يواجه مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي في عام 2026 سلسلة من التحديات السياسية والمنهجية، أبرزها تعيين رئيس جديد واقتصاد يشهد تقلبات بين عوامل إيجابية وسلبية، مما يجعل خيارات صانعي السياسات أكثر أهمية.
وبعد ثلاثة تخفيضات متتالية في أسعار الفائدة، من المتوقع أن يتبع البنك المركزي نهجاً أكثر اعتدالًا خلال العام المقبل، حيث قد يصعب إجراء المزيد من التخفيضات نظراً لتوقعات النمو القوي واستمرار ضغوط التضخم.
اقرأ أيضاً: محاضر اجتماع الفدرالي تكشف انقسامًا حادًا بين المسؤولين حول خفض الفائدة في ديسمبر
لكن يبدو أن أمراً واحداً مؤكد: بعد عام من الاضطرابات غير المسبوقة التي أحاطت بمجلس الاحتياطي الفدرالي، يبدو أن عام 2026 سيحمل معه المزيد من التقلبات.
في هذا الإطار، قالت كاثي بوستيانشيتش، كبيرة الاقتصاديين في شركة نيشن وايد: "أعتقد أن الأمور ستُسلَّط عليها الأضواء بشدة، وستكون هناك الكثير من التساؤلات". وأضافت: "لا يزال هناك قدر كبير من عدم اليقين يُبقي الاحتياطي الفدرالي تحت المجهر، وربما تحت ضغط شديد أيضًا".
شهد العام الماضي تسليط الضوء على الاحتياطي الفدرالي بشكل لم يسبق له مثيل.
مع بداية ولايته الثانية في البيت الأبيض، هدد الرئيس دونالد ترامب مراراً وتكراراً بإقالة رئيس مجلس الفدرالي جيروم باول لعدم إقدامه على خفض أسعار الفائدة بالسرعة الكافية.
وفي منتصف العام تقريباً، تعرض الاحتياطي الفدرالي لانتقادات جديدة، هذه المرة بسبب تجاوزات في تكاليف مشروع تجديد مقره الرئيسي في واشنطن.
في غضون ذلك، حاول ترامب عزل الحاكمة ليزا كوك بناءً على مزاعم، لم تثبت صحتها بعد ولم تُوجه إليها حتى اتهامات رسمية، بارتكابها عمليات احتيال عقاري.

اقرأ أيضاً: "انقسام الفدرالي".. كيف يؤثر على اتخاذ قرار الفائدة في ديسمبر؟ (خاص CNBC عربية)
وجاء كل ذلك في ظل التساؤل حول من سيخلف جيروم باول في رئاسة مجلس الاحتياطي الفدرالي عند انتهاء ولايته في مايو، حيث تم النظر في ترشيح ما يصل إلى 11 مرشحاً خلال عملية مقابلة أشرف عليها وزير الخزانة سكوت بيسنت.
وإذا بدا كل هذا مُرهقاً، فضع في اعتبارك أن عام 2026 يبدأ بجلسة استماع في المحكمة العليا مُقررة في 21 يناير للبتّ في ما إذا كان ترامب يملك صلاحية عزل كوك.
وبعد أسبوع، تُجري لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية تصويتها على سعر الفائدة. ومن المتوقع أن يُعلن ترامب، خلال الشهر، عن مرشحه لرئاسة مجلس الاحتياطي الفدرالي. كما سيتعين على باول، الذي التزم الصمت حيال هذه المسألة حتى الآن، الكشف عما إذا كان يُخطط للاستمرار في عضوية مجلس المحافظين حتى يناير 2028.
شهدت جولات التصويت الأخيرة على أسعار الفائدة معارضات عديدة، كما أن رؤساء المناطق الجدد الذين سينضمون إلى لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية يميلون إلى سياسة نقدية متشددة، ما يعني أنهم سيرجحون مقاومة أي تخفيضات إضافية.
ويقول بوستيانشيتش: "لا يزال الوضع صعباً بالنسبة للاحتياطي الفدرالي".
التركيز على السياسة
مع ذلك، فيما يتعلق بالسياسة، يتوقع معظم المحللين في وول ستريت أن يتجاهل الاحتياطي الفيدرالي الضجيج الإعلامي ويواصل خفض سعر الفائدة القياسي تدريجياً حتى يقترب من المستوى المحايد عند حوالي 3%. يُعتبر المستوى المحايد نقطة لا تُحفز النشاط الاقتصادي ولا تُعيقه، ويكون سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية أعلى بنصف نقطة مئوية فقط من المستوى الذي يتوقعه معظم أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية على المدى الطويل.
يوضح بوستيانشيتش: "ساعد الرئيس باول في تنسيق ثلاث عمليات خفض متتالية لسعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. لم يكن الأمر كما لو أنه يعرقل جهود لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لخفض أسعار الفائدة". أما فيما يخص المزيد من التخفيضات، "فبالنسبة لنا، الأمر يتعلق بالبيانات الاقتصادية".
بالنسبة لبوستيانشيتش تشير البيانات إلى خفضين محتملين هذا العام، أحدهما في منتصف العام تقريباً والآخر قرب نهايته. بينما تشير توقعات الاحتياطي الفيدرالي، وفقاً لشبكة "النقاط البيانية"، إلى خفض واحد فقط، في حين يرى آخرون، مثل كبير الاقتصاديين في موديز أناليتكس، مارك زاندي، وسيتي غروب، أن ضعف سوق العمل قد يؤدي إلى ثلاثة تخفيضات.

اقرأ أيضاً: مسؤولان سابقان بالفدرالي يكشفان لـ CNBC عربية: كيف يفكر "جيروم باول" ورفاقه؟
وقد تمسك باول وزملاؤه بموقفهم الرافض للضغوط التي قد تدفعهم إلى خفض أسعار الفائدة، مؤكدين أنهم سيسترشدون بالبيانات.
ويعتقد تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في أبولو غلوبال مانجمنت، أن الاقتصاد سيكون قوياً جداً بحيث لا يستطيع الاحتياطي الفدرالي خفض أسعار الفائدة بشكل كبير، متوقعاً خفضاً واحداً فقط.
ويقول سلوك خلال مقابلة مع قناة CNBC: "المشكلة تكمن في أن رياح الاقتصاد الأميركي تتغير بشكل جذري".
دور الذكاء الاصطناعي
يُعدّ دور الذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي أحد العوامل غير المتوقعة.
يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه مُحسّن للإنتاجية، وفي الوقت نفسه، قد يُشكّل عائقاً أمام التوظيف، لذا فإن تقييم تأثيره على الاقتصاد سيكون بالغ الأهمية بالنسبة للاحتياطي الفدرالي، كما يصرّح جوزيف بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في شركة RSM.
ويضيف بروسويلاس: "يواجه الاحتياطي الفيدرالي هذا العام تحدياً حقيقياً في إيصال استراتيجيته. فهناك استثمارات ضخمة تتدفق إلى تقنيات متطورة للغاية، وسيحتاج الاحتياطي الفدرالي إلى توضيح رؤيته الأساسية لما يعنيه ذلك".
بعد تباطؤ النمو في بداية عام 2026، شهد الاقتصاد نمواً سريعاً في الربعين الأوسطين، ويتجه نحو التسارع بنسبة 3% في الربع الأخير، وفقاً لبيانات أولية من بنك الاحتياطي الفدرالي في أتلانتا.
إضافةً إلى دعمها للاقتصاد بشكل عام، مثّلت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي أحد أبرز عوامل نجاح وول ستريت هذا العام، حيث حققت المؤشرات الرئيسية ارتفاعاتٍ تجاوزت 10%.
ويجد بروسويلاس إن تعديل السياسة النقدية في ظل هذه الظروف سيكون صعباً.
ويوضح: "سيحتاج البنك المركزي إلى توفير توجيهات استراتيجية في وقتٍ يتجه فيه الاقتصاد بوضوح نحو دمج هذه التكنولوجيا المتطورة في إنتاج السلع وتقديم الخدمات. إنه تحول كبير محتمل في السياسة النقدية، وهو أمر لا بد منه".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي