أن محللين بدوا أقل تفاؤلاً، في ظل عدم طرح بكين حتى الآن حزمة تحفيز واسعة النطاق. وقال زافيير وونغ، محلل الأسواق في شركة «إيتورو» لإدارة الأصول: «رغم وجود دعم سياساتي موجه، من الصعب تحقيق انتعاش ملموس في الاستهلاك من دون تحسن واضح في فرص العمل ونمو الأجور».

من جانبه، أعرب إيسوار براساد، أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل والباحث البارز في معهد بروكينغز، عن مخاوفه حيال استدامة النمو الاقتصادي في الصين. ودعا، في مقال رأي نُشر يوم الأحد، إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية لإعادة التوازن إلى الاقتصاد، تشمل دعم سوق العمل، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، وتقوية دور الشركات الخاصة.

وقال براساد إن «الحكومة تدرك بوضوح ما هو مطلوب لتعزيز استهلاك الأسر ورفع الإنتاجية، لكنها لا تبدي إحساساً كافياً بالإلحاح، ولا تضع جدولاً زمنياً واضحاً لإجراءات سياسية ملموسة لتحقيق هذه الأهداف».

وسجل معدل البطالة في المناطق الحضرية 5.1% خلال نوفمبر تشرين الثاني، دون تغيير عن الشهر السابق، في حين لا تزال بطالة الشباب أكثر إثارة للقلق، إذ بلغ أحدث مستوى لها في أكتوبر تشرين الأول 17.3%.

ورغم ذلك، يبدو أن الاقتصاد الصيني في طريقه لتحقيق هدف النمو الرسمي البالغ «نحو 5%»، مدعوماً بزيادة الصادرات إلى الأسواق غير الأميركية، حتى مع تأثير التوترات الجمركية مع واشنطن في الشحنات المتجهة إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم.

وقفز الفائض التجاري للصين إلى مستوى قياسي بلغ 1.1 تريليون دولاراً في نوفمبر تشرين الثاني، متجاوزاً الرقم القياسي السنوي البالغ 992.2 مليار دولاراً في عام 2024 خلال أحد عشر شهراً فقط، ما أثار مخاوف واسعة بشأن الاعتماد المفرط على الطلب الخارجي وتراجع قيمة العملة لدعم القدرة التنافسية للصادرات.

ودعت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأسبوع الماضي الصين إلى «تسريع» دعم الاستهلاك المحلي والابتعاد عن الاعتماد على الصادرات كمحرك رئيسي للنمو.

في المقابل، حذّر لو تينغ، كبير اقتصاديي الصين في «نومورا»، من أن رفع قيمة الرنمينبي، أو اليوان، للحد من الفائض التجاري قد لا يكون مستداماً من دون خطوات جادة لإنهاء الانكماش السعري في الاقتصاد.

 

اقرأ أيضاً: صندوق النقد الدولي يحث الصين على تسريع الإصلاحات الهيكلية

 

وأشار إلى أن قيمة الرنمينبي المرجحة بالتجارة، مقابل سلة من العملات وليس مقابل الدولار فقط، ارتفعت بنحو 3% بين عامي 2021 و2025، وهي فترة قفزت خلالها الصادرات الصينية بنسبة 44.8%.

وأضاف لو: «في حال تباطؤ النمو وتفاقم الانكماش، قد تعود الأسواق إلى تبني نظرة سلبية تجاه الرنمينبي، ما قد يؤدي إلى تراجعه أمام الدولار وسلة العملات».

وفي الوقت نفسه، ارتفع اليوان الخارجي بأكثر من 3% منذ بداية العام الجاري ليصل إلى 7.0496 مقابل الدولار يوم الاثنين، وهو أقوى مستوى له منذ أكتوبر تشرين الأول من العام الماضي، وفق بيانات مجموعة «إل إس إي جي».

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة