شهد العام الأول من الولاية الثانية لدونالد ترامب تحولات جذرية وغير مسبوقة في السياسة الأميركية، مع توقيعه عدداً قياسياً من الأوامر التنفيذية شملت تصعيد الحروب التجارية، خفض الإنفاق الحكومي، وتشديد سياسات الهجرة.
اقتصادياً، أدت الرسوم الجمركية الواسعة إلى اضطراب التجارة العالمية وارتفاع التضخم فوق المستهدف، بالتوازي مع تباطؤ التوظيف وتسريح واسع في القطاع الفدرالي.
وفي الداخل، اتسمت إدارة ترامب بنهج صدامي واستعراضي طال مؤسسات الدولة، ما عزز الانقسام وأضعف الثقة بالحكومة، وفق تقييمات خبراء ومراكز أبحاث.
وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من 250 أمراً تنفيذياً خلال عامه الأول من ولايته الثانية، ليتجاوز بهذا العدد الكبير جميع أسلافه في تاريخ الولايات المتحدة الذي يمتد لنحو 250 عاماً، وفق بيانات رسمية نشرتها (Federal Register) شملت الجوانب السياسية أبرزها حصار فنزويلا والحرب التجارية مع الصين وإعلان رغبته المستمرة في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند وضم كندا لتصبح الولاية رقم 51 بالإضافة إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وتستعرض CNBC عربية أبرز التغيرات الجذرية في السياسة الأميركية خلال عام ترامب الأول بالولاية الثانية.
رسوم جمركية طالت البطاريق!
يمكن تلخيص المشهد الاقتصادي لترامب خلال عامه الأول لرئاسة الولايات المتحدة بولايته الثانية، بأنه مشهد دراماتيكي بدأ بقلب موازين التجارة العالمية رأسًا على عقب بإعلان الرئيس الجمهوري خطة تعرفات جمركية جديدة شاملة على جميع الشركات التجاريين للولايات المتحدة، شملت نحو 180 دولة بما فيهم جزر البطريق "هيرد" و"ماكدونالد"، وصُنفت بأنها الأعلى منذ الكساد الكبير عام 1929، مما أسفر عن ارتباك في حركة التجارة العالمية.
وتُدر الرسوم الجمركية حالياً إيرادات قدرها نحو 30 مليار دولار شهريا للخزانة الأميركية، ليصل إجمالي إيرادات الحكومة الفدرالية حتى أكتوبر/ تشرين الأول نحو 205 مليارات دولار في عام 2025، بحسب منظمة (Tax Foundation).
القانون الواحد الكبير الجميل.. والتسريح الجماعي
وأبرز قرارات ترامب التي أدت لتغيرات جذرية في السياسية الأميركية كانت إقرار القانون الواحد الكبير الجميل (One Big Beautiful Bill)، وهو تشريع شامل يخفض الضرائب ويقلص برامج الرعاية الصحية الفدرالية، بينما يُقوّض المبادرات الصديقة للمناخ، متضمناً انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ.
اقرأ أيضاً: كبير مستشاري ترامب يحذر من مخاطر قرار المحكمة العليا إلغاء الرسوم الجمركية
وشهد عام ترامب الأول بالولاية الثانية تهديد نحو 317 ألف موظف حكومي فدرالي بالتسريح خلال عام 2025، في أكبر عملية تسريح لموظفين حكوميين على نطاقٍ غير مسبوق في العصر الحديث.
وأسس ترامب وزارة كفاءة الحكومة، والمعروفة اختصارًا بـ DOGE، وعين الملياردير الأميركي إيلون ماسك وزيرا عليها، وذلك بهدف خفض الإنفاق الحكومي بواقع تريليوني دولار، لكن الموقع الرسمي للوزارة أظهر أنها وفّرت على دافعي الضرائب نحو 214 مليار دولار، وهو رقم شكّك فيه العديد من الاقتصاديين، بحسب Scripps News.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول وخلال فترة الإغلاق الحكومي بدأت بالفعل إدارة ترامب في تنفيذ خطتها لخفض العمالة وترشيد النفقات الحكومية، خصوصاً بعدما أظهرت قراءات الربع الأخير من عام 2025 أن حجم الخسائر في الناتج المحلي الإجمالي جراء الإغلاق الحكومي بلغت نحو 55 مليار دولار، مع تباطؤ النمو بنحو 0.2%.
ويقول الاستراتيجي الجمهوري الذي عيّنه ترامب في ولايته الأولى بوزارة الخارجية، ماثيو بارتليت، "لقد كانت هذه رئاسة استثنائية بكل المقاييس، لا أعتقد أنه يمكن مقارنتها بأي رئاسة أخرى في التاريخ الأميركي"، وفق تصريحات أدلى بها خلال مقابلة مع شبكة سي بي سي نيوز.
مطاردة المهاجرين
ولم يكتفِ ترامب بفرض الرسوم الجمركية وخفض النفقات الحكومية بقيمة 163 مليار دولار ضمن مقترح ميزانية شامل، بل قرر أيضاً تقليص معدلات الهجرة بشكلٍ جذري، ونشر قوات إنفاذ القانون لجمع المهاجرين على نطاقٍ واسع، وأعلنت وزارة الأمن الداخلي الأميركية في 28 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي أن أكثر 605 آلاف مهاجر غير شرعي تم ترحيلهم من البلاد، كما تشير تقديرات وزارة الأمن الداخلي الأميركية التي كانت تحت سيطرة ترامب إلى أن نحو 1.9 مليون مهاجر غير شرعي قد غادروا البلاد طواعيةً.
وتبلغ التكلفة الإجمالية للهجرة غير الشرعية على دافعي الضرائب الأميركيين نحو 150.7 مليار دولار سنويًا، بعد خصم الضرائب المدفوعة من قبل المهاجرين غير الشرعيين، وفق وثيقة ناقشها مجلس النواب الأميركي.
شبح وكالة التنمية الدولية
وخلال العام الأول من رئاسة ترامب بالولاية الثانية، تحولت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) إلى مجرد ظل لما كانت عليه، وقد أُغلقت الهيئة الفدرالية التي كانت تدعم البث العام بعد أن شجع ترامب، في خطوة رئاسية غير مألوفة، الكونغرس على استعادة التمويل الذي سبق اعتماده.
وفي يناير/ كانون الثاني 2026، وقع الرئيس ترامب، أمرا تنفيذيا يوجه الولايات المتحدة بالانسحاب من 66 منظمة دولية، باعتبارها لم تعد تخدم المصالح الأميركية. وأوضح البيت الأبيض في منشور عبر منصة إكس، أن من بين هذه المنظمات الدولية 31 منظمة مرتبطة بالأمم المتحدة.
سيطرة
وفي مشهد غير مألوف في تاريخ الولايات المتحدة، بدأ ترامب عملية سيطرة جزئية على واشنطن العاصمة، حيث فرض تغييرات هيكلية هائلة على البيت الأبيض دون الحصول على الموافقات المعتادة، ونشر قوات الحرس الوطني لتسيير دوريات في الشوارع، وأمر المسؤولين المحليين بتنظيف الحدائق وإخلاء المشردين.
كما استولى ترامب على مركز كينيدي - مركز الفنون الأدائية التاريخي، وأعاد مجلس إدارته المُختار تغيير اسم أشهر مركز للفنون في واشنطن ليصبح مركز "ترامب – كينيدي" تكريماً لترامب.
وتعلق المؤرخة الرئاسية باربرا بيري على سياسات ترامب خلال عام 2025 قائلة "إن وتيرة التغيير، وأسلوب ترامب، وكيفية إنجازه، ومنهجه في كل ذلك لا مثيل له بين رؤساء أميركا، كل شيء متطرف واستعراضي، لقد حوّل الرئاسة إلى برنامج تلفزيوني"، وفق ما نقلت عن تصريحاتها شبكة سي بي سي نيوز.
التضخم والبطالة أعلى من المستهدف
وتسببت تعرفات ترامب الجمركية وضغوط إدارته على الفدرالي الأميركي لخفض سعر الفائدة في استمرار ارتفاع معدلات التضخم أعلى من المستهدف البالغ 2%، حيث سجلت الولايات المتحدة معدل تضخم على أساس سنوي في نوفمبر/ تشرين الثاني بلغ 2.7%، وهو ما يؤكد استمرار معاناة الشعب الأميركي من ألم الغلاء حتى مع دخول عام 2026.

المزيد من التفاصيل: هل يوافق الأميركيون على سياسات ترامب؟ وماذا قالوا عن ضربة فنزويلا؟
استطلاع
ويرى خبراء استطلعت سي بي سي نيوز آرائهم أن الإجراءات التجارية التي اتخذها ترامب أضرّت بالمستهلكين والشركات الأميركية من خلال رفع الأسعار، وفي الوقت نفسه، لم تُسفر تعرفاته الجمركية إلا عن عدد قليل من الوظائف الموعودة، بل إن الاقتصاد الأميركي فقد أكثر من 100 ألف وظيفة في أكتوبر/ تشرين الأول، معظمها في قطاع التصنيع، وربما يرجع ذلك لأسباب أخرى مثل عمليات التسريح الجماعي في الخدمة المدنية الفدرالية.
وبحسب خبراء استطلعت رويترز آرائهم، وصفوا عام 2025 بأنه "عام لا توظيف.. ولا تسريح" فقد تباطأت معدلات التوظيف بشكل ملحوظ، فيما جاءت معدلات التسريح بأقل من المتوقع رغم سياسة ترامب لخفض الإنفاق الحكومي.
ووفقًا لمركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، فإن 17% فقط من الأميركيين يثقون في قدرة الحكومة الفدرالية على فعل الصواب في معظم الأوقات أو دائمًا.
رئيس العملات المشفرة
وعلى صعيد سوق الكريبتو، بدأ ترامب ولايته الثانية بإعلان نفسه أول "رئيس للعملات المشفّرة"، الأمر الذي زاد من جاثبية العملات الرقمية المشفرة، ودفع العديد من المستثمرين نحو الرهان بأكثر من 200 مليار دولار على الأسعار المستقبلية للعملات الرقمية، غالبًا باستخدام أموال مقترضة، وهم ما يمثل خطراً كبيراً على الاقتصاد الأميركي خصوصاً أن سوق الكريبتو خسرت أكثر من تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال عام 2025.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي