كيف تحولت غرينلاند إلى مركز صراع دولي خلال أسبوعين فقط؟

نشر
آخر تحديث
الرئيس الأميركي دونالد ترامب/AFP

استمع للمقال
Play

تصدر مستقبل غرينلاند الأجندة الجيوسياسية في غضون أسبوعين فقط، وسط تحذيرات من عمل عسكري محتمل وحديث عن تعرّض التحالف بين أميركا وأوروبا للخطر.

هكذا وصلت التوترات عبر الأطلسي بشأن هذه القضية إلى نقطة حرجة بهذه السرعة.


اهتمام ترامب الطويل بغرينلاند

 

لطالما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة على غرينلاند، وقال في 2019 إن إدارته مهتمة بشراء الإقليم لأنه ضروري للأمن القومي الأميركي، لكنه أقر حينها بأن الفكرة «ليست على رأس الأولويات».

وردت الدنمارك، المسؤولة عن الدفاع عن الجزيرة، بوصف الفكرة بأنها «سخيفة» في ذلك الوقت، مما دفع ترامب إلى إلغاء زيارة مخطط لها إلى كوبنهاغن.

وأكد ترامب اهتمامه بغرينلاند أواخر 2024 استعداداً للعودة إلى البيت الأبيض، وقال على منصته «تروث سوشيال» إن الولايات المتحدة ترى أن «امتلاك والتحكم في غرينلاند ضرورة مطلقة».

 

اقرأ أيضاً: كيف تضغط أزمة غرينلاند على الأسواق وتضعف الدولار الأميركي؟

 

استجاب رئيس وزراء غرينلاند آنذاك، موته إيجد، قائلاً: «نحن لسنا للبيع ولن نُصبح للبيع أبداً».

زار ابن ترامب، دونالد ترامب الابن، غرينلاند في أوائل عام 2025، مما غذّى التكهنات بأن ترامب سيسعى للحصول عليها خلال فترة ولايته الثانية. وبعد ذلك، قال ترامب إنه لن يستبعد استخدام القوة العسكرية أو الإكراه الاقتصادي، مما أثار انتقادات واسعة.

 

العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا


فجّرت الولايات المتحدة الدهشة في العالم بعمليتها العسكرية الجريئة لاعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته سيسليا فلوريس في 3 يناير كانون الثاني. وفي اليوم التالي، أُجري مقابلة مع ترامب في مجلة ذا أتلانتيك قال فيها: «نحن بحاجة فعلاً إلى غرينلاند، بكل تأكيد». وأضاف إنها «محاطة بسفن روسية وصينية».

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، صرح ترامب على متن طائرة الرئاسة أن الولايات المتحدة «بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، والدنمارك لن تكون قادرة على ذلك، يمكنني أن أقول لكم».

حثّت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتّ فريدريكسن، ترامب على «وقف التهديدات ضد حليف تاريخي قريب وضد دولة وشعب آخر قد صرّحوا بوضوح تام أنهم ليسوا للبيع».

وفي إظهار للتضامن، أصدر القادة الأوروبيون بياناً مشتركاً في 6 يناير كانون الثاني، يردّون فيه على ترامب، مؤكدين أن الأمن في القطب الشمالي يجب أن يتحقق بشكل جماعي.

وجاء في البيان: «إنه من حق الدنمارك وغرينلاند، وفقط لهما، تقرير الأمور المتعلقة بالدنمارك وغرينلاند». وقد وقع البيان قادة الدنمارك وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا، ولاحقاً أيده لاعبون إقليميون رئيسيون آخرون.

 

نشر قوات الناتو في غرينلاند

 

كانت محادثات مقررة في البيت الأبيض بين المسؤولين الأميركيين ووزراء خارجية غرينلاند والدنمارك في 14 يناير كانون الثاني. وفي وقت سابق من ذلك اليوم، شدّد ترامب على موقفه في منشور على منصة Truth Social.

وقال: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. وهي حيوية للقبة الذهبية التي نبنيها. يجب أن يقود الناتو الطريق لنا للحصول عليها».

وأضاف: «يصبح الناتو أكثر قوة وفعالية بكثير إذا كانت غرينلاند في يد الولايات المتحدة. وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول». وفي منشور لاحق، قال ترامب إن الولايات المتحدة وحدها قادرة على مواجهة أي تهديد روسي أو صيني تجاه الجزيرة.

اختتمت المحادثات في البيت الأبيض لاحقاً دون التوصل إلى حل. وبعد ذلك بفترة وجيزة، نشر عدد من أعضاء الناتو قوات صغيرة في غرينلاند لإجراء تمرين عسكري مشترك.

وقالت وزارة الدفاع الألمانية إنها سترسل فريقاً مكوّناً من 13 عنصراً إلى نوك، عاصمة غرينلاند، للمساعدة في تعزيز التواجد الأمني في المنطقة بدعوة من الدنمارك. كما شاركت قوات من فرنسا والسويد والنرويج في العملية.

 

تهديد ترامب بفرض الرسوم الجمركية


وفي يوم السبت، لجأ ترامب إلى أحد أدوات الضغط المفضلة لديه، حيث هدد بفرض موجة متصاعدة من الرسوم الجمركية على ثماني دول أوروبية إذا عارضت خططه.

وقال ترامب إنه سيفرض رسوماً بنسبة 10% على السلع القادمة من الدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد وبريطانيا، اعتباراً من 1 فبراير شباط، لتزيد إلى 25% اعتباراً من 1 يونيو حزيران.

وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التهديدات بأنها «غير مقبولة أساساً»، في حين اعتبر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر هذه الخطوة «خاطئة تماماً».

 

اقرأ أيضاً: ترامب يهدد بفرض رسوم بنسبة 100% على الدول الأوروبية إذا لم يتم التوصل لاتفاق حول غرينلاند

 

وفي يوم الاثنين، أفادت التقارير بأن القادة الأوروبيين كانوا يدرسون فرض رسوم انتقامية وتدابير اقتصادية عقابية أوسع نطاقاً ضد الولايات المتحدة. ومن بين الإجراءات المحتملة ما يُعرف باسم «أداة مكافحة الإكراه» أو ACI، والتي ستسمح للاتحاد الأوروبي بتقييد وصول الموردين الأميركيين إلى السوق الأوروبية، واستبعادهم من المشاركة في المناقصات العامة.

 

الغرينلانديون «مصدومون»


بالنسبة لغرينلاند، الجزيرة الشاسعة التي يبلغ عدد سكانها 57 ألف نسمة فقط، فإن تهديد الولايات المتحدة بالاستحواذ وضعها في قلب عاصفة جيوسياسية. فقد تظاهر آلاف الغرينلانديين في شوارع نوك يوم السبت، بينما شارك نحو 20 ألف شخص في احتجاجات بكوبنهاغن.

وفي مقابلة مع قناة CNBC يوم الثلاثاء، قالت وزيرة الأعمال في غرينلاند، نايا ناثانيلسن، إن الجزيرة تشعر بـ«الارتباك» و«الدمار» نتيجة هذه التطورات.

قالت نايا ناثانيلسن لقناة CNBC: «أن نجد أنفسنا فجأة في خضم عاصفة تهدف إلى الاستحواذ علينا كمنتج أو عقار، أمر صعب للغاية بالنسبة لنا — ناهيك عن التهديدات بالعمل العسكري واحتلال بلدنا فعلياً».

وفي وقت لاحق من يوم الثلاثاء، صرح رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك ناثانيلسن، للصحفيين أنه لا يمكنه استبعاد احتمال غزو أميركي. وأضاف أنه «ليس من المرجح أن يحدث صراع عسكري، لكن لا يمكن استبعاده تماماً».

 

استجابة القادة الأوروبيين في دافوس


وخلال ذلك، كان العديد من القادة العالميين متواجدين في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا. وقد حذر القادة الواحد تلو الآخر من عواقب خطاب ترامب وإجراءاته على التحالف عبر الأطلسي.

وحذر الرئيس الفرنسي ماكرون، دون ذكر اسم ترامب صراحة، يوم الثلاثاء من التحوّل نحو «عالم بلا قواعد»، مؤكداً أن أوروبا لن تُخشى من «المتنفذين والمتسلطين». وأضاف أن مجرد تفكير أوروبا في استخدام أداة مكافحة الإكراه (ACI) «أمر جنوني».

وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال الاجتماع إن «النظام القديم لن يعود»، وحذر من أن «الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية». وأضاف أن النظام الجديد يمثل «نظاماً من تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، حيث يسعى الأقوى لتحقيق مصالحه باستخدام الاندماج الاقتصادي كوسيلة للإكراه».

ويستمر ترامب في التأكيد على أنه «لا عودة عن غرينلاند»، ومن المقرر أن يلقي خطاباً في دافوس في وقت لاحق من يوم الأربعاء.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة