يعيد الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ملف الطاقة إلى قلب المشهد الاقتصادي والسياسي في شمال شرق سوريا، حيث تتركز أغلب الاحتياطيات.. فيما تعيد سيطرة دمشق رسم موازين القوى بين الأطراف المحلية وتعزز نفوذ الحكومة بعد سنوات من الإدارة الكردية.
قبل الحرب عام 2011، كان إنتاج النفط السوري يقارب 385 ألف برميل يوميًا، مع مساهمة كبيرة من حقول العمر والتنك والسويدية، بينما تراجع الإنتاج بعد النزاع نتيجة الأضرار في البنية التحتية.
أعاد الاتفاق الأخير المُعلن الأحد 18 يناير/كانون الثاني، بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ملف الطاقة إلى واجهة المشهد الاقتصادي السوري، إذ يشكّل النفط والغاز العامل الأكثر حساسية في معادلة النفوذ شرق الفرات.
تضم هذه المنطقة أغلبية احتياطات النفط والغاز السورية، حسب تقديرات صادرة قبل عام 2011. وتخضع المنطقة بالكامل منذ 2017 لسيطرة قسد.
تكتسب التفاهمات الأخيرة أهمية كبري باعتبارها تحدد مستقبل قطاع النفط السوري الذي يؤثر على الاقتصاد بشكل عام، كما يعيد رسم موازين القوى بين الأطراف المحلية الفاعلة.
تضمنت بنود الاتفاق استلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها من قبل القوات النظامية لضمان عودة الموارد للدولة السورية.
وتضمنت البنود أيضاً وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية، وقوات سوريا الديمقراطية بالتوازي مع انسحاب كل التشكيلات العسكرية التابعة لـ"قسد" إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.
مع تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل فوراً، ويشمل ذلك استلام كل المؤسسات والمنشآت المدنية مع إصدار قرارات فورية بتثبيت الموظفين الحاليين ضمن الوزارات الاختصاصية التابعة للدولة السورية، والتزام الحكومة بعدم التعرض لموظفي ومقاتلي قسد والإدارة المدنية في المحافظتين.
ومن بين البنود الرئيسية في الاتفاق كذلك دمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية.


واستطاع الجيش السوري أخيراً، بعد مواجهات مع قوات سوريا الديمقراطية، السيطرة على حقول نفط العُمَر والتَنَك والجفرة والعزبة، علاوة على حقل كونيكو للغاز.
ووفق شركة النفط السورية، فإنها تسلمت حقلي الرصافة وصفيان بعد أن استعادهما من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وذلك لإعادة وضعهما للخدمة.
وفي الأثناء، أفاد مسؤول كبير في الحكومة السورية، يوم الأحد، بأن فريقاً من وزارة الطاقة موجود بالفعل على الأرض لتقييم حالة حقول نفط رئيسية وحقل كونكو للغاز في دير الزور، رغم عدم توافر نتائج فورية حتى الآن.
وأضاف المسؤول، في التصريحات التي نقلتها عنه رويترز، أن الحكومة السورية ستبدأ وضع خطط لتطوير هذه الحقول بالتنسيق مع شركات الطاقة التي تمتلك بالفعل حقوقاً فيها، بما في ذلك بعض الشركات التي أعلنت القوة القاهرة عند اندلاع النزاع في سوريا عام 2011.
وذكرت الشركة السورية للبترول أنها قامت منذ الساعات الأولى لانطلاق "معارك تحرير تلك المناطق" بإحداث غرفة عمليات طارئة لمتابعة واقع الحقول النفطية واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامتها واستمرارية عملها، بحسب مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة صفوان شيخ أحمد، الذي نقلت عنه "سانا" قوله إنه جرى على الفور توجيه فرق حماية الحقول لتأمين المواقع، والتواصل مع الفنيين المختصين لمتابعة الجاهزية الفنية.
بحسب شيخ أحمد، فإن منطقة حقول الثورة تُعد من النقاط الاستراتيجية والحيوية في خارطة الطاقة السورية، إذ لا يُنظر إلى حقل الثورة كبئر منفصلة، بل كمركز ثقل إداري ولوجستي يربط مجموعة من الحقول المنتشرة في البادية السورية، من بينها حقل وادي عبيد الذي يُعد من الروافد الأساسية للمجمع، وحقل البشري الذي يشكل حلقة وصل مهمة بين ريف الرقة وريف دير الزور، إضافة إلى حقل صفيان الذي يمثل نقطة ربط محورية قريبة من الطريق الدولي.
ومنذ توليه السلطة قبل أكثر من عام، تعهد الرئيس السوري أحمد الشرع بتوحيد البلاد بعد 14 عامًا من الحرب، لكنه واجه صعوبة في فرض السيطرة الكاملة.
في مارس/ آذار 2025، توصلت دمشق وقسد إلى اتفاق لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية الكردية في مؤسسات الدولة السورية بحلول نهاية عام 2025، لكن لم يُحرز تقدم عملي واسع رغم أشهر من المحادثات.
خريطة حقول النفط
تتركز الحقول الرئيسية في شمال شرق البلاد، وتحديدًا في دير الزور والحسكة، فيما توجد مكامن أصغر في الوسط (حمص وتدمر).
ويُعد حقل العمر في دير الزور الأكبر من حيث المساحة والإنتاج، إلى جانب حقول التنك وكونوكو شرق الفرات، ورميلان والسويدية في الحسكة.
وقبل عام 2011، كان النفط أحد أعمدة الاقتصاد السوري، إذ وفّر إيرادات تصدير قاربت 3 مليارات دولار سنويًا، وغطى جزءًا كبيرًا من الاستهلاك المحلي عبر التكرير الداخلي.
شاهد أيضاََ: سوريا.. اتفاق بين دمشق و"قسد" يعيد الموارد إلى الحكومة
الإنتاج قبل 2011 وبعدها
وبلغ الانتاج عام 2011 نحو 385 ألف برميل يوميًا، وفق أوابك، منها 238 ألف برميل مكررة محليًا، حسب تصريحات حكومية سورية.
وأنتج حقل العمر أنتج قرابة 80 ألف برميل يوميًا، فيما أسهمت حقول التنك وكونوكو ورميلان/السويدية بنسب أخري.
ثم تراجع حجم الإنتاج بعد الحرب، وأصبح من الصعب الحصول على تقديرات موثوقة لحجم الإنتاج والاستهلاك.
لكن تقدريرات معهد البرتول الأميركي أشارت إلى إنتاج يتراوح بين 20–40 ألف برميل يوميًا، مع انتشار واسع على التكرير البدائي وعمليات تهريب داخلية.
أبرز حقول النفط والغاز
يشار إلى أن الأرقام الواردة حول حجم الإنتاج في أعقاب 2011 ليست دقيقة تماماََ، وذلك لظروف الحرب، ومع شيوع علميات التهريب الداخلي والخارجي للنفط بين الجماعات والقوي المتصارعة.
تمتلك منطقة "دير الزور" وحدها ما يرقب من 40% من احتياطيات النفط والغاز السوري حسب بيانات غلوبال إنرجي مونيتور.
ومن بين أبرز حقول النفط:
العمر (دير الزور): أكبر حقل نفطي في سوريا. احتياطاته تقارب 760 مليون برميل (من النفط الخام الخفيف)، وطاقته القصوى عام 2011 بلغت 29 مليون برميل سنويًا، قبل أن تهبط إلى 2.74 مليون برميل عام 2016، حسب بيانات غلوبال إنرجي مونيتور. وكان يبلغ إنتاجه 80 ألف برميل يوميا.
التنك (ريف دير الزور): إنتاجه وصل إلى 40 ألف برميل يوميًا عام 2011، مشكّلًا نحو 40% من إجمالي الإنتاج السوري، مع احتياطات تقارب 250 مليون برميل.
حقل التيم (دير الزور): إنتاجه كان يصل إلى نحو 50 ألف برميل يومياً قبل 2011.
السويدية (الحسكة): إنتاجه تجاوز 104 آلاف برميل يوميًا مطلع 2011.
حقول أخرى: حقل الشاعر، وحقل رميلان، وحقل اليعربية في محافظة الحسكة.
حقل كونوكو للغاز (شمال شرق دير الزور): أنشأته شركة كونوكو فيليبس عام 2001، بطاقة إنتاجية تفوق 4.7 مليارات متر مكعب سنويًا من الغاز. وكان ينتج 13 مليون متر مكعب يومياً في 2011.
الجبسة (الحسكة الجنوبي): شكّل مع كونوكو نحو 53% من إنتاج الغاز السوري قبل 2011.
وفيما يتعلق بإنتاج الغاز الطبيعي في سوريا، فقد تراجع إلي 3 مليار متر مكعب عام 2023، بعدما سجل 8.7 عام 2011 وفق بيانات غلوبال إنرجي مونيتور .
وفي أعقاب عام 2011، تضررت خطوط الأنابيب ومحطات المعالجة بشكل واسع بفعل الحرب، ما فرض الاعتماد على النقل البري والتكرير البدائي، كما أن تعدد الجهات المسيطرة شرق الفرات يعقّد التخطيط والاستثمار، فيما يحد غياب الاستثمارات الخارجية والتقنيات الحديثة من استعادة الطاقة الإنتاجية.
الانعكاسات المحتملة
تعد إدارة حقول النفط والغاز السورية أمراََ مهما على الصعيد الإقليمي، وقد تكون له انعكاسات مباشرة على الأسواق الإقليمية، فالعراق وتركيا، المرتبطتان جغرافيًا بخطوط الإمداد، قد تستفيدان من إعادة تشغيل البنية التحتية عبر مشاريع نقل وتكرير مشتركة.
كما أن من شأن استقرار الإنتاج في شرق الفرات أن يؤثر على حركة تجارة الطاقة في المنطقة، ويعيد إدماج سوريا تدريجيًا في معادلة الطاقة الإقليمية، خصوصًا في ظل الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي