من بيل غيتس إلى إيمانويل ماكرون: كيف تتواصل أقوى الشخصيات في العالم ويمارسون نفوذهم؟

نشر
آخر تحديث
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون/AFP

استمع للمقال
Play

في كل شهر يناير كانون الثاني، يجتمع أقوى الشخصيات في العالم على قمم دافوس الثلجية لمناقشة أكثر القضايا العالمية إلحاحاً، في مشهد يشكّل درساً متقدماً في فنون التواصل والتأثير.

وانعقد المؤتمر الرئيسي للمنتدى الاقتصادي العالمي خلال الفترة الممتدة من 19 إلى 23 يناير كانون الثاني، بمشاركة قادة بارزين، من بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والملياردير بيل غيتس، والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ، الذين ألقوا كلمات وشاركوا في جلسات نقاشية.

وحمل مؤتمر هذا العام شعار «روح الحوار»، في وقت هيمنت فيه حالة عدم اليقين الجيوسياسي والتوترات في التجارة الدولية على مجمل النقاشات.

وكان من بين أبرز القضايا المطروحة إصرار ترامب على السعي إلى السيطرة على إقليم غرينلاند في القطب الشمالي، إلى جانب تداعيات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.

 

اقرأ أيضاً: دافوس 2026.. آمال كبيرة بولادة وظائف جديدة مع تطور صناعة الذكاء الاصطناعي

 


جرت بثّ ردود القادة الوطنيين والرؤساء التنفيذيين مباشرة، قبل أن تُختزل لاحقاً في مقاطع صوتية لا تتجاوز 10 ثوانٍ وتعديلات مصوّرة على تيك توك، جرى تداولها واستهلاكها على نطاقٍ عالمي، بما فتح الباب أمام النقد الفوري.

وفي حديث مع  «CNBC»، قدّم رينيه كارايول، مدرب القيادات التنفيذية في شركات «فورتشن 500» و«فايننشال تايمز 100» وزعماء دول، تحليلاً لأداء أكثر المتحدثين تأثيراً في المنتدى الاقتصادي العالمي لهذا العام.

وكان كارايول، الذي عمل مع نيلسون مانديلا، والرئيس الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، والرئيس التنفيذي لشركة آبل تيم كوك، وغيرهم كثيرون، صريحاً في حديثه عن العناصر الأساسية للخطاب العام والتواصل المؤثر.

وقال كارايول: «العنصران الأساسيان اللذان نركز عليهما دائماً في التدريب هما: الأداء قبل المحتوى. وثانياً، ليست القضية فيما تقوله، بل في الطريقة التي تقوله بها. هذا هو العامل الأقوى. توقّف عن محاولة حفظ الكلمات، وتعلّم فن الأداء».

 

ماكرون وكارني يخطفان الأضواء


وصف كارايول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأنهما قدّما «درسَين نموذجيين» في الخطابة العامة والقيادة والتأثير.

وألقى ماكرون خطاباً خاصاً في دافوس يوم الثلاثاء، ردّ فيه بلهجة حازمة على ما وصفه بـ«المتنمّرين»، عقب تجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته بفرض رسوم جمركية على أوروبا، إلى جانب فرض رسوم بنسبة 200% على النبيذ الفرنسي، والتي جرى التراجع عنها لاحقاً.

وحذّر الرئيس الفرنسي من عالم «بلا قواعد» في ظل تجاهل القانون الدولي، داعياً إلى تعزيز التعاون العالمي لمواجهة حالة عدم الاستقرار. وقد ألقى ماكرون خطابه وهو يرتدي نظارات شمسية زرقاء الطابع بسبب إصابة في عينه، وهو ما قال كارايول إنه أضفى على ظهوره طابعاً أقرب إلى «توم كروز».

وقال كارايول: «كان أشبه ببطل من أبطال مارفل. وقف بثبات ووضوح، منتصب القامة إلى أقصى حد، وتحدث بجرأة».

وأضاف أن وضعية ماكرون «كانت مستقيمة، ينظر إلى الأعلى، ويبدو قوياً»، ما بثّ إحساساً بأنه «غير خائف ولا يعتذر، ومنح أوروبا بأكملها قدراً من الصلابة والثقة».

 

اقرأ أيضاً: لاغارد: الانتقادات الأميركية لأوروبا في دافوس جرس إنذار لمواجهة الحقائق

 

وقدم كارني رسالة مشابهة لماكرون في كلمته خلال المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الثلاثاء، إذ شدد على أن «القوى المتوسطة» في العالم يجب أن تتوحد في مواجهة الإكراه الذي تمارسه القوى الكبرى.

قال مارك كارني، رئيس وزراء كندا، إن «القوى الكبرى بدأت تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح، فالجمارك تُوظَّف كورقة ضغط، والبنية التحتية المالية كأداة إكراه، وسلاسل التوريد كبُنى قابلة للاستغلال».

ووصف رينيه كارايول خطاب كارني بأنه «رائع»، مشيراً إلى هدوئه وسلطته وقياسه المدروس لكل كلمة، مع الإشارة إلى أن تعابير وجهه كانت تقول الكثير، إذ ظل «جاداً وجادّاً للغاية» طوال الخطاب ولم يبتسم مطلقاً، واستخدم الإيقاع الصوتي لإضفاء الجدية والثقل على كلامه.

وقال كارايول: «كان جاداً... أراد للعالم أن يعلم أنهم لن يتراجعوا أمام ترامب دون أن يذكره صراحة. ماكرون هو الذي تخرج منه مدهوشاً، وكارني هو الذي تخرج منه مع شعور بالاحترام».

وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب معروف بكونه متحدثاً بارعاً، أشار كارايول إلى أن خطابه يوم الأربعاء كان مشتتاً ومرتجلاً. وقال: «ترامب كان متشتتاً، خارج النص، متلعثماً، بلا هدف واضح، لأنه كان يقوم بما أسميه ‘TACO’. دائماً ما يتراجع ترامب عندما يواجهه شخص يوقفه. كان مشهداً محبطاً».

لكنه أضاف أن ترامب عادةً ما يكون «بارعاً»، وأن «حين يكون في أفضل حالاته... قد لا تتفق مع ما يقوله، لكن أسلوبه في الإلقاء يبقى مذهلاً». وتذكر كارايول فترة الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 قائلاً: «يكون في أفضل حالاته عندما يكون في بيئة تنافسية. فعندما كان يترشح للرئاسة، قضى على جميع المنافسين».

 

أفضل القادة يحكون القصص


وأشار أندرو برودسكي، أستاذ الإدارة في جامعة تكساس ومؤلف كتاب ″PING: أسرار التواصل الناجح″، إلى أن قادة الأعمال يتواصلون بطريقة مختلفة عن رؤساء الدول، لأن الرؤساء التنفيذيين يحتاجون إلى مراعاة تأثير كلماتهم على أسعار أسهم شركاتهم، بينما يمكن للقادة السياسيين استخدام خطاب أقوى وأكثر تأثيراً.

وقال برودسكي لـ CNBC: «القادة السياسيون غالباً ما يمتلكون أدوات تواصل إضافية، إذ لا يقلقون بشأن أسعار الأسهم. ويستخدمون استراتيجيات مثل تحفيز المشاعر السلبية، كالغضب، وتسليط الضوء على التهديدات الوجودية المحتملة لبلدهم لتحفيز شعوبهم».

وفي المقابل، إذا أبدى الرؤساء التنفيذيون في قطاع التقنية مشاعر سلبية كبيرة أو ركّزوا على مخاطر التكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي، فقد يتأثر سعر سهم الشركة، أو يفقد الموظفون الثقة بها ويغادرون.

وأشار برودسكي إلى أن أحد أفضل أساليب التواصل القيادي هو استخدام «الصور الذهنية، والاستعارات، والقصص» لنقل الرؤية إلى الجمهور بطريقة مؤثرة وجذابة.

على سبيل المثال، عندما تحدث ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، عن التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي خلال المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع، قارن بين تأثيره وتأثير الحواسيب الشخصية عند طرحها لأول مرة، مشيراً إلى أن آثار الذكاء الاصطناعي تفوق ذلك بمقدار «10 أضعاف، 100 ضعف».

وقال برودسكي: «بدلاً من التركيز على الجوانب التقنية، قام ناديلا بتوصيل رؤيته لمستقبل الذكاء الاصطناعي عبر استخدام استعارات بسيطة يفهمها الجميع».

كما سُئل جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيزيد أم يقلل عدد الوظائف، ولإيصال فكرته لم يعتمد على الإحصاءات، بل روى قصة عن كيفية زيادة الذكاء الاصطناعي لعدد الوظائف في قطاع الأشعة الطبية.

 

اقرأ أيضاً: بعد حظر صيني.. موردو مدخلات رقائق إنفيديا إتش200 يعلقون الإنتاج

 

وشرح برودسكي: «بدلاً من الاعتماد على إحصاءات عامة عبر الصناعات، استخدم هوانغ قصة عن اختصاصيي الأشعة ليُظهر التأثير الإيجابي للذكاء الاصطناعي. ومن خلال السرد، أصبح ما يقوله ملموساً وذا معنى للجمهور بطريقة لا يمكن للإحصاءات وحدها أن تحققها».

كما تميز مؤسس مايكروسوفت المشارك بيل غيتس خلال إحدى الجلسات الحوارية، حيث حافظ في معظم الوقت على التواصل البصري مع الجمهور أثناء الإجابة على أسئلة المحاورين وزملائه في الجلسة.

وأضاف برودسكي: «هذا الاختيار البسيط بدا وكأن غيتس يتحدث مباشرة إلى الجمهور ويشركهم في النقاش».

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة