
تحولات عالمية كبيرة عصفت بالعالم منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولايته الثانية، ولم تكن كندا بمنأى عن تلك المتغيرات؛ بل وجدت نفسها في صميمها.
إذ شهدت كندا تحولاً جذرياً في علاقتها التاريخية مع حليفها الأمني وشريكها التجاري المقرب بعد أن فرض ترامب تعرفات جمركية على عدة قطاعات كندية رئيسية، كما تفاقمت المخاوف السيادية بعد أن وصف الرئيس الأميركي جارته الشمالية بـ"الولاية الحادية والخمسين".
ونتيجة لهذه التهديدات، اضطرت كندا إلى إعادة توجيه سلوكها تجاه الولايات المتحدة بشكل كامل. وهذا تغيير جذري عن الممارسات المتبعة لأكثر من 100 عام.
فقد اعتقد الكنديون لعقود طويلة أن وجود علاقة قوية ومستقرة ومنفتحة مع الولايات المتحدة، قائمة على المنفعة المتبادلة، أمراً مسلماً به، ولكن يبدو أن هذا الاعتقاد لم يعد صحيحاً.
ازدادت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وكندا بشكل حاد بعد أن ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابًا حماسيًا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، يوم الثلاثاء، معلناً "ثورة" في النظام العالمي القديم، وداعياً "للقوى المتوسطة" إلى التوحد لتجنب الوقوع ضحية للهيمنة الأميركية.
كما أثار دفاع كارني عن غرينلاند ومعارضته للتعرفات الجمركية خلال مشاركته في منتدى دافوس غضب ترامب، الذي ردّ في خطابه في اليوم التالي قائلاً إن كندا تتلقى العديد من "المساعدات المجانية" من الولايات المتحدة، وأن كارني ليس "ممتناً".
وردّ كارني مشيداً بالعلاقة بين الولايات المتحدة وكندا، لكنه قال إن كندا "لا تعيش بفضل الولايات المتحدة، بل تزدهر لأننا كنديون".
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 100% على كندا إذا مضت قدماً في اتفاقية تجارية مع الصين، وحذر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من أن هذه الاتفاقية ستعرض بلاده للخطر.
وكتب ترامب على موقع "تروث سوشيال": "ستبتلع الصين كندا بالكامل، بما في ذلك تدمير أعمالها ونسيجها الاجتماعي وأسلوب حياتها بشكل عام".
وكان رئيس الوزراء الكندي قد سافر خلال يناير الحالي إلى الصين لإعادة ضبط العلاقات المتوترة بين البلدين، وتوصل إلى اتفاقية تجارية مع ثاني أكبر شريك تجاري لكندا بعد الولايات المتحدة.
وإذا نفذ ترامب تهديده ، فإن الرسوم الجمركية الجديدة ستزيد بشكل كبير من الهيكل المعقد للتعرفات الأميركية المفروضة على جارتها الشمالية، مما سيزيد الضغط على القطاعات الصناعية الكندية، مثل صناعة المعادن والسيارات والآلات.

في رد غير مباشر على تهديدات ترامب الجمركية، حث مارك كارني ،من خلال تصريح مصور في عطلة نهاية الأسبوع، الكنديين على شراء المنتجات المحلية و قال كارني: "مع تعرض اقتصادنا لتهديدات خارجية، اختار الكنديون التركيز على ما يمكننا التحكم فيه. لا نستطيع التحكم بما تفعله الدول الأخرى، لكن بإمكاننا أن نكون أفضل مستهلك لأنفسنا".
وكانت حملة مقاطعة المنتجات الأميركية قد انتشرت في كندا تزامناً مع بدء ترامب لتهديداته الجمركية والسيادية لجارته الشمالية في بداية العام الماضي.
وتجلت هذه المقاطعة بوضوح في متاجر بيع المشروبات الكحولية، حيث سحبت معظم المقاطعات الأميركية المشروبات الكحولية من رفوفها ردًا على الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب.
ووفقًا لمجلس المشروبات الروحية المقطرة في الولايات المتحدة، انخفضت صادرات المشروبات الروحية الأميركية بنسبة 9% في الربع الأخير من عام 2025 مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.
كما تراجعت قيمة واردات المشروبات الكحولية الأميركية من 63.1 مليون دولار في أواخر عام 2024 إلى ما يزيد قليلًا عن 9.5 مليون دولار في أواخر عام 2025.
كما يتجه الكنديون إلى شراء المزيد من السيارات المصنعة في المكسيك، حيث تجاوزت واردات السيارات من المكسيك واردات الولايات المتحدة لأول مرة في يوليو/تموز، وفقاً لبيانات هيئة الإحصاء الكندية.

شهدت الأشهر الاثني عشر الماضية تغيراً في مواقف الكنديين العامة تجاه الولايات المتحدة، إن لم يكن تجاه الأميركيين أنفسهم.
إذ أشار استطلاع رأي أجراه مركز Pew للأبحاث في ربيع العام الماضي إلى أن 64% من الكنديين لديهم نظرة سلبية تجاه الولايات المتحدة في عام 2025، وهي أعلى نسبة مسجلة على الإطلاق خلال أكثر من عقدين من استطلاعات الرأي التي يجريها المركز.
يمثل هذا تحولاً جذرياً عن موقفهم قبل ولاية ترامب الثانية، حين أعربت الأغلبية عن نظرة إيجابية تجاه جارتهم.
وأظهر الاستطلاع أن نسبة أكبر من الكنديين، حوالي 77%، لا يثقون بترامب كرئيس. ووصفه تسعة من كل عشرة مستطلعين بأنه "متعجرف"، وقال ثلاثة أرباعهم إنهم يعتقدون أنه "خطير".
كما أظهر استطلاع رأي منفصل أجرته مؤسسة Angus Reid في أكتوبر/تشرين الأول أن ما يقرب من نصف الكنديين (46%) يرغبون في أن تتعامل حكومتهم مع الولايات المتحدة باعتبارها "عدواً أو تهديداً محتملاً".
وهذه النسبة أعلى من النسبة المسجلة في الهند (24%) أو الصين (34%). وقد سعى رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى تحسين العلاقات مع كلا البلدين بعد سنوات من التوترات المتعلقة، من بين أمور أخرى، بمزاعم التدخل الأجنبي.
وأشار استطلاع رأي أحدث أجرته مؤسسة Leger في وقت سابق من هذا الشهر إلى أن واحداً من كل ثلاثة كنديين يعتقد أن الولايات المتحدة قد تتخذ "إجراءً مباشرًا" للسيطرة على كندا في المستقبل.
وجاء هذا الاستطلاع ردًا على اعتقال الولايات المتحدة هذا الشهر للزعيم الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وتصريحات ترامب المتجددة بشأن ضم غرينلاند.

لطالما كانت الولايات المتحدة الوجهة السياحية الأولى للكنديين، وهي إحصائية غير مفاجئة لبلدين تربطهما أطول حدود برية في العالم.
ورغم بقاء الولايات المتحدة وجهة سياحية رئيسية، إلا أن عدد الكنديين المسافرين إليها انخفض بأكثر من 25%، وفقًا لأحدث بيانات هيئة الإحصاء الكندية.
لاحظ قطاع السياحة الأميركي هذا التراجع، وتوقع خسارة قدرها 5.7 مليار دولار في الإنفاق السياحي عام 2025 مقارنةً بالعام السابق.
بل إن بعض الولايات، مثل كاليفورنيا، أطلقت حملات إعلانية في محاولة لجذب الكنديين مجدداً.
لكن الكثيرين فضلوا قضاء عطلاتهم داخل البلاد، حيث سجل قطاع السياحة الداخلية رقماً قياسياً في الإيرادات بلغ 59 مليار دولار كندي خلال الفترة من مايو إلى أغسطس، بزيادة قدرها 6% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لهيئة السياحة الكندية.
وتوجه آخرون إلى المكسيك، حيث تُظهر البيانات الوطنية ارتفاعاً بنسبة 12% في عدد الكنديين الذين زاروا المدن المكسيكية خلال العام الماضي.

يقود رئيس الوزراء مارك كارني عملية التحول الاقتصادي، مع إعطاء الأولوية للشراكات الاستراتيجية الجديدة، لا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ومع شركاء محددين مثل قطر.
ويهدف كارني إلى مضاعفة الصادرات غير الأميركية خلال العقد القادم وتقليل الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة التي تستحوذ على 75% من الصادرات الكندية.
وبالإضافة إلى الاتفاق الأخير مع الصين، تم إبرام شراكة جديدة مع قطر لتسريع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والفضاء، والدفاع.
وتُنهي كندا حاليًا اتفاقية تجارة حرة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وتسعى إلى إقامة شراكة اقتصادية شاملة مع الهند.
كما بدأت مشاورات بشأن اتفاقيات تجارية جديدة مع الهند والإمارات العربية المتحدة وتايلاند وتكتل "ميركوسور".
رغم أن العلاقة بين كندا والولايات المتحدة ما زالت قابلة للإصلاح بسبب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية العميقة بين البلدين، إلا أن توجهات رئيس الوزراء الكندي الجديدة تظهر أنه لا يريد الاعتماد على سياسة الأمل، مثل التمني بفوز الحزب الديمقراطي في أميركا في الانتخابات القادمة.
وهذا التوجه كان واضحاً من خلال كلمته في دافوس عندما قال، "إن القوى المتوسطة مثل كندا لا ينبغي أن تحزن على تغير الوضع الراهن، في ظل توجه القوى العظمى نحو الداخل"، داعيًا إلى تنويع التجارة والتركيز على بناء القوة الاقتصادية محليًا.
كما ضرح بأن "الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية، لكننا نؤمن أنه من خلال هذا الانقسام، يُمكننا بناء شيء أكبر وأفضل وأقوى وأكثر عدلًا". هذا هو دور القوى المتوسطة، تلك الدول التي ستخسر أكثر من غيرها في عالمٍ يسوده التكتلات، والتي ستجني أكثر من غيرها من التعاون الحقيقي،".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي