يتطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، مما يُجبر على إعادة النظر في كيفية تعايش الخوادم المستهلكة للطاقة، والتي تقف وراء هذا التطور الهائل، مع البيئة وتقليل استهلاكها للطاقة.
تُشكل مراكز البيانات العمود الفقري للإنترنت، فهي تدعم جميع الخدمات الرقمية تقريباً. إلا أن هذه المرافق تتطلب كميات هائلة من الطاقة والمياه، وغالباً ما تُعتبر مصدراً للتشويه البصري وعبئاً على المجتمعات التي تستضيفها. ومع ازدياد حجم أحمال عمل الذكاء الاصطناعي في هذه المرافق، سيزداد الضغط على سلاسل إمداد الطاقة.
اقرأ أيضاً: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل في 2026؟
سيمون لارسون، رئيسة قسم الذكاء الاصطناعي المؤسسي في لينوفو، تصرح لشبكة CNBC، بأنه سيأتي "نقطة تحول" يصبح عندها تصميم مراكز البيانات غير مناسب للغرض المطلوب.
وفي ظل أزمة البنية التحتية الرقمية الوشيكة، يبحث عمالقة التكنولوجيا ومطورو هذه البنية التحتية المكلفة عن حلول مستدامة ومبتكرة.
مراكز البيانات المتكاملة
وفقاً لدراسة "مركز بيانات المستقبل" التي أجرتها لينوفو بالتعاون مع أوبينيوم في نوفمبر، فإن مراكز البيانات التقليدية تعجز عن تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بكفاءة، كما أنها لا تفي بأهداف الاستدامة ومتطلبات الامتثال.
وخلصت الدراسة إلى أن غالبية صانعي القرار في مجال تكنولوجيا المعلومات يعطون الأولوية لشركاء التكنولوجيا الذين يقللون من استهلاك الطاقة، إلا أن 46% فقط من المشاركين في الاستطلاع أفادوا بأن تصاميم مراكز البيانات الحالية لديهم تدعم أهداف الاستدامة.
في مواجهة هذه التحديات، تعاونت لينوفو مع مهندسين معماريين من مامو-ماني ومهندسين من إيه كيه تي 2 لتصميم مراكز بيانات تتكامل بشكل أفضل مع البيئة وتتغلب على قيود الطاقة. والنتيجة: تصاميم لمراكز بيانات معزولة تحت الأرض باستخدام أنفاق أو ملاجئ مهجورة، أو معلقة في الهواء للاستفادة من الطاقة الشمسية على مدار الساعة.
في ما يُسمى بـ"قرى البيانات"، تُكدّس الخوادم بشكل معياري بالقرب من المناطق الحضرية، مما يسمح بنقل الحرارة الزائدة من مراكز البيانات لتشغيل المرافق المحلية كالمدارس والمنازل. وينطبق الأمر نفسه على منتجعات مراكز البيانات، حيث تُستخدم الحرارة الزائدة في بيئة صحية. ويمكن إعادة توظيف الحرارة الناتجة عن المنتجع لتشغيل تقنيات التبريد في مركز البيانات.
اقرأ أيضاً: أكثر من مئة صفقة بـ61 مليار دولار.. ارتفاع قياسي لصفقات مراكز البيانات مع ازدهار الذكاء الاصطناعي
لكن ثمة عقبة، حتى شركة لينوفو Lenovo تُقرّ بأن تصاميمها لن تكون قابلة للتطبيق على الأرجح قبل عام 2055 أو بعده، وفق تقرير لشبكة CNBC.
وتوضح الشركة أن دراستها صُممت لإثارة النقاش، وأقرت بضرورة إجراء تغييرات تنظيمية جوهرية قبل تطبيق أي من هذه التصاميم. كما تُشكّل تكلفة بعض المفاهيم وتعقيدها الهندسي، بالإضافة إلى القيود القانونية وقيود قابلية التوسع، تحدياتٍ أخرى.
سيختلف تبني هذه التقنية اختلافاً كبيراً باختلاف المناطق. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، هي الأكثر ترجيحاً لتبني مجمعات بيانات ضخمة وعالية الكثافة نظراً لارتفاع الطلب، وتوفر مساحات أكبر من الأراضي، وبيئة تنظيمية مرنة نسبياً، كما ذكر بيركنز ليو، كبير محللي الأبحاث في مؤسسة 451 للأبحاث التابعة لشركة S&P Global. في المقابل، تتميز أوروبا بشبكة كهرباء أكثر تقييداً ولوائح تنظيمية أكثر صرامة، على حد قوله.
لا يعني هذا أن تصاميم مراكز البيانات المبتكرة مفهوم جديد كلياً. ففي عام 2018، أنشأت مايكروسوفت مركز بيانات يشبه الغواصة على عمق 117 قدماً تحت سطح البحر للاستفادة من مزايا التبريد التي توفرها مياه البحر وطاقة المد والجزر، مما مكّن المشروع من العمل بالكامل بالطاقة المتجددة.

كما توجد أمثلة عديدة على قيام مشغلي مراكز البيانات بإعادة توزيع الحرارة من هذه المنشآت لتدفئة المساكن المجاورة. ففي الصيف الماضي، استُخدمت الحرارة الزائدة من مركز بيانات تابع لشركة Equinix لتدفئة أحواض السباحة الأولمبية في باريس.
خوادم في الفضاء
من مشروع سانكاتشر Suncatcher الطموح من غوغل، ومبادرة "كوكبة الحوسبة ثلاثية الأجسام" التابعة لشركة علي بابا ومختبر تشجيانغ، إلى مشروع ستاركلاود Starcloud من إنفيديا تشتد المنافسة في مجال مراكز البيانات المدارية. كما تستكشف شركات أصغر، مثل إيدج إيروسبيس ولوفت أوربيتال، هذه التقنية.
قد يبدو الأمر ضرباً من الخيال العلمي، وبالفعل، تستشهد غوغل بقصة قصيرة للكاتب إسحاق أسيموف كمصدر إلهام لفكرتها في استغلال طاقة الشمس مباشرةً - لكن هذه المقترحات تُدرس بشكل أكثر جدية من قبل عمالقة التكنولوجيا.
تعمقت دراسة "أسيند" الممولة من الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع شركة تاليس ألينيا سبيس، في جدوى إطلاق مراكز بيانات إلى المدار باستخدام تقنيات الروبوتات.
تعمل شركة تاليس ألينيا سبيس حالياً على تطوير التقنية اللازمة لهذه العملية بهدف إجراء أول مهمة تجريبية في المدار عام 2028. وفي نوفمبر الماضي، أرسلت شركة ستار كلاود الناشئة، المدعومة من شركة إنفيديا، شريحةً إلى الفضاء الخارجي تفوق قوتها أي وحدة معالجة رسومية GPU استُخدمت في الفضاء سابقاً بمئة ضعف.
ووفقاً لتقرير صادر عن المعهد الأوروبي لسياسات الفضاء ESPI، فقد استُثمر نحو 70 مليون يورو، ما يعادل 82 مليون دولار أميركي) من رأس المال الخاص في مشاريع مراكز البيانات الفضائية منذ عام 2020.
استثمارات مراكز البيانات الفضائية تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في عام 2023
منذ عام 2020، تدفقت رؤوس أموال خاصة بقيمة تقارب 70 مليون يورو إلى مراكز البيانات الفضائية من خلال 13 صفقة.
مع ذلك، تبقى مراكز البيانات المدارية بعيدة المنال على المدى القريب، إذ تُشكّل تكلفة إرسال هذه المعدات إلى الفضاء عائقاً كبيراً.
يوضح ليو من شركة ستاندرد آند بورز غلوبال: "تُعدّ المعدات المقاومة للإشعاع، والتبريد في فراغ الفضاء، والتكلفة الباهظة لإطلاق أنظمة الحوسبة الضخمة ذات الكثافة العالية للطاقة إلى المدار، عقبات رئيسية". ويضيف أن التحديات تشمل أيضاً الاتصالات عالية السرعة الموثوقة، والحطام الفضائي، وصعوبات الصيانة.
اقرأ أيضاً: تزايد بناء مراكز البيانات يرفع الطالب على الطاقة في أميركا
يعتمد نموذج تكلفة مراكز البيانات الذي وضعته ESPI على نجاح إطلاق مركبة ستار شيب، بحيث لا تتجاوز تكلفة الإطلاق 10 ملايين دولار.
يقول جيرمين غوتيريز، الباحث في ESPI: "لو سألتني الآن، لقلتُ إن هذا غير واقعي على المدى القريب. لكن على المدى البعيد، يبقى السؤال: هل ستتجاوز التطورات الأرضية وما يترتب عليها من وفورات مستمرة في التكاليف، الوفورات الناتجة عن نشر هذه المراكز في الفضاء؟".
هياكل ضخمة بلا ملامح
لارسون من شركة لينوفو تقول إن خطط مراكز البيانات المستقبلية للشركة تقوم على مبدأ التعايش والتكامل. ويشمل ذلك الاستفادة من جزء من الحرارة المنبعثة من مراكز البيانات لصالح المجتمع والجهات المعنية الأخرى.
بدوره، يصرح جيمس تشيونغ، الشريك في شركة مامو-ماني، لشبكة CNBC أن هدفاً آخر هو جعل هذه المرافق أكثر جاذبية بصرياً حتى لا تُنظر إليها على أنها "هياكل ضخمة بلا ملامح".
ويشرح كيف استخدم المهندسون المعماريون تقنيات مثل المحاكاة الحيوية لاستكشاف كيف يمكن للخوارزميات الطبيعية أن تُظهر أكثر الطرق فعالية لتشتيت الحرارة.
ويضيف: "نتفاعل مع مراكز البيانات يومياً، من خلال أجهزة الكمبيوتر والهواتف. لكن هذا العملاق اللطيف، الذي يعمل في الخفاء، يُمارس ضغطاً هائلاً على المياه ومواردنا".
ضمان الاستدامة
في هذا الإطار، يؤكد خبراء لشبكة CNBC أنه لكي تُطبَّق العديد من هذه الابتكارات، لا بد من تعديل الأنظمة وتطبيق سياسات جديدة لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ويقول ليو من شركة S&P Global: "بإمكان مُشغِّلي مراكز البيانات تبنّي التقنيات الصديقة للبيئة متى شاؤوا، ولكن يجب تبرير ذلك من الناحية المالية". وأضاف أن شبكة الكهرباء بحاجة إلى التحديث، كما يجب الإسراع في نشر مصادر الطاقة المتجددة لتحقيق ذلك.
وبحسب لارسون من شركة لينوفو مجرد تحديث مراكز البيانات لن يكون حلاً ناجعاً دائماً، إذ سيُجبر المشغلين على "محاولة الدخول في حلقة مفرغة أصلاً".
وتضيف أن الشركات ستحتاج بدلاً من ذلك إلى التفكير بشكل إبداعي ومحاولة "تحديد القيود التنظيمية التي يجب تعديلها بما يخدم مصالح سكان العالم، ويحقق في الوقت نفسه أرباح الشركات".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي