بين الذكاء الاصطناعي والصحة النفسية روابط سلبية، حيث يلجأ الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية كالحزن والقلق والحيرة إلى روبوتات الدردشة الآلية لأخذ النصيحة للتخفيف من شعورهم بالوحدة أو للبحث عن تأكيد لمشاعرهم، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج سلبية تزيد من منسوب القلق وأحياناً الاكتئاب.
أظهرت دراسة حديثة أن الأشخاص الذين يتفاعلون مع برامج الدردشة الآلية للحصول على الدعم العاطفي أو لأسباب شخصية أخرى، يُرجّح أن يُبلغوا عن أعراض الاكتئاب أو القلق.
أجرى باحثون من مستشفى ماساتشوستس العام بريغهام استطلاعاً شمل 20,847 شخصاً، معظمهم من الرجال والنساء البيض، في الولايات المتحدة، حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي وأعراض الصحة النفسية لديهم.
اقرأ أيضاً: لماذا يستخدم الرجال الذكاء الاصطناعي في العمل أكثر من النساء؟
حذّر باحثون من أن الاستخدام المكثف لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وGemini وClaude وDeepSeek قد يرتبط بأعراض الاكتئاب والاضطرابات النفسية.
وأظهرت دراسة حديثة، أن الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي يومياً أكثر عرضة بنسبة 30% للإصابة بمستويات متوسطة على الأقل من الاكتئاب، مقارنةً بالمستخدمين الأقل تواتراً.
في استطلاع نُشر يوم الأربعاء في مجلة JAMA Network Open، أفاد 10.3% من المشاركين باستخدام الذكاء الاصطناعي "يومياً على الأقل"، بينما أفاد 5% باستخدامه "عدة مرات في اليوم". ومن بين مستخدمي برامج الذكاء الاصطناعي يومياً على الأقل، كان ما يقرب من النصف يستخدمونه للعمل، ونحو 11% يستخدمونه للدراسة. أما بين المستخدمين اليوميين، فقد أفاد 87.1% باستخدامه لأسباب شخصية، والتي قد تشمل التوصيات أو النصائح أو الدعم النفسي، بحسب تقرير لشبكة NBC.
أحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، الدكتور روي بيرليس، قال إن معظم الناس يتعرضون للذكاء الاصطناعي من خلال برامج الدردشة الآلية Chatbots.
وبلغ متوسط عمر المشاركين في الدراسة 47 عاماً. وكان أولئك الذين يستخدمون برامج الدردشة الآلية يومياً لأسباب شخصية أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، ولو بدرجة متوسطة، أو بمشاعر القلق والتوتر، مقارنةً بمن لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي.
سُئل المشاركون عما إذا كانوا قد واجهوا صعوبة في التركيز أو النوم أو الأكل أو التفكير في إيذاء أنفسهم خلال الأسبوعين الماضيين، وكم مرة حدث ذلك. تشمل الأعراض الشائعة للاكتئاب الشعور بالحزن، وتدني احترام الذات، ونقص الطاقة، وفقدان الحافز.

المستخدمون الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و64 عاماً هم الأكثر عرضة للإبلاغ عن أعراض الاكتئاب مع استخدام الذكاء الاصطناعي.
في أبحاث سابقة، ظهر أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على الدعم العاطفي، بل وحتى في العلاقات الرومانسية. وقد بينت دراسات مبكرة أن برامج الدردشة الآلية المصممة خصيصاً لعلاج الصحة النفسية قد تكون مفيدة كعلاج مساعد.
في المقابل، أشارت دراسات أخرى حللت برامج الدردشة الآلية العامة، مثل ChatGPT من OpenAI، إلى أنها قد تُشكل مشكلة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية.
مع ذلك، تنصح الجمعية الأميركية لعلم النفس بعدم استخدام الذكاء الاصطناعي كبديل للعلاج النفسي.
وأوضح بيرليس أن متوسط الفرق في شدة الاكتئاب بين مستخدمي برامج الدردشة الآلية وغير المستخدمين كان طفيفاً، لكنه حذر من أن بعض الأشخاص قد يعانون من الاكتئاب بشكل أشد من غيرهم.

اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي يساعد مسؤولي التوظيف على اكتشاف المواهب الخفية
نائب رئيس قسم الأبحاث في قسم الطب النفسي بمستشفى ماساتشوستس العام بريغهام روي بيرليس، قال: "ربما توجد فئة من الناس لا يرتبط استخدامهم للذكاء الاصطناعي بأي تغيير في مزاجهم، بل قد يُحسّن مزاجهم. لكن هذا يعني أيضاً وجود فئة أخرى يرتبط استخدامهم للذكاء الاصطناعي على الأرجح بتدهور مزاجهم، وقد يصل الأمر لدى البعض إلى مستويات اكتئاب أعلى بكثير".
لاحظ الباحثون ما يُسمى "استجابة الجرعة"، أي أنه كلما زاد استخدام الشخص للذكاء الاصطناعي، زادت حدة أعراضه.
لم يرتبط استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل أو الدراسة بأعراض الاكتئاب.
أما بالنسبة للأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأسباب شخصية، فأوضح بيرليس أن طبيعة تفاعلاتهم تتفاوت بشكل كبير، وأن روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تُعدّ وسيلةً للتواصل الاجتماعي الذي قد يكون صعباً عليهم لولاها.
"ليس صحيحاً على الإطلاق أن جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضارة، ولا برامج الدردشة الآلية ضارة"، هذا ما قاله بيرليس، وهو أيضاً محرر مشارك في مجلة JAMA Network Open. "أعتقد أن قلقي ينصبّ تحديداً على برامج الدردشة الآلية ذات الأغراض العامة. فهي ليست مصممة في الأصل لتولي مهام الدعم الاجتماعي أو دعم الصحة النفسية، ولذا أعتقد أن استخدامها بهذه الطريقة ينطوي على بعض المخاطر".
من ناحيته، قال نيكولاس جاكوبسون، الأستاذ المشارك في علوم البيانات الطبية الحيوية والطب النفسي وعلوم الحاسوب في كلية دارتموث، إن الناس قد يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي للعلاج إذا لم يكونوا راضين عن الرعاية الطبية التقليدية، ولأنه أسهل في الوصول إليه.
وأضاف: "لا يوجد عدد كافٍ من مقدمي الخدمات لتلبية جميع الاحتياجات. والناس يبحثون عن دعم أكبر مما يمكنهم الحصول عليه بطرق أخرى".
كما وجدت الدراسة أن الرجال، والشباب، وذوي الدخل المرتفع، وذوي التعليم العالي، وسكان المناطق الحضرية يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر تكراراً.
وأوضح جاكوبسون أنه ليس من المؤكد سبب ميل بعض الأشخاص إلى استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر من غيرهم، أو سبب تأثرهم به سلباً أكثر من غيرهم.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي