◾ تعيد العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا تسليط الضوء على مخاطر جيوسياسية مباشرة على سوق النفط، مع ترقب المستثمرين لتداعيات تلك العملية والفراغ الحالي في كاراكاس صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد عالمياً.
◾ على المدى القصير، يغلب سيناريو ارتفاع الأسعار بفعل عدم اليقين السياسي واحتمال توقف الإمدادات أو تأثرها، في حين يرتبط المسار المتوسط بتطورات المشهد السياسي في كاراكاس؛ إذ قد يؤدي تغيير النظام ورفع العقوبات وعودة الاستثمارات الأجنبية إلى زيادة الإنتاج والصادرات تدريجياً، ما يخفف الضغوط السعرية ويعيد رسم توازنات سوق الطاقة العالمية، بحسب محللين لـ CNBC عربية.
خاص- CNBC عربية- محمد خالد
يشتعل المشهد الجيوسياسي في أميركا اللاتينية على وقع تطور مفصلي؛ مع إعلان واشنطن تنفيذ عملية عسكرية مباشرة في فنزويلا، بما يفتح الباب أمام تداعيات سياسية واقتصادية تتجاوز حدود كاراكاس.
يتصاعد الترقب في أسواق الطاقة العالمية بشكل خاص وسط تساؤلات حول مصير أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، في وقت يعاني فيه القطاع النفطي الفنزويلي من تآكل مزمن في قدراته الإنتاجية بفعل العقوبات، وسنوات من نقص الاستثمار، وتدهور البنية التحتية.
وعادة ما تتفاعل أسعار النفط سريعاً مع هذا النوع من الصدمات الجيوسياسية، إذ يراقب المستثمرون عن كثب احتمالات تأثر الإمدادات، أو إعادة رسم خريطة الصادرات، وما إذا كانت الأزمة ستقود إلى فجوة مؤقتة في المعروض العالمي أو إلى تدفقات نفطية أكبر على المدى المتوسط.. وهو ما يُعتقد بأنه سيكون محركاً رئيسياً لأسعار النفط لدى استئناف التداولات في التعاملات المبكرة يوم الاثنين.

مادورو في قبضة أميركا- صورة نشرها ترامب عبر "تروث سوشيال"
تتشابك السيناريوهات المحتملة مع ضبابية المشهد السياسي في فنزويلا، بين مخاطر الفراغ في السلطة، واحتمالات إعادة تشكيل النظام الحاكم برؤية أميركية، وانعكاسات ذلك على مستقبل العقوبات الأميركية ودور الشركات الدولية، وفي مقدمتها شركات الطاقة العاملة أو الساعية للعودة إلى البلاد.
تضع هذه التطورات أسواق النفط أمام معادلة دقيقة بين عاملين متناقضين؛ قلق فوري من اضطراب الإمدادات يدفع الأسعار صعوداً، ورهانات لاحقة على انفراج سياسي قد يعيد فنزويلا تدريجياً إلى خريطة الإنتاج العالمي، بما يعيد تشكيل توازنات سوق الطاقة في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضاً: نيكولاس مادورو في قبضة واشنطن.. ماذا حدث في فجر فنزويلا الناري؟
ماذا حدث؟
◾ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعلن السبت الثالث من يناير/ كانون الثاني عن أن الولايات المتحدة وجهت ضربات إلى فنزويلا واعتقلت رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته.
◾ قبيل الغارات التي وقعت خلال الليل، وجهت واشنطن اتهامات لمادورو بإدارة "دولة مخدرات" وتزوير انتخابات عام 2024.
مادورو صاحب الـ 63 عاما، الذي اختاره الرئيس الراحل هوجو تشافيز لخلافته عام 2013، كان قد نفى هذه الادعاءات، وقال إن واشنطن تريد السيطرة على احتياطي النفط الفنزويلي، وهو الأكبر في العالم.
◾ لم تقدم واشنطن على مثل هذا التدخل المباشر في المنطقة منذ دخول بنما قبل 37 عاما للإطاحة بالزعيم العسكري مانويل نوريجا بسبب مزاعم مماثلة.
◾ وزيرة العدل الأميركية بام بوندي، كتبت في منشور على منصة إكس بشأن مادورو وزوجته "سيواجهان قريبا غضب العدالة الأميركية على الأراضي الأميركية وفي المحاكم الأميركية".
ماذا عن قطاع النفط؟
◾ بحسب مصدرين مطلعين على عمليات شركة الطاقة الفنزويلية الحكومية PDVSA ، فإن إنتاج النفط وتكريره كانا طبيعيين، وأن منشآتها الرئيسية لم تتعرض لأي أضرار، وذلك وفقاً لتقييم أولي، وفق رويترز.
◾ أفادت وكالة رويترز بأن ميناء لا غوايرا بالقرب من كاراكاس، وهو أحد أكبر موانئ البلاد، ولكنه لا يستخدم في عمليات النفط، قد تعرض لأضرار جسيمة.
◾ ترامب قال في مؤتمر صحافي: " سندير فنزويلا مع جماعة وسنجعل النفط يتدفق كما ينبغي".. وكشف عن أن "شركات النفط الأميركية الكبيرة "ستذهب إلى فنزويلا".
◾ وفيما يخص الحظر على النفط الفنزويلي، أضاف الرئيس الأميركي في مؤتمره الصحافي المسائي: "الحظر المفروض على جميع نفط فنزويلا لا يزال قائماً".
وتمتلك فنزويلا حاليًا 303 مليارات برميل من احتياطيات النفط الخام، والتي يدّعي الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تسيطر عليها الآن.
يُتداول النفط حاليًا عند حوالي 57 دولارًا للبرميل، ما يجعل إجمالي احتياطيات فنزويلا يُقدّر بـ 17.3 تريليون دولار. ومن ثم، فإنه حتى لو باعت الولايات المتحدة هذا النفط بنصف سعر السوق، فسيظل المبلغ 8.7 تريليون دولار.
وبالتالي فإن الولايات المتحدة سيطرت على احتياطيات نفطية تُقدّر قيمتها بإجمالي الناتج المحلي لجميع دول العالم، باستثناء الولايات المتحدة والصين. وهذا يُعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لليابان.
ما هي التداعيات على المديين القصير والمتوسط؟
رئيس شركة Lipow Oil Associates الأميركية، آندي ليبو، يقول لـ CNBC عربية: قبل نحو ثلاثين عاماً، تجاوز إنتاج النفط الفنزويلي 3.2 مليون برميل يومياً. أما اليوم، فيُقدّر الإنتاج بنحو 950 ألف برميل يومياً، يُصدّر منها ما يزيد قليلًا عن 550 ألف برميل يومياً.
وقد أثّرت الجولة الأخيرة من العقوبات الأميركية على أسطول ناقلات النفط غير الرسمي على الصادرات إلى حدٍّ اضطرت معه فنزويلا إلى خفض الإنتاج نظراً لامتلاء مخازنها البرية.
ويضيف: بما أنه من غير الواضح حالياً من يتولى زمام الأمور في فنزويلا، فقد نشهد توقفاً تاماً للصادرات، إذ لا يعرف المشترون الجهة التي يُرسلون إليها الأموال.
ورغم وفرة المعروض في سوق النفط، فإن حالة عدم اليقين الجيوسياسي، إلى جانب خسارة الصادرات الفنزويلية، من المرجح أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بمقدار 3 دولارات للبرميل على المدى القريب، وفق ليبو، الذي يتوقع أن تستمر شركة شيفرون في تصدير 150 ألف برميل يومياً، مما سيخفف من أي تأثير محتمل على الإمدادات.
ويعتقد بأنه إذا تم تشكيل حكومة جديدة بقيادة زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو سريعاً، فمن الممكن تخفيف العقوبات واستمرار تدفق النفط.
ويضيف خلال حديثه مع CNBC عربية: "في الواقع، قد يكون الوضع سلبياً على المدى القصير، حيث سترغب فنزويلا في تصدير أكبر قدر ممكن من النفط، وتسييل مخزونها، واستخدام العائدات الإضافية لدعم الاقتصاد".
ويعاني قطاع النفط الفنزويلي من حالة تدهور شديدة، حتى أنه حتى مع تغيير الحكومة، من غير المرجح أن يشهد أي زيادة ملحوظة في إنتاج النفط لسنوات، نظرًا للحاجة إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل البنية التحتية القائمة. يشمل هذا الاستثمار أيضًا إصلاح محطات توليد الطاقة لتوفير مصدر موثوق للكهرباء.
اقرأ أيضاً: ترامب: أطحنا بمادورو وشركاتنا النفطية الكبيرة ستذهب إلى فنزويلا
وفي سياق متصل، يقول إن من تبعات تحركات الولايات المتحدة رد فعل النظام الإيراني؛ ففي ظل الاضطرابات الحالية في إيران يبزغ سؤال: "هل يمكن أن تؤدي هذه التحركات إلى تغيير النظام، مما قد يتسبب في انقطاع إمدادات النفط وارتفاع الأسعار؟"، مشيراً إلى أنه من السابق لأوانه تقييم تأثير ذلك على الديناميكيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
احتياطات فنزويلا النفطية
تمتلك فنزويلا "أكبر احتياطي نفطي مؤكد على وجه الأرض"، لكنها تنتج أقل من مليون برميل يومياً، بما يمثل حوالي 0.8% من الإنتاج العالمي للنفط الخام.
ويشكل هذا المعدل "أقل من نصف" ما كان يتم انتاجه في فنزويلا قبل وصول مادورو إلى السلطة في العام 2013، لا سيما بعد أن أسهمت العقوبات الدولية المفروضة على الحكومة الفنزويلية والأزمة الاقتصادية العميقة في البلاد التي فاقمت تراجع الاستثمارات بالقطاع وانخفاض القدرات الإنتاجية، إلى تراجع صناعة النفط.

مخاطر نقص الإمدادات
في قراءة أوليّة للتداعيات المحتملة، يقول رئيس قسم أبحاث الطاقة في شركة "MST Marquee" سول كافونيك لـ CNBC عربية، السبت، إنه "من المتوقع ارتفاع أسعار النفط على المدى القريب؛ نتيجةً لمخاطر نقص الإمدادات".
لكن على المدى المتوسط يتوقع انخفاض الأسعار "في حال تشكيل حكومة فنزويلية جديدة ورفع العقوبات وعودة الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط".
ووفق كافونيك، فإن كمية الإمدادات المعرضة للخطر الفوري قد تصل إلى 0.8 مليون برميل يومياً إذا تأثرت الصادرات الفنزويلية جراء هذا الصراع.
ويتابع: "في حال نجاح ترامب في تغيير النظام وتشكيل حكومة أكثر اعتدالاً، فقد ترتفع الصادرات الفنزويلية إلى 3 ملايين برميل يومياً على المدى المتوسط مع رفع العقوبات وعودة الاستثمارات الأجنبية".
السيناريوهات السياسية وأسعار النفط
وترتبط السيناريوهات التالية، على المدى المتوسط، بتداعيات الوضع في فنزويلا على أسعار النفط، بـ "الخطوات التالية" في المشهد السياسي في كاراكاس، ومن ومتى يتولى سدة الحكم في البلاد.
يشار في هذا السياق إلى أنه مع احتمال تولي نائبة الرئيس الفنزويلي، دلسي رودريجيز الرئاسة، ونفوذ كل من وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو ووزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، الكبير على الجيش، يترقب الفنزويليون بقلق ما قد يحدث لاحقا، بحسب رويترز.
بينما تقول زعيمة المعارضة في فنزويلا ماريا كورينا ماتشادو، في بيان على منصة إكس، إن زميلها المعارض إدموندو جونزاليس، الذي تقول المعارضة والولايات المتحدة ومراقبون دوليون إنه فاز في انتخابات 2024، يجب أن يتولى الرئاسة. وتشير إلى أن المعارضة ستعيد النظام في البلاد وتطلق سراح السجناء السياسيين.
من جانبه، فإن الرئيس ترامب قال في مؤتمره الصحافي الذي تحدث فيه عن تفاصيل العملية وتطرق خلاله للمرحلة التالية في فنزويلا، إنه لا يوجد أحد (جاهز) لتولي السلطة في فنزويلا.
لكنه أضاف في الوقت نفسه: "سندير فنزويلا مع جماعة وسنجعل النفط يتدفق كما ينبغي"، مشيراً إلى أنه " بصدد تعيين أشخاص". وقال إن ماتشادو (زعيمة المعارضة) ترغب في القيام بما هو ضروري، لكنه قال إنها "لا تحظى باحترام داخل فنزويلا". كما عبر عن تفهمه بأن نائب رئيس فنزويلا قد أدت اليمين. وكشف عن أنها قالت للولايات المتحدة "سنفعل ما تريدونه".
في هذا السياق، يقول المحلل السلعي لدى بنك يو بي إس UBS جيوفاني ستونوفو لـ CNBC عربية: "ما زال غير واضحاً ما إذا كان رحيل مادورو سيؤدي إلى استقرار البلاد أم إلى العكس"، مشدداً على أن سيناريو وجود فراغ في السلطة سيؤدي إلى رفع أسعار النفط.
ويرى أنه "من المرجح أن تفتتح أسعار النفط (تعاملات الأسبوع الجديد) على انخفاض، إذ قد يفترض المشاركون في السوق رفع القيود الأميركية على صادرات النفط".
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقب العملية، إن بلاده ستنخرط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي، مضيفاً: "نعمل على اتخاذ قرار بشأن الخطوة التالية تجاه القيادة الفنزويلية".
تأثيرات واسعة النطاق
من جانبه، يقول محلل الطاقة في مجموعة ستون إكس، أليكس هودز لـ CNBC عربية: "أعتقد بأن العمليات العسكرية الأخيرة في فنزويلا لها تأثيرات واسعة النطاق على أسواق النفط، قد تكون طويلة الأمد في أغلب الأحيان".
لكنه يضيف: "مع ذلك، أعتقد بأنه في الوقت الراهن، يمكن رفع العقوبات بالكامل، وإلغاء أي حصار قائم على صادرات النفط الخام الفنزويلية.. قد يؤدي ذلك إلى زيادة طفيفة في إمدادات النفط الخام العالمية (+200-300 ألف برميل يومياً) على المدى القريب، مما يزيل خطر انقطاع الإمدادات المحتمل ويؤدي إلى انخفاض الأسعار".
كانت معنويات سوق النفط سلبية إلى حد كبير لفترة من الوقت، لكن يبدو أن احتمال انقطاع صادرات النفط الخام الفنزويلية هو ما حال دون انهيار السوق بشكل كامل.
ويستطرد: "بشكل عام، لا يُتوقع أن يتأثر توازن العرض والطلب الفعلي في سوق النفط بأكثر من بضع مئات من البراميل على المدى القريب.. يبقى السؤال: كيف سيرد العالم على هذه العمليات العسكرية؟ إذا بدت فنزويلا "جاذبة للاستثمار" في المستقبل، فهناك احتمال لنمو إنتاج النفط الخام وصادراته، لكن هذا أمرٌ بعيد المدى".
ويضيف: "أعتقد بأن السوق ستواصل مسارها الهبوطي في البداية عقب هذا الخبر، حيث ستعطي الولايات المتحدة الأولوية لاستمرار تدفق النفط بعد أن أوقفت مؤقتًا بعض الإنتاج في حوض أورينوكو".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي