بقلم نور العنبكي
منتجة منفذة في CNBC عربية
يراقب المستثمرون حول العالم قرار بنك اليابان الذي سيصدر يوم غد الجمعة 19 ديسمبر كانون الأول الجاري بشأن معدل الفائدة وما سيسفر عنه من انعكاسات على الين والاقتصاد المحلي ، رغم أن الأسواق تتوقع بنسبة تصل 90% بأن البنك سيرفع الفائدة إلى نطاق 0.75% ، وهي الأعلى منذ 30 عاماً، مخالفاً بذلك التيار السائد عالمياً والذي يتجه صوب التيسير النقدي وتخفيف معدلات الفائدة من قبل معظم البنوك المركزية في الاقتصادات المهمة.
ففي تحول جوهري لجأت حكومة اليابان إلى التخلي عن سياسة التيسير النقدي بداية العام الماضي إلى التشديد النقدي بهدف كبح معدل التضخم البالغ 3% والذي تجاوز 2% مستهدف البنك ولمدة 43 شهراً متتالية.
تعطي المؤشرات الاقتصادية اليابانية إشارات متباينة من جهة مخاوف ضعف الاستهلاك وضعف الاقتصاد الذي انكمش في الربع الثالث ، و من جهة اخرى تداعيات رسوم ترامب الجمركية التي تتوقع السوق أن تظهر تأثيراتها بداية العام الجديد، نجحت الشركات اليابانية حتى الآن في تجاوز ضرر التعرفات إلى حد كبير بدليل ارتفاع معنويات الأعمال التي وصلت إلى أعلى مستوى لها في 4 سنوات رغم الاحتكاكات التجارية وقد سجلت الصادرات أسرع نمو لها في 9 أشهر متجاوزة التوقعات بشكل حاد خلال نوفمبر الماضي بالإضافة إلى التصريحات الأخيرة لمحافظ البنك كازو أويدا الذي شدد على صمود الاقتصاد وتجاوزه صدمة الرسوم الأميركية.
ويكمن الاهتمام الشديد بالتحرك الياباني هذه المرة إلى مخاوف من تكرار الزلزال النقدي الذي تعرضت له الأسواق في مارس آذار العام الماضي عندما شرعت اليابان بتطبيع السياسية النقدية والتخلي عن نظام الفائدة السلبي الوحيد في العالم والذي ظل سارياً منذ عام 2016 ورفع المعدلات حينها من النطاق السلبي إلى النطاق الصفري (من -0.10% إلى 0% - 0.10% ).
اقرأ أيضاً: تزايد المخاوف من تصفية صفقات "الين كاري تريد" بعد إشارات اليابان لاستئناف رفع الفائدة
غرقت الأسواق بعد القرار في عام 2024 في عمليات بيع مكثفة للأصول المالية عالية المخاطر كان لها بالغ الأثر عالمياً خصوصاً في وول ستريت بسبب تفكيك صفقات الأموال المحمولة أو ما تعرف بـ " Carry trade" وهي استراتيجية مالية تقوم على الاقتراض بعملة ذات فائدة منخفضة مثل الين الياباني ثم استثمار هذه الأموال المقترضة في عملة أخرى أو أصل يوفر عائداً أعلى مثل السندات والأسهم الأميركية بهدف الاستفادة من فرق أسعار الفائدة بينهما.
ورغم أن الأسواق تسعر مسبقاً هذا الخفض لكن شبح هزة العام الماضي ما زال يخيم على المستثمرين في حال تمادى بنك اليابان في التشديد النقدي وارتفع الين الياباني فوق مستويات 157 يناً للدولار، هنا يبرز القلق من تفكيك الأموال المحمولة وهجرة الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، وهو ما يعزز احتمالات هبوط أسهم الأسواق الناشئة والأسهم اليابانية نفسها بسبب قوة العملة وتراجع أرباح المصدرين إلى جانب توقعات بتراجع الأسهم الأميركية المرتبطة بالتكنولوجيا لاسيما أسهم النمو ذات التقييمات المرتفعة.
من المتوقع أن يؤدي القرار إلى رفع قيمة الين والذي بدوره سيرفع من تكلفة السلع اليابانية في الأسواق العالمية ويقلل من تنافسيتها وبالتالي ستتراجع الصادرات وتتراجع أرباح الشركات اليابانية المصدّرة ، في حين ستزداد الواردات التي ستصبح أرخص نسبياً مع تحسن القوة الشرائية، ما يشجع المستهلكين والشركات على الاستيراد وهو ما قد يضع الميزان التجاري لثاني أكبر اقتصاد في آسيا بحجم يصل إلى 4.3 تريليون دولار بحسب تقديرات عام 2025 أمام تحديات جديدة تتعلق بتغير في معادلة التدفقات التجارية وما يترتب من خلل في الهيكل الاقتصادي.
رفع الفائدة لن يؤثر على الشركات والمستهلكين فقط، ستراقب الأسواق أيضا تكاليف الاقتراض للحكومة اليابانية التي أطلقت أكبر حزمة تحفيزية لها منذ جائحة كوفيد-19 والتي تعتمد على الدين بشكل كببير في محاولة منها لضخ السيولة وتعزيز الاقتصاد، وفي حال ارتفاع التكاليف قد تجد الحكومة صعوبة في تمويل هذه الحزم التي ستصبح أغلى وقد تجد نفسها مضطرة إما لتقليص الإنفاق في مجالات أخرى أو زيادة الضرائب للحفاظ على التوازن المالي.
اقرأ أيضاً: هل يهدّد صعود العوائد اليابانية تجارة الكاري تريد (Carry Trade) عالميًا؟
وستتجه التحركات القوية أيضاً الى أسواق السندات العالمية ، تعد اليابان أكبر مالك أجنبي لسندات الخزانة الأميركية بحيازة تقارب 1.189 تريليون دولار في سبتمبر أيلول 2025 ومع اتجاه بنك اليابان لرفع الفائدة فقد تلجأ الصناديق اليابانية إلى بيع جزء من السندات وإعادة ضخ السيولة في الداخل، الأمر الذي سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع عوائد السندات الأميركية والأوروبية، وبالتالي ترتفع تكلفة خدمة الدين في الولايات المتحدة وأوروبا.
ترتفع عوائد السندات اليابانية لأجل 10 سنواتبشكل مطرد وتتحرك حالياً حول ذرة عام 2007 أي مستويات ما قبل الأزمة المالية العالمية 2008، في حين حققت عوائد السندات لأجل 30 و40 عاماً أعلى مستوياتها على الإطلاق هذا العام مع خروج الأموال من الأصول العالمية وعودتها إلى السندات التي أصبحت أكثر جاذبية بعد رفع الفائدة.
اقرأ أيضاً: ترقب لقرار الفائدة من بنك اليابان.. هل يُشعل تقلبات جديدة في الأسواق العالمية؟ (خاص CNBC عربية)
برغم تسعير الأسواق لخطوات بنك اليابان في خفض معدل الفائدة في آخر اجتماعات 2025 ، ستراقب الأسواق الإشارات من بيان البنك، فالمركزي قد يكون في مأزق حقيقي وعليه أن يوازن بين التمسك برفع المعدلات والمخاطرة بعوائد أعلى وإبطاء الاقتصاد المتعثر بالفعل وإلا فلن يكون أمامه سوى خيار الإبقاء على الفائدة بل وخفضها لدعم النمو الذي قد يؤدي إلى تسارع التضخم بشكل أكبر.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي