يستعدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتدخلٍ محتمل في إيران، في وقتٍ تشنّ فيه السلطات حملة قمع على المحتجين، مع ورود تقارير عن مقتل مئات الأشخاص وقطع خدمة الإنترنت.
وذكرت صحيفة «وول ستريت غورنال» أن الخطوات المحتملة التالية قد تشمل تعزيز مصادر مناهضة للحكومة عبر الإنترنت، ونشر أسلحة سيبرانية ضد أهداف عسكرية ومدنية إيرانية، وفرض مزيد من العقوبات على النظام، فضلاً عن توجيه ضربات عسكرية. ومن المقرر أن يطلع مساعدو ترامب الرئيس، يوم الثلاثاء، على خيارات التدخل المحتملة.
وبحسب تقرير لموقع «بوليتيكو»، نقلاً عن مسؤول لم يُكشف عن اسمه ومطّلع على التطورات الجارية، فإن الخيارات المعروضة على ترامب تتراوح بين ضربات محددة داخل إيران وهجمات سيبرانية هجومية.
وقال مات غيرتكن، كبير استراتيجيي الشؤون الجيوسياسية في شركة BCA Research: «إذا قررت الولايات المتحدة أنها بحاجة إلى التحرك لحماية أفرادها أو أصولها، أو لحماية تدفقات الطاقة، فإن لديها مجموعة واسعة من الأدوات، من الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب، إلى الطائرات المسيّرة والضربات الصاروخية من الجو والبحر».
وأضاف غيرتكن أن الولايات المتحدة قد تستهدف أيضاً البنية التحتية النووية أو العسكرية أو المنشآت الحكومية من أجل تقليص قدرات النظام و«ردعه عن القيام بأعمال مزعزعة للاستقرار».
وقد تصاعدت الاضطرابات في إيران، التي بدأت في أواخر ديسمبر كانون الأول على خلفية الارتفاع الحاد في الأسعار وانهيار العملة، لتتحول إلى احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة تهدد النظام الإسلامي.
اقرأ أيضاً: ترامب يطلع على خيارات جديدة لشن ضربات عسكرية على إيران
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، كثّفت طهران إجراءاتها ضد المحتجين، مع مقتل أكثر من 500 شخص، وفقاً لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان ومقرها الولايات المتحدة. وحذّرت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل من أي تدخل، فيما حمّل الرئيس مسعود بزشكيان، يوم الأحد، البلدين مسؤولية تأجيج الاضطرابات.
وقال غيرتكن إن «إيران أكثر قدرة بكثير على الرد على الولايات المتحدة، ولا سيما عبر استهداف البنية التحتية الإقليمية للطاقة»، مضيفاً أن إدارة ترامب «ليست بالضرورة متحمسة لإسقاط النظام» ما لم يتدهور الوضع «إلى حدٍّ يجعل الولايات المتحدة ترى أنها لا تستطيع تفويت فرصة التدخل لفرض تغيير في النظام».
تتغير «خريطة الطريق» الخاصة بإدارة ترامب في كثير من الأحيان «يوماً بعد يوم»، إلا أن تهديداته لا تزال تحمل وزناً، إذ لطالما كانت إيران على جدول أعماله، فيما تتفاقم الاضطرابات لتتحول إلى «أعمق وأوسع احتجاجات» منذ سنوات، ولا يسيطر النظام عليها، بحسب ما قاله دان يرغن، نائب رئيس S&P Global، لقناة CNBC في برنامج «Access Middle East».
وقد أعلن ترامب دعمه العلني للمحتجين الإيرانيين، ولوّح باهتمامه بالتدخل في عدة مناسبات عبر منصته «تروث سوشيال»، قائلاً إن الولايات المتحدة ستأتي لـ«إنقاذ» الإيرانيين إذا واصلت السلطات قتل المتظاهرين. وكتب ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم السبت: «إيران تنظر إلى الحرية، ربما كما لم يحدث من قبل. الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد للمساعدة!!!».
وقال ترامب للصحافيين، يوم الأحد، على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» أثناء عودته إلى واشنطن من مقر إقامته في مار-إيه-لاغو بولاية فلوريدا: «نحن ننظر إلى الأمر بجدية كبيرة. الجيش ينظر إليه، ونحن ندرس بعض الخيارات القوية جداً. سنتخذ قراراً».
وذكرت «بوليتيكو» أن ترامب يدرس أيضاً اتخاذ إجراءات غير حركية، تشمل عمليات سيبرانية وأنشطة سرّية، مشيرةً إلى أنه لا يُتوقع أن يُرسل الرئيس الأميركي قوات أميركية إلى داخل البلاد، كما لم تُسجَّل أي تحركات كبيرة للأصول العسكرية الأميركية.
وتنظر الولايات المتحدة في إمكانية استعادة الاتصالات عبر الإنترنت في إيران بعد أن أقدمت السلطات هناك على قطع خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية. وقال ترامب للصحافيين: «قد نتمكن من تشغيل الإنترنت، إذا كان ذلك ممكناً. قد نتحدث إلى إيلون ماسك. سأتصل به فور انتهائي من الحديث معكم». وأفادت تقارير بأن إيران قامت بالتشويش على خدمة «ستارلينك» التابعة لماسك خلال أحدث موجات الاحتجاج.
وقال داني سيترينوفيتش، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي، إن حتى لجوء الإدارة الأميركية إلى ضربة حركية «رمزية» قد يؤدي إلى «تصعيد أوسع بكثير».
وأضاف سيترينوفيتش: «المعضلة في ذروتها: ضربة قوية قد تُضعف جهود النظام في القمع، لكنها في الوقت نفسه قد تؤدي إلى تماسك أكبر داخل النظام وإلى تصعيد أوسع نطاقاً».
وتابع: «في ظل غياب قيادة واضحة للمعارضة، قد تحقق مثل هذه الضربة نجاحاً عملياتياً، لكنها لن تحقق نجاحاً استراتيجياً».
اقرأ أيضاً: بعد الانتقادات والقيود ضد منصة إكس.. إيلون ماسك يشكو من الرقابة
وحذّر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال جلسة بثّها التلفزيون الرسمي على الهواء مباشرة، من أن إسرائيل و«جميع المراكز والقواعد والسفن العسكرية الأميركية في المنطقة ستكون أهدافاً مشروعة» إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران. وقال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، يوم الجمعة الماضي، إن حكومة بلاده «لن تتراجع» في ظل الاحتجاجات.
وتأتي هذه الاضطرابات في وقت باتت فيه الجمهورية الإسلامية أكثر هشاشة، مع مواجهة قادتها ضغوطاً داخلية متزايدة وتنامي غضب الشارع بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية. وقد فقدت العملة الرسمية، الريال، نصف قيمتها خلال العام الماضي، لتتراجع إلى مستويات قياسية متدنية تقارب مليون ريال مقابل الدولار الأميركي، بحسب بيانات LSEG.
وقالت سنام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»: «هذه الاحتجاجات، أياً تكن نتائجها، ستُلحق مزيداً من الضرر بشرعية دولة تعاني أصلاً من انقسام عميق، وتقترب من نهاية عمر نظامها».
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي