هل تتغير خارطة التحالفات في أميركا اللاتينية بعد أحداث فنزويلا؟ (خاص CNBC عربية)

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

أعاد اعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو وتقديمه للمحاكمة في الولايات المتحدة إحياء الجدل حول التدخل الأميركي وسياسات تغيير الأنظمة، كاشفاً عن عودة واضحة لاستدعاء "مبدأ مونرو" في مواجهة تمدد الصين وروسيا بأميركا اللاتينية، وسط مخاوف من تداعيات جيوسياسية واقتصادية تطال التجارة العالمية وأسواق النفط، وفي وقت تتجه فيه دول القارة إلى مفترق طرق بين تعزيز التقارب مع واشنطن أو تنويع تحالفاتها نحو قوى غير غربية، بما ينذر بمشهد إقليمي أكثر تعقيداً واستقطاباً في نصف الكرة الغربي.

خاص -CNBC عربية- محمد سالم

في أعقاب العملية الأميركية التي انتهت بالقبض على نيكولاس مادورو، تسود حالة من الترقب لمواقف الدول وردور أفعالها إزاء المتغيرات المتلاحقة بأميركا اللاتينية.

أعاد هذا الحدث إلى الواجهة جدل التدخل الأميركي وسياسات تغيير الأنظمة، وفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في نصف الكرة الغربي، فضلاََ عن تساؤلات جوهرية حول تداعيات هذه الأحداث على حرمة التجارة العالمية ومدي استقرار أسواق النفط.

استدعت واشنطن روح “مبدأ مونرو” الذي يهدف لتقييد تمدد الصين في المنطقة. وأكدت ذلك تصريحات الرئيس دونالد ترامب بلهجة تهديد واضحة امتدت إلى كولومبيا وكوبا، ما يعكس احتمال توسع الضغط الأميركي.

ما هو “مبدأ مونرو”؟

في ديسمبر/ كانون الأول عام 1823، أعلن الرئيس الأميركي جيمس مونرو أمام الكونغرس ما أصبح لاحقاً يعرف بـ مبدأ مونرو، مؤكداً أن أي محاولة من القوى الأوروبية لإعادة استعمار أو التدخل في شؤون دول أميركا اللاتينية الناشئة ستُعتبر عملاً عدائياً ضد الولايات المتحدة.

جاء هذا الإعلان في لحظة تاريخية كانت فيها معظم المستعمرات الإسبانية والبرتغالية قد نالت استقلالها، فكان بمثابة إعلان حماية أميركية لنصف الكرة الغربي من النفوذ الأوروبي.

ورغم أن أوروبا تجاهلت المبدأ في بدايته، إلا أنه تحول لاحقاً إلى ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأميركية.  

على مدار القرن العشرين، استخدمت واشنطن مبدأ مونرو لتبرير تدخلاتها في شؤون دول أميركا اللاتينية، من دعم الانقلابات العسكرية إلى فرض العقوبات الاقتصادية، تحت شعار حماية القارة من "النفوذ الخارجي".

ومع تطور الأحداث، أضيفت إليه تفسيرات مثل "مبدأ روزفلت" الذي منح الولايات المتحدة حق التدخل المباشر لضبط الأوضاع.

واليوم، يُستدعى هذا المبدأ في سياق الصراع مع الصين وروسيا، حيث ترى واشنطن أن تمددهما الاقتصادي والسياسي في المنطقة يمثل تحدياً جديداً لهيمنتها التقليدية في "الفناء الخلفي" الأميركي.  

 

اقرأ أيضاََ: مسؤول في الفدرالي الأميركي يتهم الذكاء الاصطناعي في تباطؤ التوظيف

 خريطة التحالفات الحالية

تسعى واشنطن لترسيخ ردع سريع وإعادة ترتيب المشهد الفنزويلي بما يقلص نفوذ خصومها، مع نبرة توسع محتملة إلى ملفات إقليمية ككولومبيا وكوبا.

تكشف بيانات البنك الدولي واللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية (ECLAC) أن الولايات المتحدة تظل اللاعب الاقتصادي المهيمن في المنطقة، حيث بلغ إجمالي التبادل التجاري بين الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية والكاريبي نحو 1.6 تريليون دولار عام 2024.

وفي مقابل هذا الازدهار الإقليمي، عانت فنزويلا من عزلة قاسية نتيجة تجميد أصولها، بما في ذلك مليار دولار من الذهب في بنك إنجلترا، وقطع وصولها لنظام "سويفت" المالي، مما حد من قدرة ثروتها النفطية فى حركة بناء اقتصادها.

الصين

بالنسبة للصين، فقد قدمت إدانة دبلوماسية واضحة لتحرك ترامب ضد مادورو. وتشير بيانات العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، إلي وجود استثمارات نفطية ومعدنية عبر “الحزام والطريق”.

وتشير بيانات البنك الدولي وتقارير التجارة الدولية إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الصين وأميركا اللاتينية تشهد نمواً متسارعاً، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين نحو 518.4 مليار دولار في 2024، مسجلاً زيادة قدرها 6% مقارنة بالعام السابق.

وتوضح الأرقام أن الصين أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري للمنطقة بعد الولايات المتحدة، إذ تستورد بكين بشكل رئيسي النفط الخام، النحاس، فول الصويا، والليثيوم، فيما تصدر إلى الأسواق اللاتينية منتجات صناعية وإلكترونية وآلات.  

هذا النمو يعكس تحولاً في ميزان القوى الاقتصادية بالقارة، حيث باتت الصين توفر بديلاً تمويلياً وتجاريًا مهماً لدول تواجه ضغوطاً مالية أو سياسية من واشنطن، ما يعزز احتمالات إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية في نصف الكرة الغربي.  

روسيا

دانت روسيا تحرك واشنطن تجاه فنزويلا، وأكدت استمرار دعمها السياسي لكاراكاس، لكن التساؤلات تدور حول امتلاكها أدوات نفوذ حقيقية للتأثير فى صناعة القرار بأميركا اللاتينية.

تشير بيانات التجارة الدولية إلى أن العلاقات الاقتصادية بين روسيا وأميركا اللاتينية ما تزال هامشية مقارنة بالشركاء الكبار مثل الصين وأميركا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري نحو 18 مليار دولار في 2024.

وتتركز صادرات روسيا إلى المنطقة في الأسمدة، الحبوب، المنتجات النفطية، والأسلحة، بينما تستورد من دول مثل البرازيل والأرجنتين منتجات زراعية ولحوم.

اقرأ أيضاََ: بعد اعتقال مادورو.. من يتحكم بثروة فنزويلا النفطية وما التداعيات على أسواق الطاقة؟

يظل النفوذ الاقتصادي الروسي محدوداً مقارنة بالصين التي تتجاوز تجارتها مع المنطقة 500 مليار دولار، والولايات المتحدة التي تقترب من 940 مليار دولار.

السيناريوهات المحتملة

في تعقيبه على التحركات الأخيرة للقوي العظمي الرئيسية فى دول أميركا اللاتينية، يقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي، الباحث في شؤون أميركا اللاتينية، عطيف محمد لـ CNBC عربية إن عودة الهيمنة الأميركية ستعتمد علي تقديم حوافز حقيقية وقيادة حوار حقيقي مع دول المنطقة بحيث تضمن استقرا العلاقات معها. ويؤكد أن خريطة التحالفات ستؤكدها نتائج الانتخابات المحلية المقبلة التي ستجربها دول عديدة بالقارة. 

ويشير إلى أن الضغوط الأميركية قد تؤدي إما إلى اتجاه بعض دول القارة لتعزيز علاقاتها بالولايات المتحدة؛ فعلى سبيل المثال قد رأت تشيلي في سقوط "مادورو" فرصة لجذب استثمارات أميركية فى قطاع الطاقة وتحسين فرصة التعاون معها، أو بتعزيز التحول نحو الصين وروسيا وبالتالي زيادة حدة الاستقطاب الجيوسياسي، مضيفاََ أن روسيا تستطيع عرض شراكات عسكرية رمزية. 

عودة الهيمنة الأميركية ستعتمد علي تقديم حوافز حقيقية وقيادة حوار حقيقي مع دول المنطقة

عطيف محمد
أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي، الباحث في شؤون أميركا اللاتينية

بينما الصين قد تزيد من استثماراتها بمشروعات البنية التحتية بالقارة من خلال مبادرات الحزام والطريق. 

أما في حال تراجع الدعم الروسي والصيني الفعليى، فلن يعطي هذا السيناريو مزيداََ من الخيارات بالنسبة لدول القارة.

اقرأ أيضاََ: بعد القبض على مادورو.. نظرة على ديون فنزويلا المتعثرة ومليارات الدولارات العالقة

رسالة ردع أميركية؟

أما أستاذ العلاقات الدولية بالمملكة المغربية،  محمد بوبوش، فينظر إلى التحرك الأميركي الأخير باعتباره خطوة تحمل رسالة ردع قوية للصين وروسيا وإيران، مفادها أن التحالفات العسكرية والأمنية أو الاستثمارات الاقتصادية لا تمنح حصانة سياسية للأنظمة المعارضة لواشنطن، وأن أي تغلغل جيوسياسي منافس يُعتبر تهديداً وجودياً للأمن القومي الأميركي.

ويضيف بوبوش لـ CNBC عربية أن التدخل في فنزويلا أدي إلى تعميق الانقسام بين دول يسارية تخشى فقدان سيادتها مثل كولومبيا والبرازيل وكوبا والمكسيك، وأخرى يمينية كالأرجنتين والإكوادور ترحب بالاستثمارات الأميركية، وسط تراجع واضح في قدرة روسيا والصين على حماية حلفائهما في نصف الكرة الغربي.  

التدخل في فنزويلا أدي إلى تعميق الانقسام بين دول يسارية تخشى فقدان سيادتها، وأخرى يمينية ترحب بالاستثمارات الأميركية

محمد بوبوش
أستاذ العلاقات الدولية بالمملكة المغربية

ويشدد على أن الصين تعاملت ببراغماتية حذرة، إذ أدانت استخدام القوة لكنها ركزت على حماية استثماراتها ومصالحها النفطية، فيما تحاول روسيا الحفاظ على حضورها عبر التحول من شريك أمني مهيمن إلى حليف سياسي مشاكس، مع احتمال الدخول في مقايضات استراتيجية مع واشنطن.

ويؤكد بوبوش، أن هذا التوجه الأميركي يعزز فرضية "مناطق النفوذ" في النظام الدولي، ويمنح القوى المنافسة كالصين وروسيا مبرراً لتبني مقاربات مماثلة في ملفات حساسة مثل تايوان وأوكرانيا. كما أن السياسة الخارجية لترامب، التي تميل إلى إعادة ترتيب الأولويات والتركيز على المجال الإقليمي القريب، تعكس تحولاً لافتاً نحو الاعتراف الضمني بتعدد مراكز النفوذ، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية على نطاق عالمي. 

وهو الطرح الذي يبقي قريباََ مع وجهة نظر أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، د عطيف محمد، الذي يؤكد احتمال اتجاه دول القارة نحو بدائل اقليمية/دولية متعددة الاقطاب.

مشهد أكثر تعقيداََ؟

ويشير الاستاذ في العلاقات الدولية، المتخصص في شؤون أميركا اللاتينية، حمدي أعمر حداد لدى حديثه مع CNBC عربية، إلى أن العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا أحدثت شرخاً عميقاً في ثقة العديد من دول أميركا اللاتينية تجاه واشنطن، إذ اعتُبرت تدخلاً صارخاً في سيادة دولة مستقلة يعيد إلى الأذهان نهج الهيمنة التقليدية منذ الحرب الباردة.

هذا التدخل -وفق حداد- دفع الحكومات ذات التوجهات اليسارية والوسطية إلى استنكار شديد، معتبرة أن ما جرى يفتح الباب أمام تكرار السيناريو مع أنظمة أخرى معارضة مثل كوبا ونيكاراغوا، ويثير مخاوف من أن تصبح السيادة الوطنية عرضة للانتهاك تحت ذرائع مكافحة الإرهاب والمخدرات.

ترى بعض الدول اللاتينية أن اللجوء إلى قوى غير غربية قد يوفر رادعاً سياسياً واقتصادياً لموازنة النفوذ الأميركي

حمدي أعمر حداد
الاستاذ في العلاقات الدولية، المتخصص في شؤون أميركا اللاتينية

ويضيف  أن سيناريو أول يبرز، وهو يقوم على تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، حيث ترى بعض الدول أن اللجوء إلى قوى غير غربية قد يوفر رادعاً سياسياً واقتصادياً لموازنة النفوذ الأميركي، خاصة مع استياء موسكو وبكين من العملية ورغبتهما في تعميق التعاون الأمني والاقتصادي مع حلفائهما في المنطقة.  

في المقابل، يطرح سيناريو آخر إمكانية تقارب بعض الحكومات المحافظة مع واشنطن سعياً وراء الاستقرار الداخلي وضمان الأمن الاقتصادي، كما في الأرجنتين والإكوادور وباراغواي، التي ترى في الولايات المتحدة شريكاً ضرورياً لمواجهة أزمات الهجرة والمخدرات. وعلى المدى المتوسط، يتوقع حداد، أن يتعزز الاستقطاب الدولي في القارة، حيث ستسعى الصين وروسيا إلى توسيع نفوذهما عبر التجارة والاستثمارات والدعم السياسي، دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، بينما ستظل واشنطن تحاول إعادة بناء الثقة مع شركائها.

ويتفق الخبراء الثلاثة على أن النتيجة المرجحة هي مشهد إقليمي أكثر تعقيداً، تتباين فيه المواقف بين دول ترى في أميركا مظلة حماية، وأخرى تميل إلى تنويع تحالفاتها مع قوى غير غربية، في إطار موازنة دقيقة بين السيادة الوطنية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي والأمني.  

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة