◾ يستعرض النص كيف يُشكّل الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" تحولاً استراتيجياً في القرن الإفريقي، مدفوعاً بموقع الإقليم الحيوي على خليج عدن وباب المندب وما يتيحه من نفوذ بحري وأمني واقتصادي.
◾ محللون يقولون إن تلك الخطوة تندرج ضمن إعادة تموضع إسرائيل خارج دوائر الصراع التقليدية، عبر توسيع حضورها في البحر الأحمر، وتأمين خطوط التجارة والطاقة، ومواجهة تهديدات جماعة الحوثي، مع عوائد اقتصادية واستخباراتية محتملة.
◾ كما يستعرض التقرير التداعيات الإقليمية الأوسع.
تواجه منطقة القرن الإفريقي نُذر تحولات استراتيجية مُربكة؛ بعد الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال"، لا سيما مع أهمية هذه المنطقة الجغرافية، بما يجعلها بوابة عبور استراتيجية نحو مصالح اقتصادية ملموسة تتجاوز الإطار السياسي والأمني.
يكتسب الإقليم -الذي أعلن انفصاله عن الصومال في مايو/ آيار 1991- أهمية خاصة نظراً لموقعه الاستراتيجي الحساس على طول الساحل الشمالي الغربي للصومال، مطلاً على خليج عدن ومجاوراً لمضيق باب المندب، وهو نقطة محورية لعبور الحركة البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس.
يجعل هذا الموقع الإقليم (الممتد على الساحل الجنوبي لخليج عدن) بوابة بحرية حيوية يمكن من خلالها مراقبة وتأمين مسارات الشحن الدولية، كما يمنحه قيمة استراتيجية في التوازنات الإقليمية، ومصالح القوى الإقليمية في المجال البحري والأمني. كما يشكل موقعه حلقة وصل بين الشواطئ الأفريقية واليمنية على الضفة الأخرى من خليج عدن.
ورغم ما يحمله توقيت الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال من دلالة خاصة، لا سيما في ظل الاضطرابات في البحر الأحمر وتحركات جماعة الحوثي، إلا أن هذا التحرك لا يمكن قراءته على أنه استجابة ظرفية للأزمات بشكل مباشر، بقدر ما إنه جزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لإعادة التموضع خارج الدوائر التقليدية للصراع.
وبينما يتعامل صانع القرار الإسرائيلي مع القرن الإفريقي بوصفه امتداداً غير مباشر للأمن القومي، فإن تلك المنطقة وبحكم موقعها المتاخم لأهم الممرات البحرية في العالم وقربها من المحاور التجارية الرئيسية تتيح فرصاً نادرة للجمع بين النفوذ البحري والاختراق السياسي والاستخباراتي.
اقتصادياً، تنظر إسرائيل إلى البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما فضاءً أمنياً لا يقل حساسية عن حدودها البرية، بينما توفر أرض الصومال بوابة استراتيجية للاستثمار في الموانئ والمرافق اللوجستية، بما يضمن تأمين خطوط الإمداد التجاري والطاقوي الحيوية.
الولوج إلى أفريقيا
الكاتبة الأميركية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، إيرينا تسوكرمان، وهي رئيسة شركة "سكاراب رايزينغ" الاستشارية المتخصصة في مجالي الإعلام والأمن، تقول لـ CNBC عربية، إن "اعتراف إسرائيل بأرض الصومال يغير المنطق الاقتصادي الذي تتعامل به إسرائيل مع أفريقيا، ولا سيما القرن الأفريقي وأسواق شرق أفريقيا المجاورة؛ إذ يُحوّل هذا الاعتراف أرض الصومال من بيئة سياسية ملتبسة إلى منصة دبلوماسية واضحة المعالم تُمكّن الشركات والمؤسسات المالية والجهات الحكومية الإسرائيلية من التفاعل بثقة أكبر".
وتعتبر أن "ما كان ممكناً سابقاً عبر ترتيبات غير رسمية أو شركات خارجية أو شراكات غير مباشرة، أصبح الآن قابلاً للهيكلة بشكل علني" بالنسبة لإسرائيل.
"توفر أرض الصومال لإسرائيل قرباً من السوق الإثيوبية الضخمة، وإمكانية الوصول إلى شبكات التجارة الصومالية الممتدة عميقاً في شرق أفريقيا، ومجاورة لممرات الشحن التي تُشكل بالفعل ركيزة للمصالح التجارية والطاقة الإسرائيلية.. ويسمح الاعتراف لإسرائيل بالتعامل مع هذه المنطقة الجغرافية لا كمخاطرة يجب إدارتها دفاعياً، بل كأصل يمكن أن يدعم دبلوماسية تجارية مستدامة"، كما تقول.
اقرأ أيضاً: إثيوبيا توقع اتفاقاً مع أرض الصومال لاستخدام ميناء على البحر الأحمر
حسابات البحر الأحمر
ويتزامن الولوج الى القرن الإفريقي كأولوية استراتيجية إسرائيلية مع مساعيها لتعزيز حضورها البحري على منافذ البحر الأحمر وباب المندب وضبط تحركات جماعة الحوثي.
بحسب تسوكرمان، فإن "بُعد البحر الأحمر يكتسب أهمية خاصة؛ فالاعتراف يمنح إسرائيل وجوداً برياً ودياً على طول أحد أهم الممرات التجارية في العالم، في وقتٍ يهيمن فيه خطر الاضطراب على حسابات الشحن (..)".
الكابلات البحرية بالبحر الأحمر
فيما ينبه الباحث في الشؤون الأفريقية، رئيس وحدة الدراسات الإفريقية في مركز العرب للأبحاث والدراسات، رامي زهدي، لدى حديثه مع CNBC عربية إلى بعد آخر، يرتبط بعلاقة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بالكابلات البحرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر، مشيراً إلى أن "أحد أهم عناصر البنية التحتية في البحر الأحمر هو شبكة الكابلات البحرية للاتصالات العالمية الممتدة عبر هذا الممر وهي عصب التجارة الرقمية العالمية".
ويستطرد: "إن وجود شراكات إسرائيلية في أرض الصومال قد يسمح لإسرائيل بتوسيع رقابتها على هذه الشبكات، خصوصا على مساحة استراتيجية في خليج عدن، مما يمكن أن يعزز من قدراتها الاستخباراتية والسيبرانية، وكذلك يعزز من مصالحها في حماية أو إدارة مسارات الملاحة البحرية من وإلى قناة السويس عبر تعاون استخباراتي وأمني مع الشركاء في القرن الإفريقي".
الأمن يقود الاقتصاد
المدير التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط، غريج رومان، يقول لـ CNBC عربية في هذا السياق، إن "اعتراف إسرائيل في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2025 بأرض الصومال، وهو الأول من نوعه من أي دولة عضو في الأمم المتحدة، هو في الأساس خطوة أمنية مع عائد اقتصادي محتمل كبير (بالنسبة لإسرائيل).. ذلك أن هذه الخطوة تضع إسرائيل عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، مباشرة مقابل اليمن وجماعة الحوثي، بينما تفتح طرق تجارة جديدة إلى شرق أفريقيا".
ويطرح مجموعة من الأفكار الرئيسية التي تنظر إليها إسرائيل فيما يخص التطورات الاستراتيجية الأخيرة في البحر الأحمر، من بينها ما يرتبط بـ "الاستخبارات والتموضع العسكري" كما لا يخفي كذلك الهدف المرتبط بمواجهة التنافس بين القوى الكبرى بما في ذلك الصين وروسيا وتركيا التي تعارض الاعتراف ولها مصالح كبيرة في الصومال.
ويشير إلى الهدف الأول المرتبط بمواجهة تهديد جماعة الحوثي، لافتاً إلى أن الساحل في أرض الصومال يمتد على بعد 300-500 كم من مناطق جماعة الحوثي بما في ذلك ميناء الحديدة.
ويستطرد: منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عطلت الهجمات الحوثية نحو 30 بالمئة من التجارة البحرية العالمية عبر باب المندب. كما أن ميناء إيلات الإسرائيلي أصبح جزئيًا غير قابل للاستخدام بسبب تهديدات جماعة الحوثي.
وفي ضوء ذلك الهدف "تقدم أرض الصومال -لإسرائيل- الإنذار المبكر، والمراقبة البحرية، وعمقاً عملياتياً محتملاً ضد هجمات جماعة الحوثي بالصواريخ والطائرات بدون طيار"، بحسب رومان.
ميناء إيلات
يأتي الاعتراف الإسرائيلي في توقيت يعيد طرح موقع ميناء إيلات ضمن الحسابات الاستراتيجية لتل أبيب، بعدما ظل لسنوات ميناءً ذا وظيفة محدودة مقارنة بموانئ المتوسط. فإعادة توجيه الاهتمام نحو البحر الأحمر تعني عملياً إعادة إدماج إيلات في منظومة الأمن والاقتصاد بالنسبة لإسرائيل، كنقطة عبور تجاري وكذلك كواجهة بحرية مرتبطة بتأمين العمق الجنوبي لها وتعويض أي اختناقات محتملة في مسارات التصدير التقليدية.. وتتضاعف أهمية هذا التحول مع صعود الغاز الطبيعي كأحد أعمدة الاقتصاد الإسرائيلي.
في هذا السياق، يرى زهدي أنه "يمكن لميناء إيلات الإسرائيلي على البحر الأحمر أن يستفيد أكثر من ناحية تعزيز الدور البحري والأمني لإسرائيل في البحر الأحمر وباب المندب عبر شراكات مع أرض الصومال، وهو موقع قريب جدا من الخط البحري الذي يربط إيلات بأهم ممرات التجارة العالمية، وكذلك إمكانية إقامة شبكات لوجستية وأمنية مشتركة لرصد ومواجهة تهديدات في مضيق باب المندب، لا سيما في سياق التهديدات الحوثية وارتباطاتها الإقليمية، وبالتالي و عمليا هذا يعني أن إسرائيل تسعى إلى تحويل إيلات من ميناء محلي صغير نسبيا إلى منصة محورية لعمليات بحرية وأمنية استراتيجية تربط الشرق الأوسط بأفريقيا والمحيط الهندي وذلك عبر التواجد علي باب المندب عن طريق علاقاتها بأرض الصومال بعد الاعتراف به".
قناة السويس في قلب المشهد
ويأتي الحديث عن حدود تأثر ميناء إيلاء في وقت يمثل فيه الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال نقطة تحول في الحسابات الاستراتيجية للبحر الأحمر والقرن الإفريقي، كما يهدد بإعادة تشكيل كامل لمناطق النفوذ البحري والتجاري في المنطقة؛ فتعزيز موقع أرض الصومال يفتح أمام إسرائيل فرصة تعزيز شبكاتها اللوجستية والأمنية على طول خطوط التجارة الدولية.
ومع توسع نطاق التأثير الإسرائيلي في هذه المنطقة، تصبح قناة السويس المصرية محوراً طبيعياً للتأثر بهذه التطورات، لجهة أن تحولات في موازين القوى في القرن الإفريقي وباب المندب قد تؤثر مباشرة على الأمن البحري المصري ومسارات التجارة العالمية، ما يستدعي من القاهرة تعزيز التنسيق الإقليمي مع دول حوض البحر الأحمر لضمان حماية مصالحها الحيوية.
وبهذا المعنى، يتحول الاعتراف الإسرائيلي إلى عامل يعيد رسم خارطة النفوذ في المنطقة، ويضع مصر أمام تحديات جديدة في الحفاظ على الأمن القومي واستقرار حركة الملاحة الدولية.
وكانت مصر قد طالبت بعقد جلسة طارئة لمجلس السلم والأمن الإفريقى، لبحث ما وصفته بالتطور الخطير، وتأكيد وحدة وسلامة الأراضي الصومالية، ورفض الإجراءات الأحادية الإسرائيلية التى تهدد السلم والأمن الإقليميين والدوليين.
يشير زهدي في هذا السياق إلى أن "الاعتراف الإسرائيلي يُعد تحولاً في موازين القوى بالإقليم ويمس الأمن القومي العربي والأفريقي، ويمثل اختراقاً سياسياً إلى شواطئ خليج عدن يمكن أن يؤثر على نفوذ دول أخرى.. وكذلك فإن قناة السويس وهي محور ارتكاز في الأمن القومي المصري، وأي تغيير في ديناميكيات القرن الإفريقي وباب المندب يمكن أن يعيد تشكيل منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر، وهو ما يتطلب من القاهرة قراءة دقيقة لهذه التحولات وتكثيف أطر التعاون مع دول حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي لتأمين المصالح.
ويتابع: "وجود إسرائيل في هذه المنطقة يمثل خطراً كبيراً على الدول العربية ذات الصلة بهذه المنطقة وهي الصومال وچيبوتي ومصر والسودان و اليمن، وكذلك الأردن والمملكة العربية السعودية وفلسطين.. لذلك تُظهر ردود الفعل الرسمية في القاهرة أن الاعتراف يُنظر إليه كـانتهاك للشرعية الدولية واستقرار الإقليم، ما يتطلب التنسيق الدبلوماسي مع الشركاء الإقليميين للحفاظ على استقرار المنطقة".
ومن وجهة تسوكرمان، فإن "مصر تبرز كأكثر الدول صراحةً وأكثرها عرضةً للمخاطر الاستراتيجية"، مشيرة إلى أن "مخاوف القاهرة لا تنبع بالدرجة الأولى من أرض الصومال نفسها، بل من التداعيات المتتالية للاعتراف بها على وصول إثيوبيا إلى البحر، وبالتالي على نفوذ مصر في المفاوضات المتعلقة بنهر النيل".
وتضيف: "إن احتمال قيام إثيوبيا بتعزيز منفذ بحري ذي جدوى سياسية عبر أرض الصومال يزيد من مخاوف مصر من أن أديس أبابا قد تُقلّل تدريجياً من اعتمادها على موافقة مصر في ملفات استراتيجية متعددة، تشمل الأمن المائي والوساطة الإقليمية والتوازن العسكري".
وتوضح في الوقت نفسه أنه "بالنسبة لإسرائيل وغيرها من الجهات الفاعلة الخارجية، يُمثل الاعتراف بالمخاوف المصرية (..) مهمةً دقيقةً تتطلب توازناً دقيقاً. فالاعتراف لا يستلزم الموافقة على كل ترتيب لاحق، ولا يُلزم بدعم أي استعراض عسكري. ويمكن توجيه المشاركة الاقتصادية نحو التركيز على البنية التحتية المدنية، وتيسير التجارة، والأمن الغذائي، والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، وهي مجالات تُسهم في الحد من التقلبات الإقليمية"، على حد تقديرها.
كيف تتأثر دول الجوار؟
تفتح هذه التحولات الباب أمام تحليل أوسع لتداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، على دول الجوار المباشر؛ فالقرب الجغرافي لأرض الصومال من هذه الدول يجعل تأثير أي حضور إسرائيلي ملموساً، لا سيما على صعيد الأمن البحري وحركة التجارة، وكذلك في السياق الاستخباراتي والعسكري الذي بات يمثل أولوية للقدرات الإقليمية الكبرى.
تُظهر التطورات الأخيرة أن دول مثل إثيوبيا وجيبوتي، والتي تتمتع بموقع استراتيجي على ساحل البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية، ستكون أولى المتأثرين بالتحولات التي يُحدثها الاعتراف الإسرائيلي. فعلى الرغم من أن لكل دولة مصالحها الوطنية الخاصة، فإن أي تعديل في التوازن الإقليمي، أو ظهور قوى جديدة في المنطقة، سيجبرها على إعادة تقييم سياساتها الأمنية والتجارية.
ضمن رؤيتها المُطولة التي شاركتها مع CNBC عربية، تحدثت تسوكرمان عن تلك التفاعلات، لا سيما في أبعادها الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، مشيرة إلى أنه "إثيوبيا (بشكل خاص) تقع في قلب التأثيرات الثانوية، وباعتبارها اقتصاداً غير ساحلي يعاني من قيود مستمرة على الوصول، فإنها تستفيد من أي زيادة في التطورات بميناء بربرة في أرض الصومال"، على حد قولها.
وتستطرد: "تتعاطى جيبوتي وإريتريا مع التحولات الحالية من منظورين مختلفين، إلا أنهما يواجهان في الوقت نفسه تغيّراً هيكلياً مشابهاً". وتشير إلى أن قيمة جيبوتي استندت دائماً إلى أهميتها الاستراتيجية البالغة، وليس إلى قدرتها التنافسية المباشرة. ومع تعزيز مكانة أرض الصومال، تتآكل هذه الحصرية تدريجيًا دون أن تُزاح جيبوتي بالكامل، ما يدفعها نحو تطوير خدمات لوجستية ومالية ذات قيمة مضافة أكبر وكفاءة تشغيلية أعلى"، وفق تصورها.
وتضيف: "في المقابل، تواجه إريتريا حالة من التباين الواضح بين نهج المشاركة المحدودة والنماذج التي تركز على الانفتاح والقدرة على التنبؤ. ومع مرور الوقت، قد يدفع هذا التباين إلى إعادة تقييم استراتيجياتها في السعي لتحقيق أهمية اقتصادية أكبر".
وتعتقد بأن "التداعيات الاقتصادية للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا تتوافق بالضرورة مع أسوأ المخاوف التي يعبّر عنها معارضوه؛ فوصول إثيوبيا عبر أرض الصومال لا يُلغي دور جيبوتي، ولا يُحوّل أرض الصومال فوراً إلى منصة عسكرية. بل إن المسار الأرجح هو التنويع لا الإزاحة"، على حد اعتقادها.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي