
بقلم: أليشا موبين
مدير الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة أستر دي إم للرعاية الصحية
تُعرِّف منظمة الصحة العالمية (WHO) معنى الصحة ببساطة وعمق في آن واحد على النحو التالي: "الصحة هي حالة من اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية، وليست مجرد غياب المرض أو العجز".
شهدت السنوات القليلة الماضية تحولاً جذرياً في الرعاية الصحية بوتيرة أسرع من أية فترة أخرى في التاريخ الحديث. ومع دخولنا مرحلة ما بعد الجائحة، يُعيد الابتكار تشكيل كيفية تقديم الرعاية الصحية وكيفية تمتع الأفراد بالصحة والعافية، ولا تقتصر ريادة الرعاية الصحية اليوم على التميز الطبّي فحسب، بل تشمل أيضاً تبني التقنيات الحديثة، والمجازفة الجريئة، والتعاون بين مختلف القطاعات، وإعادة تصور مفهوم الرعاية الصحية. وقد ساهم الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والطب عن بُعد في جعل الوصول إلى الرعاية الصحية أسرع وأذكى وأكثر تخصيصاً، مما جعل التواصل بين الطبيب والمريض في متاحاً للجميع.
تُتيح التطورات في علم الوراثة، وعلم إطالة العمر، والطب التجديدي، إمكانياتٍ كانت تبدو بعيدة المنال، بينما أصبحت الرعاية الصحية التي تتمحور حول المريض وتعتمد على قيمتها، المعيار الذي يجب علينا الالتزام به. وتتطور المستشفيات من مراكز علاجية إلى بيئات شفائية شاملة يشعر فيها المرضى بالمعرفة والتمكين والدعم في كل خطوة.بنية
تحتية متكاملة للرعاية الصحية الرقمية والتطبيب عن بُعد
قلما نجحت دول في إنشاء منظومة صحية رقمية متكاملة تجمع بين مقدمي الرعاية الصحية من القطاعين العام والخاص. فعلى سبيل المثال، تضم مبادرة دبي "نابض" حالياً 9.5 مليون سجل طبي للمرضى، وتربط أكثر من 1500 منشأة رعاية صحية، وهذا يتيح الحصول على رؤى آنية حول الصحة العامة، وهو أمر بالغ الأهمية لتحديد ومعالجة المشكلات الصحية الرئيسية التي تواجه السكان. لم يعد التطبيب عن بُعد مجرد خدمة إضافية، بل أصبح عنصراً أساسياً في منظومة الرعاية الصحية الناجحة. ومن المتوقع أن ينمو سوق التطبيب عن بُعد في دول مجلس التعاون الخليجي بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي 19.1% خلال الفترة من 2025 إلى 2033. وتُبرز مبادرات دولة الإمارات العربية المتحدة، مثل "طبيب لكل مواطن" و"عيادات صحة الافتراضية"، الدور المحوري للرعاية الصحية عن بُعد.
الذكاء الاصطناعي والتحليلات والطب التنبؤي
مع إيلاء استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031 أولوية قصوى للرعاية الصحية، تشهد التحليلات التنبؤية ومراكز البيانات المتكاملة نمواً متسارعاً، حيث يُمكّن برنامج الجينوم الإماراتي الشامل من الكشف المبكر عن الطفرات الجينية والأمراض الوراثية، مما يمهد الطريق للتدخلات الوقائية والعلاج الشخصي. وتساهم التشخيصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية بالفعل في أتمتة الأعمال الإدارية، ومركزة السجلات الطبية، وتحسين الكفاءة التشغيلية، كل ذلك مع تمكين الأطباء والمرضى من اتخاذ قرارات أكثر استنارة.
التنقل الوظيفي والإصلاح التنظيمي
تعتزم دولة الإمارات العربية المتحدة إطلاق منصة وطنية موحدة للتراخيص الرقمية للعاملين في مجال الرعاية الصحية بحلول الربع الثاني من عام 2026، تجمع بين جميع الجهات التنظيمية المحلية والاتحادية. وستعود هذه المنصة، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بالفائدة على أكثر من 200 ألف عامل في مجال الرعاية الصحية، مما يساهم في الحد من البيروقراطية، وتعزيز التنقل الوظيفي، وتمكين شبكات رعاية صحية مرنة ومتكاملة بين الإمارات.
الابتكار في تقديم الرعاية الصحية
ستساعد المسارات الطبّية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في فرز المرضى بكفاءة، وإحالة المرضى المزمنين المستقرين إلى المراقبة عن بُعد، مع تركيز الموارد المباشرة على الحالات الحادة والمعقدة. وستُسهم المراقبة المستمرة لارتفاع ضغط الدم والسكري وفشل القلب عبر الإنترنت في تقديم الرعاية للمرضى في منازلهم، مما يُتيح التدخلات قبل دخول المستشفى. كما ستُمكّن الصيدليات الافتراضية وعيادات الرعاية المزمنة الأطباء والصيادلة ومنسقي الرعاية من مراقبة المرضى ووصف الأدوية وتوجيههم عن بُعد. كما ستقوم الرعاية المستدامة القيِّمة بإرشاد الأنظمة نحو تقييم الحالة لكل مريض، وتقديم الرعاية الوقائية، والتوافق مع أهداف الصحة والاستدامة الوطنية.
نموذج دبي
وضعت دبي معياراً جديداً في ابتكارات الرعاية الصحية، فباستثمار 118 مليار درهم إماراتي في البنية التحتية والمنصات الرقمية، ساهمت المرافق المدعومة بالذكاء الاصطناعي في خفض أخطاء التشخيص بنسبة 40% وتقليل أوقات انتظار العلاج بنسبة 50%، ما جذب أكثر من 690 ألف سائح بقصد العلاج سنوياً، كما تضمن التغطية التأمينية الشاملة والأطر التنظيمية الصارمة تقديم رعاية عالية الجودة.
في نهاية المطاف، يبقى المريض والعلاقة بين الطبيب والمريض جوهر الرعاية الصحية. ومع دخولنا عام 2026، تتبوأ دولة الإمارات العربية المتحدة مكانة رائدة ليس فقط بفضل الابتكار السريع، بل أيضاً لأنها تجسد فلسفة مفادها أن جوهر الرعاية الصحية يكمن في الرعاية الإنسانية، المدعومة بالتكنولوجيا.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي