بعد يوم من موافقة أغلبية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مبدئياً على اتفاقية طال انتظارها، خرج آلاف المزارعين في إيرلندا وبلجيكا وفرنسا إلى الشوارع وسط معارضة واحتجاج على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور في أميركا الجنوبية، يوم السبت 10 يناير/ كانون الأول.
جاءت الاحتجاجات بعد أن صوتت أيرلندا وفرنسا وبولندا والمجر والنمسا ضد الاتفاقية يوم الجمعة، لكنها لم تنجح في منعها.
اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن.. الاتحاد الأوروبي يدعم إبرام اتفاق تجاري مع مجموعة ميركوسور
دول الاتحاد الأوروبي أعطت، الجمعة، الضوء الأخضر للتكتل لتوقيع أكبر اتفاقية تجارة حرة مع مجموعة ميركوسور في أميركا الجنوبية. الصفقة تهدف إلى تعويض الرسوم الجمركية الأميركية، وتقليل الاعتماد على الصين وتعارضها باريس، بسبب تأثيرها على المزارعين المحليين.. فيما سيظل الاتفاق بحاجة إلى موافقة البرلمان الأوروبي.
ومن شأن هذه الاتفاقية، التي استغرق إعدادها أكثر من 25 عاماً، أن تُنشئ واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، مما يُعزز التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي الذي يضم27 دولة، ودول ميركوسور التي تضم البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي.
وبموجب الاتفاقية، ستُصدّر ميركوسور المنتجات الزراعية والمعادن إلى أوروبا، بينما سيُصدّر الاتحاد الأوروبي الآلات والمواد الكيميائية والأدوية برسوم جمركية مُخفّضة.
ورغم ترحيب مجموعات الأعمال بالاتفاقية، إلا أنها قوبلت بمعارضة شديدة من المزارعين الأوروبيين، الذين يخشون من تضرر مصادر رزقهم بسبب الواردات الأرخص من أميركا الجنوبية، ولا سيما البرازيل، القوة الزراعية الرائدة.
دافعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يوم الجمعة، عن القرار قائلة "يُعدّ قرار مجلس الاتحاد الأوروبي اليوم بدعم اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور قراراً تاريخياً. تُرسل أوروبا رسالة قوية".
وأضافت في فيديو خاص بالمناسبة "نحن جادّون في تحقيق النمو وخلق فرص العمل وحماية مصالح المستهلكين والشركات الأوروبية"، مشيرةً "مع ميركوسور، نُنشئ سوقاً مشتركة تضم 700 مليون نسمة وهذا يُتيح فرصاً جديدةً لا حصر لها".
الإغراق والجودة
إلا أن هذه الآراء المرحبة بالاتفاقية، تواجهها اعتراضات كبيرة. وتثير موجة من القلق حول إغراق الأسواق الأوروبية بمنتجات دول الميركسور، مما يزيد حدة منافسة المنتجات المحلية التي تعاني أصلاً، كما تطرح أسئلة حول الجودة والنوعية.
وبحسب المعارضين، سيأتي جزء كبير من الغذاء الذي سيتناوله الأوروبيون في المستقبل من ولاية ماتو غروسو البرازيلية، التي تُعدّ الأكثر تلوثاً بالمبيدات الزراعية في العالم، بحسب المعارضين للاتفاقية.
تُعتبر ولاية ماتو غروسو البرازيلية مملكة الصناعة الزراعية، حيث تُزرع فيها القطن والأرز وقصب السكر والذرة، بالإضافة إلى الإنتاج الضخم لفول الصويا المعدل وراثياً، واستخدام المبيدات الحشرية بشكل غير مسبوق. تتفوق ماتو غروسو عالمياً في مجال "السمية الزراعية"، وهو المصطلح الذي يستخدمه من ينتقدون "الإمبراطورية الكيميائية".
⬅️ جرار يلقي بالبطاطس في الساحة الرئيسية ببروكسل؛ احتجاجاً على اتفاق تجاري مع مجموعة ميركوسور
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) January 10, 2026
⬅️ دول الاتحاد الأوروبي أعطت، الجمعة، الضوء الأخضر للتكتل لتوقيع أكبر اتفاقية تجارة حرة مع مجموعة ميركوسور في أميركا الجنوبية
⬅️ الصفقة تهدف إلى تعويض الرسوم الجمركية الأميركية، وتقليل… pic.twitter.com/jI85oHuEcU
تسمح البرازيل باستخدام 3669 نوعاً من المبيدات الحشرية، ما يجعلها جنة حقيقية للشركات، وخاصة الأوروبية منها. تُباع هنا منتجات محظورة في القارة العجوز.
وفي هذا الإطار، أوضحت آنا بريلكا، عضوة البرلمان الأوروبي البولندية، كيف أن استخدام المبيدات الحشرية في أميركا الجنوبية لا يُمثل خطراً على الصحة فحسب، بل يُشكل أيضاً خطراً على المنافسة للمزارعين البولنديين والأوروبيين.
وأشارت بريلكا، في منشور على منصة إكس، إلى أن "مزارعي دول ميركوسور يُنتجون الغذاء وفقاً لمعايير محظورة في الاتحاد الأوروبي، كاستخدام مبيدات حشرية أخرى، وهرمونات النمو، والافتقار إلى معايير بيئية حقيقية". وهذا يُجبر المزارعين الأوروبيين على التنافس مع إنتاج أرخص محظور قانوناً داخل حدودهم. كما تُؤكد أن استيراد الغذاء بمعايير غير معروفة يُشكل "خطراً على صحة ملايين الأوروبيين".
احتجاجات المزارعين
وفي مدينة أثلون بوسط البلاد، تدفقت الجرارات على الطرق يوم السبت، حيث تجمع مزارعون من مختلف أنحاء أيرلندا للتظاهر ضد الاتفاقية، رافعين لافتات كُتب عليها "أوقفوا اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور"، وهاتفين بشعارات تتهم القادة الأوروبيين بالتضحية بمصالحهم، بحسب رويترز.
أبدى المزارعون الأيرلنديون معارضتهم الشديدة للاتفاقية، محذرين من أنها قد تسمح بدخول 99 ألف طن إضافية من لحوم الأبقار منخفضة التكلفة إلى سوق الاتحاد الأوروبي، مما سيؤثر سلباً على القطاع الزراعي في أيرلندا.
يُعدّ قطاعا لحوم الأبقار ومنتجات الألبان من القطاعات الرئيسية المُوظِّفة في أيرلندا، ويقول العديد من المزارعين إنهم يُعانون بالفعل من أجل تأمين دخل مستدام.
جاءت هذه المظاهرة عقب احتجاجات مماثلة في بولندا وفرنسا وبلجيكا يوم الجمعة، مما يُبرز القلق الواسع النطاق بين المزارعين في جميع أنحاء أوروبا.
ورغم حصول المعارضين على بعض التنازلات وإجراءات التعويض لمزارعي الاتحاد الأوروبي، فقد تعهدت أيرلندا وفرنسا بمواصلة معارضة الاتفاقية مع اقتراب موعد التصويت عليها في البرلمان الأوروبي، والذي قد يكون متقارباً وغير متوقع النتائج.
بالنسبة للعديد من المزارعين في شوارع أثلون، تتجاوز القضية مجرد التجارة، حيث قالت نيام أوبراين، وهي مزارعة قدمت من أثينري في غرب أيرلندا، لوكالة رويترز: "الأمر يتعلق بجودة الغذاء الذي نتناوله. وله تداعيات خطيرة على كل من المزارع والمستهلك".
بينما تقود ألمانيا وإسبانيا منذ فترة طويلة حملة التوصل إلى اتفاق، تعارض فرنسا وبولندا بشدة هذا الاتفاق. وهذا يجعل إيطاليا الدولة العضو الرئيسية التي ستُدلي بصوتها الحاسم.
تعزيز الإنفاق الزراعي
في رسالتها إلى رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي ورئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا، عرضت فون دير لاين إمكانية الوصول المبكر إلى ما يصل إلى 45 مليار يورو من التمويل الزراعي في إطار ميزانية الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل المقبلة، مع التأكيد على تخصيص 293.7 مليار يورو للإنفاق الزراعي بعد عام 2027، وفق موقع بوليتيكو أوروبا.
وأصرّت فون دير لاين على أن الإجراءات الواردة في رسالتها "ستوفر للمزارعين والمجتمعات الريفية مستوى دعم غير مسبوق، بل وأعلى في بعض الجوانب مما هو عليه في دورة الميزانية الحالية".
من جانبه، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، عبر منصة إكس، "تُعدّ اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور علامة فارقة في السياسة التجارية الأوروبية، وإشارة قوية على سيادتنا الاستراتيجية وقدرتنا على العمل. وهذا في صالح ألمانيا وأوروبا".
وأضاف "لكن 25 عاماً من المفاوضات كانت مدة طويلة للغاية، ونحن بحاجة إلى تسريع وتيرة العمل".
بدورها، اعتبرت ممثلة المفوضية الأوروبية للسياسة الخارجية، كايا كالاس، إن اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور تمثل دفعةً قويةً للتجارة الحرة، وتُسهم في تنويع علاقاتنا الاقتصادية، وتُقلّل من سياسات الاعتماد الخطيرة.
في عالمٍ مُعرّضٍ للصدمات، تُرسل هذه الاتفاقية إشارةً واضحةً على التزام أوروبا بشراكات قوية وموثوقة، قائمة على القيم والمبادئ المشتركة.
لا تقتصر هذه الاتفاقية على حجم التبادل التجاري فحسب، بل هي خيار استراتيجي جيوسياسي لأوروبا، وتُؤذن ببداية عهد جديد في التعاون بين الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي