قصة صراع النفط بين واشنطن وكاراكاس.. أيهما سرق الآخر؟ (خاص CNBC عربية)

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

خاص- CNBC عربية- محمد سالم

في مشهد عكس تصاعد الصراع بين واشنطن وكاراكاس، وقبل أن تقدم قوات دلتا الأميركية على احتجاز الرئيس الفنزولي نيكولاس مادورو ، خرج الرئيس الأميركي بتصريحات اتهم فيها فنزويلا بـ "سرقة نفط الولايات المتحدة".

في 17 ديسمبر كانون الأول2025، صرّح ترامب من البيت الأبيض بأن فنزويلا "استولت بشكل غير قانوني" على أصول نفطية أميركية منذ سنوات التأميم، وطالبها بدفع ثمن هذه الأصول فوراً.

وفي تصريحات أخرى بتاريخ 22 ديسمبر 2025، قال ترامب إن الولايات المتحدة "ستحتفظ" بالنفط الفنزويلي الذي تمت مصادرته من ناقلات، مؤكداً أن بلاده لن تعيده لكاراكاس.

هذه الاتهامات جاءت قبل أسبوعين تقريباً من العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأميركية في 3 يناير/ كانون الثاني 2026 وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.

فما قصة الاتهامات الأميركية لكاراكاس بسرقتها.. وهل لها أساس تاريخي؟

في أوائل القرن العشرين، لم تكن فنزويلا تملك التكنولوجيا أو رأس المال لاستخراج ثرواتها النفطية. هنا دخلت الشركات الأميركية، وعلى رأسها ستاندرد أويل، بضخ استثمارات ضخمة.  

وخلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت فنزويلا مورداً أساسياً للنفط للولايات المتحدة. وفي عام 1943، تم التوصل إلى اتفاق تاريخي عُرف بـ قانون 50/50، الذي قضى بتقاسم الأرباح بالتساوي بين الدولة والشركات الأجنبية، وهو النموذج الذي ألهم لاحقاً دول "أوبك" فى اتفاقاتها مع الشركات الأجنبية.

قانون 50/50 الذي أقرته فنزويلا عام 1943 يُعد محطة تاريخية في صناعة النفط العالمية، إذ فرض لأول مرة تقاسم الأرباح بين الدولة والشركات الأجنبية بنسبة متساوية، وأصبح نموذجاً ألهم لاحقاً دول الشرق الأوسط وأدى إلى نشوء فكرة منظمة "أوبك".  

كان هذا التشريع بمثابة ثورة في ذلك الوقت، حيث انتقلت فنزويلا من موقع التابع إلى شريك متكافئ. وبعد أن ترسخ هذا النموذج داخلياً، قامت فنزويلا في أواخر الأربعينيات بالترويج له لدى دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط، لتجنب المنافسة غير العادلة في الضرائب، وهو ما ساهم في ترسيخ فكرة السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية.

وأصبح لاحقا هذا النموذج حجر الأساس الذي استندت إليه دول "أوبك" في مفاوضاتها مع الشركات العالمية، ليُسجل اسم فنزويلا كأول من وضع قاعدة "تقاسم الثروة النفطية" بشكل منظم.  

اقرأ أيضاََ: أسعار النفط ترتفع مع تجاهل السوق للاضطرابات في فنزويلا

تأميم النفط 1976

التحول الأكبر جاء عام 1976، حين قام الرئيس كارلوس أندريس بيريز بتأميم صناعة النفط، مؤسساً شركة وطنية للنفط.  

ففي 1 يناير 1976، أعلن بيريز رسمياً تأميم صناعة النفط، منهياً عقود الامتيازات الأجنبية. ثم أسس الشركة الوطنية PDVSA لتتولى إدارة الإنتاج والتسويق. ولم تطرد فنزويلا الشركات الأجنبية بالكامل، بل تحولت إلى "شركات خدمات" تعمل بعقود محدودة تحت إشراف الدولة.

أما بيريز فقد وصف القرار بأنه "استعادة للسيادة الوطنية"، مؤكداً أن النفط يجب أن يكون أداة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لبلاده.

حقبة هوغو تشافيز

مع وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، تغيرت المعادلة جذرياً. فواشنطن اعتبرت قراراته بمثابة "استيلاء غير مشروع"، بينما رأت كاراكاس أنها "استرداد للسيادة"، حيث قام بتأميم صناعة النفط فى بلاده. 

وكشفت الأرقام عن حجم الخسائر التي منيت بها الشركات الأميركية، فكانت كالتالي: 

1- كونوكو فيليبس (ConocoPhillips)، رفعت دعوى ضد فنزويلا أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) بعد تأميم مشاريعها في حزام أورينوكو (هاماكا وبتروزواتا).  

وفي عام 2019، صدر حكم يلزم فنزويلا بدفع نحو 8.7 - 9 مليارات دولار كتعويضات، وهو أكبر حكم ضدها في تاريخ التحكيم الدولي.

2- إكسون موبيل (ExxonMobil)حصلت على حكم تعويض بقيمة 1.6 مليار دولار عام 2014 من محكمة التحكيم التابعة لـ ICSID.  

 وفي عام 2023، صدر حكم إضافي بتعويضات قدرها 77 مليون دولار في نزاع منفصل حول بعض الأصول المؤممة.

3- سيتجو (Citgo)، شركة التكرير والتوزيع المملوكة لفنزويلا في الولايات المتحدة.  

وأقرت محكمة في ديلاوير الأميركية بيعها في مزاد علني لتسديد ديون تتجاوز 21.3 مليار دولار لصالح مجموعة من الدائنين الدوليين.

تقول الباحثة المتخصصة في شؤون أميركا اللاتينية والكاريبي، صدفه محمد لـ CNBC عربية، إن هذه التعويضات لم تكن كافية لأميركا، التي طالب بالمزيد، وهو ما يفسر اتهامات ترامب لفنزويلا بسرقة النفط.

وتري  أن الرئيس الأميركي لن يستغني عن النفط الفنزويلي، خاصة وأنها تنتج النفط الخام الثقيل، بينما أميركا تنتج النفط الخفيف. 

"عملاق النفط المتعثر"

ورغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي عالمي، تعاني فنزويلا من فجوة هائلة بين الإمكانيات والواقع. فالاحتياطيات المؤكدة لديها تبلغ 303 مليار برميل، أي نحو 17% من الاحتياطي العالمي حسب بيانات تقرير أوبك 2025.  

أما حجم الإنتاج فقد بلغ 3.4 مليون برميل يومياً في التسعينيات.  ثم انهار إلى 392 ألف برميل يومياً عام 2020. 

وعاد ليتعافى جزئياً إلى نحو 900 ألف – 1.1 مليون برميل يومياً في 2025. 

ورغم كل هذا، فقد تراكمت الديون المستحقة على شركة PDVSA لتتجاوز 34.9 مليار دولار.

شاهد أيضاََ: ديون فنزويلا.. رهان سياسي يعيد السندات إلى الواجهة!

والآن .. من "سرق" من؟

قد تعتمد الإجابة عن السؤال على هوية من يسأل، وأين تتركز مصالحه.  فعلي جانب، تري واشنطن أن فنزويلا "استولت" على استثمارات مليارية بغير حق حين أقدمت على خطوات التأميم خصوصاََ فى عصر شافيز. 

بينما تعتبر كاراكاس أنها "استردت سيادتها" وأن العقوبات الأميركية هي التي "تسرق" أصولها الخارجية.  

كيف عزلت واشنطن فنزويلا؟

هناك سلسلة من العقوبات الاقتصادية، الدبلوماسية، والمالية التي فرضتها الإدارات الأميركية المتعاقبة وخاصة إدارة ترامب، على فنزويلا. هذه القرارات لم تكن مجرد عقوبات ثنائية، بل صُممت لتجعل التعامل مع فنزويلا "خطيراً" على أي طرف دولي آخر، مما أدى إلى عزلتها.

كان هذا واحدا من أهم القرارات السياسية، ففي يناير 2019، أعلنت واشنطن أن نيكولاس مادورو "رئيس غير شرعي" واعترفت برئيس البرلمان آنذاك، خوان غوايدو، رئيساً مؤقتاً للبلاد.

وتبعت واشنطن في هذا القرار عديداََ من الدولن منها معظم دول الاتحاد الأوروبي. وأدى ذلك إلى طرد سفراء نظام مادورو من عواصم عديدة وتجميد اعتراف المنظمات الدولية بتمثيل حكومته.

وفي عام 2019، فرضت واشنطن عقوبات على شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA)، وهي العمود الفقري للاقتصاد فى البلاد. فقد منعت أي شركة أميركية من شراء النفط الفنزويلي، وجمدت جميع أصول الشركة في الولايات المتحدة بما في ذلك شركة "سيتجو" التابعة.

كما هددت  بـعقوبات ثانوية، ما جعل الصين والهند والشركات الأوروبية تخشى شراء النفط الفنزويلي خوفاً من العقوبات الأميركية، وهو ما حرم فنزويلا من المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وعزلها عن سوق الطاقة العالمي.

كما اتخذت واشنطن قرارات بمنع الحكومة الفنزويلية من الوصول إلى النظام المالي الأميركي، فقد منعت البنوك الأميركية والعالمية من إجراء تحويلات تخص الحكومة الفنزويلية أو إصدار سندات دين جديدة.

ووجدت فنزويلا نفسها عاجزة عن سداد ديونها الدولية أو حتى شراء السلع الأساسية، كالأدوية والأغذية، عبر القنوات البنكية الرسمية، لأن البنوك العالمية توقفت عن التعامل مع البنك المركزي الفنزويلي.

كذلك أصدرت واشنطن أوامر تنفيذية بتجميد جميع ممتلكات وأصول الحكومة الفنزويلية الموجودة داخل الولايات المتحدة.

وشجع هذا القرار دولاً أخرى على فعل الشيء نفسه؛ فعلى سبيل المثال، جمد بنك إنجلترا ما قيمته مليار دولار من الذهب الفنزويلي المودع لديه، ورفض تسليمه لحكومة مادورو بناءً على قرارات واشنطن.

وصنفت واشنطن كبار المسؤولين في الدولة بمن فيهم مادورو نفسه، كمتورطين في تجارة المخدرات أو دعم الإرهاب، ووضعت مكافآت مالية للقبض عليهم.

وأدى ذلك إلى تقييد حركة المسؤولين الفنزويليين دولياً، حيث أصبحوا مهددين بالاعتقال في حال سفرهم إلى دول ترتبط بمعاهدات تسليم مجرمين مع واشنطن.

وبهذا تتضح لنا معالم العلاقة المعقدة التي شابها التشابك التاريخي بين الدولتين، والتي أدت فى المهاية إلي إقدام ترامب على إصدار أورامر للجيش الأميركي باحتجاز الرئيس الفنزويلي، بعمل عسكري مفاجيئ.

كما تعتزم الولايات المتحدة محاكمته بتهم تتعلق بالإرهاب وتهريب المخدرات، كما يبدول أن ترامب يمهد لمرحلة جديدة تماماََ في إدارة ثروات فنزويلا النفطية بالتوازي مع محاكمة رئيسها. 

ماذا يقول القانون الدولي بشأن الإتهام؟

وفي تعقيبه على اتهام ترامب لفنزويلا بسرقة الولايات المتدة، يقول أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في شؤون أميركا اللاتينية، حمدي أعمر حداد لـ CNBC عربية، إنه من منظور القانون الدولي، لا يوجد أي أساس قانوني يجيز لدولة ما المطالبة بملكية موارد طبيعية تقع داخل إقليم دولة أخرى، إذ أن مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية يُعد من المبادئ المستقرة في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد كرّست هيئات التحكيم الدولية هذا المبدأ في قضايا بارزة ضد فنزويلا، مثل ExxonMobil v. Venezuela و ConocoPhillips v. Venezuela، حيث أقرت بشرعية التأميم باعتباره ممارسة مشروعة لسيادة الدولة على ثرواتها الطبيعية، مع التأكيد على أن التأميم لا يُعد عملاً غير مشروع في ذاته، وإنما يرتب مسؤولية دولية إذا لم يقترن بتعويض عادل وفعّال للمستثمرين الأجانب.  

ويضيف  أستاذ العلاقات الدولية، إن محكمة العدل الدولية أكدت في اجتهاداتها أن الموارد الطبيعية، بما فيها النفط، تظل ضمن الاختصاص السيادي الحصري للدولة التي تقع داخل إقليمها، وأن وجود استثمارات أجنبية لا ينقل ملكية هذه الموارد إلى دولها الأصلية

وبالتالي، يواصل حداد، فإن أي توصيف لتصرفات فنزويلا على أنها "سرقة لنفط دولة أخرى" يفتقر إلى أساس في القانون الدولي العام، إذ يبقى النزاع محصوراً في إطار المسؤولية الدولية عن الالتزامات الاستثمارية، دون المساس بالسيادة الوطنية أو ملكية الدولة لمواردها الطبيعية.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة