يعكس نهج دونالد ترامب في ولايته الثانية تحولًا عميقًا في السياسة الخارجية الأميركية، من خطاب صدامي متقلب إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل النظام الدولي بمنطق القوة ومناطق النفوذ. فقد تخلّى عن مفهوم القيادة التقليدية للتحالفات الغربية، مفضّلًا الضغط على الحلفاء وحتى مؤشرات التقارب البراغماتي مع الخصوم، مع استخدام انتقائي ومباشر للأدوات الاقتصادية والعسكرية. هذا المسار أحدث ارتباكًا واسعًا لدى الشركاء الغربيين، وطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
منذ الأيام الأولى لولايته الثانية، بدا واضحًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاد إلى البيت الأبيض بنسخة أكثر صدامية وجرأة في توظيف النفوذ الأميركي خارجيًا، في تحول يتجاوز ما عُرف خلال ولايته الأولى (2017–2021)، ليس فقط في الأدوات، بل في الرؤية الكلية للنظام الدولي.
وإذا كانت ولاية ترامب الأولى اتسمت بالارتجال والصدام الخطابي، فإن ولايته الثانية تمثل نسخة أكثر تماسكًا، وأكثر خطورة من حيث التأثير على النظام الدولي، مُتبعاً سياسة لا تسعى إلى الانسحاب من العالم، بل إلى إعادة ترتيبه بالقوة، وفق رؤية تقوم على الصفقات، والضغط، ومناطق النفوذ، في قطيعة واضحة مع الإرث الأميركي التقليدي في قيادة التحالفات العالمية.
في ولايته الأولى، اتسم نهج ترامب الخارجي بشعار "أميركا أولًا" بوصفه موقفًا احتجاجيًا على العولمة والتحالفات التقليدية، غالبًا دون إطار استراتيجي متماسك، أما في ولايته الثانية، فقد تحولت هذه المقاربة إلى مشروع إعادة هندسة للنظام الدولي قائم على منطق القوة، ومناطق النفوذ، والضغط الاقتصادي والعسكري المتزامن.
قطيعة مع مفهوم القيادة الأميركية التقليدية
يشير مراسل البيت الأبيض في إذاعة NPR، فرانكو أوردونيز، في تقرير له، إلى أن الرئيس الأميركي لم يعد يكتفي بانتقاد التحالفات أو المؤسسات الدولية مثلما يفعل مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بل بات يسعى علنًا إلى إعادة توزيع النفوذ العالمي بين القوى الكبرى، وهو ما ظهر في تصريحات مثيرة للجدل عن قناة بنما، وغرينلاند، وحتى كندا التي يرغب في ضمها لتصبح الولاية 51.
اقرأ أيضاً: 200 مليار دولار على المحك.. الوجه الآخر لتبنّي ترامب للعملات الرقمية في 2025
على خلاف الرؤساء الأميركيين السابقين، نادرًا ما يتحدث ترامب في ولايته الثانية عن "مسؤولية الولايات المتحدة في قيادة العالم الحر"، بل يعكس خطابه ازدراءً واضحًا للتحالفات الغربية، وتصويرًا متكررًا للحلفاء الأوروبيين باعتبارهم عبئًا اقتصاديًا وأمنيًا، حيث استهدف ترامب الأنظمة العالمية التي لطالما اشتكى من أنها مجحفة بحق دافعي الضرائب الأميركيين.
ويرى الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي،ستيوارت باتريك، أن الولاية الثانية تمثل "تحولًا ثوريًا" مقارنة بالأولى، حيث لم يعد ترامب يسعى فقط إلى تقليص التزامات واشنطن، بل إلى تقويض القواعد التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وفق التقرير.
هذا التحول أربك الشركاء الغربيين، ودفع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى التصريح بأن "الغرب كما نعرفه لم يعد موجودًا"، في إشارة إلى تآكل الثقة عبر الأطلسي.
استخدام القوة: من التردد إلى الحسم المحسوب
خلال ولايته الأولى، اتُهم ترامب بالتردد في الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيده الخطابي، أما في ولايته الثانية، فقد بات استخدام القوة العسكرية أكثر وضوحًا، وإن ظل محسوبًا، شمل ذلك أخيراً العملية الأميركية في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.
وتوضح الخبيرة الدبلوماسية لوري إسبوزيتو موراي أن سياسة "أميركا أولًا" لم تكن انعزالية كما صُوّرت سابقًا، بل أصبحت الآن نهجًا تدخليًا انتقائيًا، يوظف القوة الاقتصادية والعسكرية لتحقيق أهداف محددة، من إيران إلى أوكرانيا، مرورًا باستهداف الحوثيين.
التقارب مع الخصوم والضغط على الحلفاء
من أبرز ملامح التحول أيضًا، انفتاح ترامب المتزايد على قادة يُصنفون تقليديًا كخصوم لواشنطن، وعلى رأسهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مقابل تصعيد غير مسبوق في لهجته وسلوكه تجاه الحلفاء الأوروبيين.
هذا التباين يعكس رؤية تقوم على البراغماتية الصِرفة، حيث تُقاس العلاقات بميزان المصالح الفورية، لا القيم المشتركة أو الالتزامات طويلة الأمد.
نصف الكرة الغربي: عودة منطق الهيمنة
يتجلى التداخل بين السياسة الداخلية والخارجية لترامب بوضوح في نصف الكرة الغربي، حيث كثّفت الولايات المتحدة حضورها العسكري والضغوط السياسية، لا سيما تجاه فنزويلا.
ويشير المسؤول السابق عن ملف فنزويلا في إدارة أوباما، بنيامين غيدان، إلى أن ترامب ينظر للعالم من زاوية "مناطق النفوذ"، وهي فكرة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، تسعى واشنطن من خلالها إلى إعادة تأكيد هيمنتها في الأميركتين، في مواجهة تمدد الصين وروسيا.
غير أن غيدان يحذر من أن الصين باتت تنافس الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية ليس بالقوة العسكرية، بل عبر التجارة والاستثمار والبنية التحتية، ما يجعلها شريكًا مرغوبًا لا قوة مُخيفة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي